(--- أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك، فامتنع من القتل».[1]
وقد ذكرت هذه الحادثة في غير واحدة من الروايات، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الوسائل.
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: ما هي حكمة هذا التشريع؟
يظهر من مجموع ما روي في شأن الحادثة أنّ التشريع إسلامي، ولم يكن له أثر في الشرائع السابقة ولا الأُمم الماضية، وإنّما شرّعه سبحانه وبيّنه لنبيّه في الشريعة الخاتمة.
وأمّا الحكمة فقد أُشير إليها في رواية الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
سألته عن القسامة كيف كانت؟
فقال: «هي حق وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ثم لم يكن شيء، وإنّما القسامة نجاة للناس»[2].
وروى زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل»[3].---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 9، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(---
الأمر الثاني: شرطية اللوث في القسامة
إنّما يعتدّ بالأيمان إذا كانت هناك أمارة ظنية بالقتل عند الحاكم، ولولا ذلك فلا يعتدّ بالأيمان وإن بلغت ما بلغت، ويمكن استظهار ذلك من الأُمور التالية:
1. اتّفاق الروايات الناقلة لشأن تشريع القسامة على وجود العداء السافر بين يهود خيبر والمسلمين، وصار ذلك أمارة ظنّية على اتّهامهم بالقتل خصوصاً مع وجود المقتول في قليب من قُلبهم.
فإن قلت:لا شكّ أنّ مورد الرواية هو اللوث، لكن المورد لا يكون مخصّصاً.
قلت:ما ذكرته صحيح على الوجه الكلّي إلّاأنّ تضافر الروايات الناقلة لشأن التشريع على وجود اللوث بين المدّعي والمدّعى عليه، يكشف عن كونه السبب لتشريع القسامة، وإعطاء الاعتبار ليمين المدّعي.
2. أنّ الاحتجاج بالقسامة على خلاف القاعدة وقد أُشير إليه في رواية بريد بن معاوية عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلّافي الدم خاصّة»[1].
فالرواية تدلّ على أنّ اليمين في المقام على المدّعي، على خلاف الأصل، فوجه اعتبارها- مع كونها على خلاف الأصل- هو أنّ فيها نجاة---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
(--- الناس كما مرّ، ففي ذلك يقتصر على القدر المتيقّن وهو وجود اللوث في البين.
3. أنّ القول باعتبار القسامة من دون اللوث ربما يكون سبباً لقتل البريء إذا جاء الفاسق بالأيمان على ما يدّعيه، وعندئذٍ يكون الاعتبار بها على طرف النقيض من حكمة تشريعها.
4. أنّ الفرق بين القسامة والبيّنة والإقرار هو اعتبار الأخيرين مطلقاً، سواء كانت قرينة ظنّية أو لا، بخلاف القسامة فيعتبر فيها القرينة الظنّية على القتل.
وأخيراً أنّ الادّعاء على شخص مجرداً عن أي قرينة ظنيّة لا يُسمع عند العقلاء، فكيف يعتدّ به الشرع ويعتدّ بأيمانه.
الأمر الثالث: براءة المدّعى عليه عند الحلف
يظهر من رواية بريد بن معاوية- الّتي مرّت عند نقل شأن التشريع- أنّه إذا «حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، وإلّا أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم، إذا لم يقسم المدّعون»[1]، أن المدّعى عليه إذا حلف يحكم عليه بالبراءة من الدية؛ ولكن الظاهر من بعض الروايات خلافه، وأن المدّعى عليهم إذا حلفوا خمسين قسامة حُكم عليهم بدفع الدية؛ ففي رواية أبي بصير، قال: «فإن على الذين ادّعي عليهم أن---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(--- يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم، وإن كان بأرض فلاة أدّيت ديته من بيت المال، فإنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم»[1].
ونظيره رواية مسعدة بن زياد، فقد جاء فيها قوله: «حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل ذلك إذا قتل في حيٍّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة، فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال»[2].
فإنّ المتبادر من الروايتين وجوب دفع الدية حتّى مع القسامة من المدّعى عليهم، وهو على طرف النقيض من رواية بريد أوّلًا، وعدم ترتّب الأثر على القسامة مع لزوم دفع الدية، فكيف الجمع؟
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من أهل القرية في رواية أبي بصير: «فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» غير المدّعى عليهم، فكأنَّ هناك اثنين ادّعي عليهما:
1. الجماعة الذين ادّعي عليهم فقد ابرأوا بالحلف.
2. القرية الّتي وجد فيها القتيل، فتصل النوبة إليهم بعد حلف الجماعة الأُولى.
ولكنّ هذا الجمع بعيد، والقول بطروء التصحيف في الرواية أفضل.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6.
(--- وأمّا ما ورد في رواية مسعدة بن زياد من قوله: «ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل» فيمكن أن يقرأ الفعل بصيغة المعلوم ويرجع الضمير إلى الإمام (أبي)[1]في صدر الرواية، أي يؤدّي أبي الدية إلى أولياء القتيل، فتكون الدية في مال الإمام؛ بخلاف ما لو قتل في عسكر، فالدية من بيت المال، ومن المعلوم أنّ بين المالين عموماً وخصوصاً من وجه أو مطلق.
وعلى كلّ تقدير فالروايتان الأخيرتان مع غض النظر عن التوجيه لا يمكن الاحتجاج بهما، إذ لا معنى لفرض العقوبة بعد القسامة. اللّهم إلّاأن يقال بأنّ القسامة أثّرت في رفع القصاص دون الدية فبقيت بحالها.
[1]. أبو جعفر الباقر عليه السلام.
المسألة 1. لو وجد في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب، أو محلّة منفردة كانت مطروقة، فلا لوث إلّاإذا كانت هناك عداوة فيثبت اللوث.^
المسألة 2. لو وجد قتيل بين القريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي فهما سواء في اللوث، نعم لو كان في إحداهما عداوة فاللوث فيها وإن كانت أبعد.^^
^في ثبوت اللوث
ما ذكره في المتن مبني على اعتبار اللوث في القسامة، أعني: الظن واتّهام شخص أو قبيلة، ولذلك فرّق بين قرية أو محلة مطروقة، فيها الإياب والذهاب، فلا يمكن اتّهام شخص أو قبيلة ساكنة فيها، بالقتل؛ لأنّ المفروض أنّها محل تردّد أقوام مختلفة، فلا يصح اتّهام الساكنين فيها، بخلاف ما لو كانت منعزلة، فالاتّهام أمر قابل للتصديق.
نعم لو ثبت وجود العداوة بين المقتول والساكنين في قرية مطروقة أو محلّة منفردة مطروقة كذلك، يثبت اللوث.
^^ ما ذكره قدس سره من أنّه لو وجد قتيل بين القريتين يُقدّم الأقرب، نصّ عليه غير واحد من الأصحاب عند البحث عن اللوث.
قال الشيخ: فلو وجد القتيل بين قريتين، كانت ديته على أقرب القريتين عليه، فإن كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة، كانت ديته على القريتين.[1]---)
[1]. النهاية: 754.
(--- وقال المحقّق: ولو وجد بين قريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي في القرب فهما في اللوث سواء.[1]
وقال يحيى بن سعيد: ودية الموجود بين القريتين على أهل أقربهما إليه، فإن تساويا فعليهما.[2]
إلى غير ذلك من الكلمات، فالجميع يُشعر بأنّ الحكم قيد وجود اللوث، أي الأمارة الظنّية على وجود القتل الصادر من المنتمين إلى قبيلة واحدة أو قبيلتين، وعندئذٍ يتوجّه أمر القسامة إلى من فيه اللوث.
أمّا الروايات:
1. روى سماعة بن مهران عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يوجد قتيلًا في القرية أو بين قريتين؟ قال: «يقاس بينهما فأيّهما كانت أقرب ضمنت»[3].
2. ما رواه محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «قضى أمير المؤمنين في رجل قتل في قرية أو قريباً من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم ما قتلوه».[4]
وقال في «الوسائل» بعد نقل الرواية: لعلّه محمول على وجود---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 223.
[2]. الجامع للشرائع: 583.
[3]. الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 4. ورواه الكليني والشيخ أيضاً عن الحلبي.
[4]. الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
(--- اللوث وتحقّق القسامة، لكنّ تحقّق القسامة بعيد، وإلّا لأُشير إليها.
وقال الشيخ حول الروايتين: إنّ ما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم إن كانوا متّهمين بالقتل وامتنعوا من القسامة فأمّا إذا لم يكونوا متّهمين أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم.[1]
واستشهد على ذلك بالخبرين التاليين:
1. روى علي بن الفضيل عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا، فإن أبوا أن يحلفوا أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم ...».[2]
2. ما رواه مسعدة بن زياد عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضي اللَّه عنه إذا لم يُقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا»[3].
ثم إنّ صاحب الجواهر أصرّ على كون الحكم أمراً تعبدياً لا صلة له بوجود اللوث وقال: ولم يظهر لنا وجه معتدّ به لذلك ضرورة أنّه بعد أن ذكروا كون المدار في اللوث على حصول أمارة تفيد الحكم ظناً بصدق المدّعي من غير اعتبار أمارة خاصّة لم يكن فائدة في التعرّض للأمارات، فإنّ قرائن الأُصول مختلفة أشدّ اختلاف لا يمكن حصرها، والنصوص المذكورة لا تعرض---)
[1]. التهذيب: 10/ 205.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
[3]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6.