الثالث: القسامة
والبحث فيها في مقاصد:
[المقصد] الأوّل: في اللوث
والمراد به أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول، وكذا لو وجد متشحّطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد، لا يدخل فيها غير أهلها، أو في صفّ قتال مقابل الخصم بعد المراماة. وبالجملة: كلّ أمارة ظنّية عند الحاكم توجب اللوث، من غير فرق بين الأسباب المفيدة للظنّ، فيحصل اللوث بإخبار الصبيّ المميّز المعتمد عليه، والفاسق الموثوق به في إخباره والكافر كذلك، والمرأة ونحوهم.^
^
تعريف القسامة واللوث
القسامة في اصطلاح الفقهاء اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم، ولغة اسم للأيمان، قال الجوهري في «الصحاح»: القسامة هي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، فهي اسم مصدر أُقيم مقام المصدر، يقال: أقسم إقساماً وقَسامة، كما يقال: أكرم إكراماً وكرامة، ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة، لكن الفقهاء خصّوها بها.---)
(--- وأمّا اللوث في اللغة من التلوث وهو التلطّخ، يقال: لوّث ثيابه بالطين: لطّخها به أو من اللوث بمعنى الالتباس. فإطلاق اللوث في المقام لأجل وجود التلطّخ في البين، أو لالتباس الحق بالباطل واشتباه القاتل بغيره.[1]
وفي الاصطلاح: اللوث: أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي كالشاهد ولو واحداً، وكما لو وجد متشحّطاً بدمه، وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها، أو في صف مقابل للخصم بعد المراماة، هذا والميزان وجود أمارة يغلب معها الظن بصدق مدّعي القتل، سواء أكانت الأمارات ما ذُكر أو ما فسّره المصنّف، وأضاف وقال: كلّ أمارة ظنية عند الحاكم توجب اللوث.
وصورته: أن يوجد قتيل في موضع لا يعرف من قتله ولا تقوم عليه بيّنة، ويدّعي الولي على واحد أو جماعة، ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق الولي في دعواه ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدّعيه ويحكم بما سيذكر.[2]
وهل يحصل اللوث بإخبار الفاسق والكافر والمرأة ونحوهم؟ قال المحقّق: ولا يثبت اللوث في شهادة الصبي ولا الفاسق ولا الكافر ولو كان مأموناً في نحلته.[3]خلافاً للشهيد الثاني في «المسالك»[4]،---)
[1]. مجمع البحرين: مادة« لوث».
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 198.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 222.
[4]. مسالك الأفهام: 15/ 200.
(--- ولصاحب الجواهر[1]والمصنّف في المتن، والظاهر أنّ الأخير هو الأقوى؛ لأنّ الميزان وجود الظن بصدق المدّعي، فلو أفاد قولهم الظن تقبل، ولذلك قيّد المصنّف في المتن كون الفاسق موثوقاً به في أخباره وكذلك الكافر.
ثمّ إنّه يعتبر في القسامة اللوث وهو كما مرّ أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي.
ويدلّ على اعتباره ما هو الأصل في القسامة وهو قصة حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول مع أهل خيبر، وقد كان بين الأنصار والخيبريين عداء سافر، كما سيوافيك بيانه. وقد قال الطريحي في مجمع البحرين: إنّ القسامة تثبت مع اللوث.[2]
ولم ينقل «الخلاف» إلّامن الكوفي، ولم يُعرف.
نعم يظهر من الأردبيلي أنّه لا دليل عليه إلّاالإجماع، قال: ثمّ اعلم أنّ هذه الأخبار خالية من اعتبار اللوث لفظاً، يعني لم يوجد للقسامة شرط اللوث. نعم في بعضها وجد القتيل في قبيلة وقرية كذا، ونحو ذلك، وليس ذلك بواضح ولا صريح في اشتراطه، إلى أن قال: وكأنّ لهم على ذلك إجماعاً أو نصّاً ما اطّلعت عليه، فتأمل.[3]
ولكن مَن أمعن النظر في الروايات الواردة عن الفريقين وغيرها---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 238.
[2]. مجمع البحرين، مادة« لوث».
[3]. مجمع الفائدة: 14/ 182- 183.
(--- في الأُمور الّتي ستمرّ عليك، يذعن بأنّ القسامة فرع وجود اللوث والاتّهام.
روى مسلم في صحيحه قال: إنّ عبد اللَّه بن سهل ومحيّصة بن مسعود (رضي اللَّه عنهما) خرجا إلى خيبر من جهدٍ أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أنّ عبداللَّه بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم واللَّه قتلتموه، قالوا:
واللَّه ما قتلناه.
ثم أقبل حيت قدم على قومه فذكر لهم ذلك. ثم أقبل هو وأخوه حويصة- وهو أكبر منه- وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لمحيصة: كبر كبر (يريد السن) فتكلّم حويصة ثم تكلّم محيصة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إمّا أن يدوا صاحبكم، وإمّا أن يؤذنوا بحرب».
فكتب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم إليهم في ذلك، فكتبوا: إنّا واللَّه ما قتلناه.
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم.
قالوا: لا.
قال: فتحلف لكم يهود. قالوا: ليسوا بمسلمين.
فوداه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم من عنده، فبعث إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم مائة ناقة حتّى أُدخلت عليهم الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء.[1]---)
[1]. صحيح مسلم: 5/ 100- 101، باب القسامة.
(--- وما في الحديث من أنّ النبي صلى الله عليه و آله وداه بمائة ناقة لأجل أنّ ولي الدم لم يحلف ولم يقبل حلف المدّعى عليه، فختمت الدعوى. ولكن بما أنّ دم المسلم لا يبطل وداه النبي صلى الله عليه و آله و سلم بما ذُكر، وإلّا فلا تصل النوبة إلى دفع الدية من بيت المال.
وفي رواية أُخرى: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمّته».[1]
هذا ما روته العامّة، وأمّا من طرقنا فنأتي بقسم منه:
1. روى بريد بن معاوية عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟
فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلّافي الدم خاصّة، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلًا منهم فوجدوه قتيلًا، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قسامة خمسين رجلًا أقيده برمّته، فقالوا: يا رسول اللَّه ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره، فوداه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله[2]، وقال: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوِّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله، وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، وإلّا أُغرموا---)
[1]. صحيح مسلم: 5/ 99، باب القسامة.
[2]. وجه دفع الدية من بيت المال، لأجل أنّ المدّعي لم يحلف ولم يقبل حلف المدّعى عليه، فوداهرسول اللَّه بما ذكر ختاماً للدعوى.
(--- الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».[1]
2. روى عبداللَّه بن سنان قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن القسامة، هل جرت فيها سُنّة؟ فقال: «نعم، خرج رجلان من الأنصار يصيبان من الثمار فتفرّقا، فوجد أحدهما ميّتاً، فقال أصحابه لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: يحلف اليهود، قالوا: يا رسول اللَّه كيف يحلف اليهود على أخينا [وهم] قوم كفّار؟ قال: فاحلفوا أنتم، قالوا: كيف نحلف على ما لم نعلم ولم نشهد؟ فوداه النبي صلى الله عليه و آله و سلم من عنده».
قال: قلت: كيف كانت القسامة؟ قال: فقال: أما إنّها حق، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً، وإنّما القسامة حوط يحاط به الناس»[2].
3. ما رواه زرارة قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن القسامة فقال: «هي حق، إنّ رجلًا من الأنصار وُجد قتيلًا في قليب من قلب اليهود، فأتوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا: يا رسول اللَّه إنّا وجدنا رجلًا منّا قتيلًا في قليب من قلب اليهود، فقال:
ائتوني بشاهدين من غيركم، قالوا: يا رسول اللَّه ما لنا شاهدان من غيرنا، فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: فليقسم خمسون رجلًا منكم على رجل ندفعه إليكم، قالوا: يا رسول اللَّه كيف نقسم على ما لم نر؟ قال: فيقسم اليهود، قالوا: يا رسول اللَّه كيف نرضى باليهود وما فيهم من الشرك أعظم، فوداه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم»، قال زرارة: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس كيما إذا---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
[2]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(--- أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك، فامتنع من القتل».[1]
وقد ذكرت هذه الحادثة في غير واحدة من الروايات، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الوسائل.
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: ما هي حكمة هذا التشريع؟
يظهر من مجموع ما روي في شأن الحادثة أنّ التشريع إسلامي، ولم يكن له أثر في الشرائع السابقة ولا الأُمم الماضية، وإنّما شرّعه سبحانه وبيّنه لنبيّه في الشريعة الخاتمة.
وأمّا الحكمة فقد أُشير إليها في رواية الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
سألته عن القسامة كيف كانت؟
فقال: «هي حق وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ثم لم يكن شيء، وإنّما القسامة نجاة للناس»[2].
وروى زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل»[3].---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 9، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(---
الأمر الثاني: شرطية اللوث في القسامة
إنّما يعتدّ بالأيمان إذا كانت هناك أمارة ظنية بالقتل عند الحاكم، ولولا ذلك فلا يعتدّ بالأيمان وإن بلغت ما بلغت، ويمكن استظهار ذلك من الأُمور التالية:
1. اتّفاق الروايات الناقلة لشأن تشريع القسامة على وجود العداء السافر بين يهود خيبر والمسلمين، وصار ذلك أمارة ظنّية على اتّهامهم بالقتل خصوصاً مع وجود المقتول في قليب من قُلبهم.
فإن قلت:لا شكّ أنّ مورد الرواية هو اللوث، لكن المورد لا يكون مخصّصاً.
قلت:ما ذكرته صحيح على الوجه الكلّي إلّاأنّ تضافر الروايات الناقلة لشأن التشريع على وجود اللوث بين المدّعي والمدّعى عليه، يكشف عن كونه السبب لتشريع القسامة، وإعطاء الاعتبار ليمين المدّعي.
2. أنّ الاحتجاج بالقسامة على خلاف القاعدة وقد أُشير إليه في رواية بريد بن معاوية عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلّافي الدم خاصّة»[1].
فالرواية تدلّ على أنّ اليمين في المقام على المدّعي، على خلاف الأصل، فوجه اعتبارها- مع كونها على خلاف الأصل- هو أنّ فيها نجاة---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.