(--- ب. ما إذا عُلم اشتراكهما في القتل.
ج. ما إذا عُلم إجمالًا عدم الاشتراك.
د. ما إذا لم يتبيّن الاشتراك ولا عدمه.
أمّا الصورة الأُولىفهي خارجة عن منصرف الرواية الصحيحة، إذ كيف يجوز قتل من علمت براءته عن القتل إجمالًا كما في العلم بكذب أحدهما، فكيف إذا علم كذب كليهما، وإقرار العقلاء إنّما يؤخذ إذا لم يُعلم كذبه.
وأمّا الصورة الثانية- أي إذا عُلم العلم بالاشتراك- فالظاهر خروجها عن مورد السؤال أيضاً، لأنّ حكمها معلوم داخل فيما إذا اشترك جماعة في قتل شخص.
وقد مرّ حكمه في فصل القول بالموجب المسألة 44، وقال المصنّف هناك: لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتُص منهم إذا أراد الولي، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول ... الخ.
وبعبارة أُخرى: لمّا كان حكم المشاركة في القتل واضحاً، صار ذلك سبباً لانصراف الرواية عنه، على أنّ بعض الفقرات لا يناسب العلم بالمشاركة.
وأمّا الصورة الثالثة- أعني: العلم بعدم المشاركة- فهي أيضاً خارجة عن مصبّ الرواية لقضاء الفطرة على أنّ قتل شخص مع العلم بعدم المشاركة أمر يعد تهجّماً على الدماء ولا يرضى به صاحب الفطرة السليمة، وعندئذٍ---)
(--- كيف أجاز الإمام قتلهما، لكن مع رد نصف الدية كما في الشق الثاني.
ويظهر من المحقّق أنّه حمل الرواية على صورة العلم بعدم الاشتراك، ولذلك أشكل على الرواية بقوله: وفي قتلهما إشكال لانتفاء الشركة.[1]
وقد سبقه ابن إدريس وقال: لي في قتلهما جميعاً نظر؛ لعدم شهادة الشهود وإقرار المقرّ بالشركة. ثم قال: لو شهدت البيّنة بالاشتراك وأقرّ الآخر به، جاز قتلهما ويرد عليهما معاً دية.[2]
ولا يخفى أنّه لو قامت البيّنة على الاشتراك يدخل المورد في الصورة الثانية ويرتفع الإشكال. لكن الكلام في عدم دلالة البيّنة عليه.
وأمّا الصورة الرابعة- أعني: حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الاشتراك ولا عدمه- ففيها: أنّه مع عدم العلم بالمشاركة كيف يجوز قتلهما، كما في الرواية مع أنّ قتلهما رهن ثبوت المشاركة؟
^^^
ثم إنّ السيد الخوئي قدس سره حاول حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الحال، ولكنّه أثبت أنّ مقتضى الجمع بين أخذ البيّنة وإقرار المقرّ هو ثبوت المشاركة، وبذلك سهل الحكم بقتلهما.
وأمّا كيفية استفادة المشاركة فقد ذكره بالبيان التالي- مع إيضاح منّا-:
إنّ البيّنة تدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المشهود---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 221.
[2]. السرائر: 3/ 342.
(--- عليه، وبالدلالة الالتزامية على نفي اشتراك غيره فيه، لكن الدلالة الالتزامية تسقط من جهة إقرار الآخر بالقتل.
فإن قلت:إنّ إقرار المقرّ- أيضاً- يدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المقرّ، وبالدلالة الالتزامية على نفي الاشتراك من غيره.
قلت:إقرار المقرّ حجّة بالإضافة إلى ما عليه من الآثار، وأمّا بالإضافة إلى نفي القتل عن غيره فلا يكون حجّة، إذ ليس إقراراً على النفس، بل إقراراً لصالح الغير فالنتيجة من ضمّ البيّنة إلى الإقرار هي أنّهما معاً قاتلان على نحو الاشتراك فيجري عليهما حكم الاشتراك في القتل، غير أنّ ولي المقتول إذا اقتصّ من المقرّ فليس لورثته أخذ نصف الدية من المشهود عليه، وذلك لأجل أخذ المقرّ بإقراره. ثم طبّق الصحيحة على هذا الفرع[1].
وعلى ما ذكره تدخل الرواية في صورة العلم بالمشاركة تعبّداً.
يلاحظ عليه:أنّه قدّم الدلالة المطابقية للبيّنة على الدلالة الالتزامية في المقرّ حيث إنّ مقتضى الأولى كون المشهود عليه مصدراً للقتل، ومقتضى الثانية عدم كونه مصدراً، فقدّم المطابقية في البيّنة على الالتزامية في الإقرار، ولكنّ الظاهر من ذيل الرواية هو العكس، وذلك لأنّه عندما سأل الراوي عما هو الفرق من أنّه إذا قتل المشهود عليه يردّ المقرّ نصف الدية إلى ورثة المقتول دون العكس، فلو قُتل المقرّ لا يؤدّي المشهود عليه شيئاً إلى ورثة المقرّ، فأجاب الإمام عليه السلام بقوله: 2
[1]. مباني تكملة المنهاج: 2/ 10.
(--- «إنّ الّذي شُهد عليه ليس مثل الّذي أقرّ، الّذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرئ صاحبه،والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه فلزم الّذي أقرّ وبرأما لم يلزم الّذي شُهد عليه ولم يبرّئ صاحبه».
فإنّ معنى ذلك أنّ الدلالة الالتزامية للمقرّ بعدم مشاركة غيره باق على قوّته لا يسقط عن الاعتبار، وكفى في ترتّب الأثر عليه حصر القتل في المقرّ وبالتالي تبرئة الغير.
وبذلك عُلم أنّ تجويز قتلهما فرع ثبوت الاشتراك، وإلّا فيكون مخالفاً للضوابط، والمفروض أنّه لم يثبت الاشتراك.
وحصيلة الكلام:أنّ تجويز قتل كلّ واحد وحده ممّا لا إشكال فيه لأحدٍ لحجّية البيّنة في مفادها والإقرار في مفاده، إنّما الاشكال في تجويز قتلهما مع عدم ثبوت الاشتراك.
كلّ ذلك صار سبباً لما ذكره في المتن من الاحتياط وقال: والمسألة مشكلة جدّاً يجب الاحتياط فيها، وعدم التهجّم على قتلهما.
ويمكن حمل الرواية على صورة تبيّن الحال، لكن بصور مختلفة حسب ادّعاء الأولياء وأنّ لكلّ شقّ من الرواية صورة خاصّة:
1. فإن ادّعوا أنّ القاتل هو المشهود عليه فيقتل هو ليس لهم التعرّض للمقرّ.
2. ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ فيقتل وليس للأولياء التعرّض---)
(--- للمشهود عليه.
3. فإن ادّعوا الاشتراك فيقتلان مع ردّ فاضل الدية.
4. وإن حصل التوافق بينهم وبين المتّهمين على الدية فتؤخذ منهما بالمناصفة.
وعلى هذه الفروض تكون الرواية موافقة للقاعدة ويتّحد موردها مع ما يأتي في المسألة السابعة.
هذا كله على القول بالأخذ بالرواية، وأمّا حكم العقلاء عند عدم تبيّن الحال، فالظاهر أنّهم يأخذون بإقرار المقرّ ويتركون ما شهدت عليه البيّنة، لأنّ المقرّ يشهد على فعله، والبيّنة تشهد على فعل الغير، والأوّل أقرب إلى القبول.
فإن قلنا بذلك فهو، وإلّا فغاية ما يمكن أن يقال: هو أخذ الدية منهما، لئلا يبطل دم امرئ مسلم.
المسألة 7. لو فرض في المسألة المتقدّمة، أنّ أولياء الميّت ادّعوا على أحدهما دون الآخر، سقط الآخر، فإن ادّعوا على المشهود عليه سقط إقرار المقرّ، وإن ادّعوا على المقرّ سقطت البيّنة.^
^في ادّعاء أولياء المقتول على أحدهما دون الآخر
قد سبق الكلام فيما ذكر في المسألة الخامسة، أعني: إذا ما شهد اثنان على كون زيد قاتلًا، وآخران على كون عمرو قاتلًا، فقد مرّ هناك أنّ المحقّق ذكر في «نكت النهاية» أنّ الأولياء لو كانوا ادّعوا القتل على أحدهما يتعيّن هو للقتل.
وفي المقام أيضاً إذا ادّعى الأولياء أنّ القاتل هو المشهود عليه، فليس لهم التعرّض للمقرّ، ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ سقطت البيّنة، لوضوح أنّه إذا لم يكن للأولياء أي ادّعاء على الآخر، لم يكن لهم التعرّض له، وإن قامت البيّنة أو ادّعى المقرّ.
وبذلك يظهر أنّ مورد الرواية غير هذه الصورة، بل لم يكن لأولياء الدم إدّعاء لخصوص واحد منهما.
الثالث: القسامة
والبحث فيها في مقاصد:
[المقصد] الأوّل: في اللوث
والمراد به أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول، وكذا لو وجد متشحّطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد، لا يدخل فيها غير أهلها، أو في صفّ قتال مقابل الخصم بعد المراماة. وبالجملة: كلّ أمارة ظنّية عند الحاكم توجب اللوث، من غير فرق بين الأسباب المفيدة للظنّ، فيحصل اللوث بإخبار الصبيّ المميّز المعتمد عليه، والفاسق الموثوق به في إخباره والكافر كذلك، والمرأة ونحوهم.^
^
تعريف القسامة واللوث
القسامة في اصطلاح الفقهاء اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم، ولغة اسم للأيمان، قال الجوهري في «الصحاح»: القسامة هي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، فهي اسم مصدر أُقيم مقام المصدر، يقال: أقسم إقساماً وقَسامة، كما يقال: أكرم إكراماً وكرامة، ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة، لكن الفقهاء خصّوها بها.---)
(--- وأمّا اللوث في اللغة من التلوث وهو التلطّخ، يقال: لوّث ثيابه بالطين: لطّخها به أو من اللوث بمعنى الالتباس. فإطلاق اللوث في المقام لأجل وجود التلطّخ في البين، أو لالتباس الحق بالباطل واشتباه القاتل بغيره.[1]
وفي الاصطلاح: اللوث: أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي كالشاهد ولو واحداً، وكما لو وجد متشحّطاً بدمه، وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها، أو في صف مقابل للخصم بعد المراماة، هذا والميزان وجود أمارة يغلب معها الظن بصدق مدّعي القتل، سواء أكانت الأمارات ما ذُكر أو ما فسّره المصنّف، وأضاف وقال: كلّ أمارة ظنية عند الحاكم توجب اللوث.
وصورته: أن يوجد قتيل في موضع لا يعرف من قتله ولا تقوم عليه بيّنة، ويدّعي الولي على واحد أو جماعة، ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق الولي في دعواه ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدّعيه ويحكم بما سيذكر.[2]
وهل يحصل اللوث بإخبار الفاسق والكافر والمرأة ونحوهم؟ قال المحقّق: ولا يثبت اللوث في شهادة الصبي ولا الفاسق ولا الكافر ولو كان مأموناً في نحلته.[3]خلافاً للشهيد الثاني في «المسالك»[4]،---)
[1]. مجمع البحرين: مادة« لوث».
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 198.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 222.
[4]. مسالك الأفهام: 15/ 200.