المسألة 1. لو وجد في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب، أو محلّة منفردة كانت مطروقة، فلا لوث إلّاإذا كانت هناك عداوة فيثبت اللوث.^
المسألة 2. لو وجد قتيل بين القريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي فهما سواء في اللوث، نعم لو كان في إحداهما عداوة فاللوث فيها وإن كانت أبعد.^^
^في ثبوت اللوث
ما ذكره في المتن مبني على اعتبار اللوث في القسامة، أعني: الظن واتّهام شخص أو قبيلة، ولذلك فرّق بين قرية أو محلة مطروقة، فيها الإياب والذهاب، فلا يمكن اتّهام شخص أو قبيلة ساكنة فيها، بالقتل؛ لأنّ المفروض أنّها محل تردّد أقوام مختلفة، فلا يصح اتّهام الساكنين فيها، بخلاف ما لو كانت منعزلة، فالاتّهام أمر قابل للتصديق.
نعم لو ثبت وجود العداوة بين المقتول والساكنين في قرية مطروقة أو محلّة منفردة مطروقة كذلك، يثبت اللوث.
^^ ما ذكره قدس سره من أنّه لو وجد قتيل بين القريتين يُقدّم الأقرب، نصّ عليه غير واحد من الأصحاب عند البحث عن اللوث.
قال الشيخ: فلو وجد القتيل بين قريتين، كانت ديته على أقرب القريتين عليه، فإن كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة، كانت ديته على القريتين.[1]---)
[1]. النهاية: 754.
(--- وقال المحقّق: ولو وجد بين قريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي في القرب فهما في اللوث سواء.[1]
وقال يحيى بن سعيد: ودية الموجود بين القريتين على أهل أقربهما إليه، فإن تساويا فعليهما.[2]
إلى غير ذلك من الكلمات، فالجميع يُشعر بأنّ الحكم قيد وجود اللوث، أي الأمارة الظنّية على وجود القتل الصادر من المنتمين إلى قبيلة واحدة أو قبيلتين، وعندئذٍ يتوجّه أمر القسامة إلى من فيه اللوث.
أمّا الروايات:
1. روى سماعة بن مهران عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يوجد قتيلًا في القرية أو بين قريتين؟ قال: «يقاس بينهما فأيّهما كانت أقرب ضمنت»[3].
2. ما رواه محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «قضى أمير المؤمنين في رجل قتل في قرية أو قريباً من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم ما قتلوه».[4]
وقال في «الوسائل» بعد نقل الرواية: لعلّه محمول على وجود---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 223.
[2]. الجامع للشرائع: 583.
[3]. الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 4. ورواه الكليني والشيخ أيضاً عن الحلبي.
[4]. الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
(--- اللوث وتحقّق القسامة، لكنّ تحقّق القسامة بعيد، وإلّا لأُشير إليها.
وقال الشيخ حول الروايتين: إنّ ما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم إن كانوا متّهمين بالقتل وامتنعوا من القسامة فأمّا إذا لم يكونوا متّهمين أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم.[1]
واستشهد على ذلك بالخبرين التاليين:
1. روى علي بن الفضيل عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا، فإن أبوا أن يحلفوا أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم ...».[2]
2. ما رواه مسعدة بن زياد عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضي اللَّه عنه إذا لم يُقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا»[3].
ثم إنّ صاحب الجواهر أصرّ على كون الحكم أمراً تعبدياً لا صلة له بوجود اللوث وقال: ولم يظهر لنا وجه معتدّ به لذلك ضرورة أنّه بعد أن ذكروا كون المدار في اللوث على حصول أمارة تفيد الحكم ظناً بصدق المدّعي من غير اعتبار أمارة خاصّة لم يكن فائدة في التعرّض للأمارات، فإنّ قرائن الأُصول مختلفة أشدّ اختلاف لا يمكن حصرها، والنصوص المذكورة لا تعرض---)
[1]. التهذيب: 10/ 205.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
[3]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6.
(--- فيها للقسامة.[1]
يلاحظ عليه:أنّ حمل هذه الروايات على مجرد التعبّد أمر بعيد، إذ لا وجه لوجوب الدية على قبيلة أو قبيلتين لمجرد وجود القتيل في أقرب الطرق إلى أحدى القبيلتين أو وجوده في نقطة متساوية إليهما دون أن يكون هناك أي أمارة ظنيّة على صدق المدّعين ودون أن يمتنع المتّهمون من القسامة، بأن يترتّب الدية على مجرد وجود القتيل قريباً من محلّتهم.
وعدم تعرّض الروايات لوجود اللوث لأجل أنّ هذه المرافعات لا تخلو عنه، والشاهد على ذلك أنّه لا يمكن الإفتاء طبقاً للروايات في هذه الأيام الّتي كثرت فيها الحيل وستر الأُمور، فإنّ كثيراً من المجرمين يقتلون الأبرياء في مكان ويضعونهم في مكان آخر.
وإن شئت قلت:إنّ فرض العقوبة على فرد أو قبيلة بمجرد وجود قتيل أمام بيته، أو في عقر قبيلتهم، يُعدّ أمراً مخالفاً لقضاء الفطرة، فكيف يستسيغه الشارع ويقرّه. ولابدّ من حمل هاتين الروايتين: رواية سماعة ومحمد بن قيس على وجود اللوث وامتناع الطرفين من إقامة القسامة.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 234.
المسألة 3. لو لم يحصل اللوث فالحكم فيه كغيره من الدعاوي، فلا قسامة ولا تغليظ، والبيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، فللولي- مع عدم البيّنة- إحلاف المنكر يميناً واحداً.^
^لو لم يحصل اللوث فلا قسامة ولا تغليظ
الأصل الأوّلي في الدعاوى هو ما بيّنه الرسول صلى الله عليه و آله في قوله: «البيّنة للمدعي، واليمين على من أنكر» ولكن المقام على العكس، كما في رواية أُخرى عنه صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر إلّافي القسامة» ولذلك خالفت القسامة غيرها من الدعاوى في أُمور:
1. كون اليمين ابتداءً على المدّعي.
2. تعدّد الأيمان فيها.
3. جواز الحلف على إثبات حق الغير.
4. جواز الحلف على نفي حق الغير.
5. عدم سقوط الدعوى بنكول من توجهت عليه اليمين، بل ترد اليمين على غيره.
نعم لو لم تجتمع شروطها فالحكم فيها كغيرها من الدعاوى في اليمين، كيفية وكميّة، فليس للولي- مع عدم البيّنة- إلّاإحلاف المنكر يميناً واحداً.
المسألة 4. لو قتل شخص في زحام الناس ليوم جمعة أو عيد، أو وجد في فلاة أو سوق أو على جسر، ولم يعلم من قتله فديته من بيت مال المسلمين. نعم لو كان في الموارد المذكورة أمارة ظنيّة على كون القتل بفعل شخص معيّن مثلًا، حصل اللوث.^
^لو قتل شخص في زحام الناس
ما ذكره في المتن لأجل عدم اللوث على معيّن وعدم ادّعاء الولي، فلذلك تؤدّى ديته من بيت المال لئلّا يبطل دم المؤمن، وإلّا فلو كان هناك لوث وادّعاه الولي، لاشترك مع سائر المواضع. فإطلاق عبارة المصنّف- كالشرائع- مبني على الغالب، قال المحقّق: وأمّا من وجد في زحام، على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع، فديته على بيت المال. وكذا لو وجد في جامع عظيم أو شارع، وكذا لو وجد في فلاة.[1]
وعلى كلّ تقدير تدلّ عليه عدة أخبار ذكرها صاحب الوسائل نذكر منها ما يلي:
1. روى عبد اللَّه بن سنان وعبد اللَّه بن بكير جميعاً عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل وجد مقتولًا لا يدرى من قتله؟ قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته، أُعطوا ديته من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم امرئ مسلم؛ لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام،---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 223.
(--- ويصلّون عليه ويدفنونه، قال: وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات، أنّ ديته من بيت مال المسلمين».[1]
2. روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ازدحم الناس يوم الجمعة في إمرة عليٍّ عليه السلام بالكوفة فقتلوا رجلًا فودى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين».[2]
3. ما رواه مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللَّه عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «من مات في زحام الناس يوم الجمعة أو يوم عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله، فديته من بيت المال»[3].
وممّا يودى من بيت المال من قتل في الهايشات، قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ليس في الهايشات عقل ولا قصاص»[4]. والهايشات جمع الهايشة وهي عبارة عن الجماعة من الناس، يقال: هاش القوم إذا تحركوا وهاجوا.
وعلى كلّ تقدير فالمراد هو الجماعة الّتي يخرجون دفعة واحدة من مكان واحد لوقوع الفزع.
وفي رواية أُخرى مرفوعة إلى أمير المؤمنين عليه السلام: «فواداه من بيت المال»[5].
والمورد مَن أقسام من قتل في الزحام.
[1]. الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
[4]. الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
[5]. الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعود القتل وما يثبت به، الحديث 4.
المسألة 5. لو تعارضت الأمارات الظنّية بطل اللوث، كما لو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح ملطّخ بالدم، وسبع من شأنه قتل الإنسان، ولم تكن أمارة لحصول القتل بأيّهما وفي كلّ طرف شكّ محض، فلابدّ في مثله فصل الخصومة بالطرق المعهودة غير القسامة.^
المسألة 6. لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل على الأقوى بعد قيام الأمارة الظنّية على أصل القتل، ولا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه كما في سائر المقامات على الأصح.^^
^لو تعارضت الأمارات الظنية بطل اللوث
وجهه ما عرفت من أنّ القسامة مبنيّة على وجود الأمارة الظنّية بالقتل، وهناك الأمارة الدالة على القتل معارضة بكون القتل مستنداً إلى سبع، ومع الشكّ في الموضوع لا يحكم عليه باللوث حتى يحكم بالقسامة.
^^ في المسألة فرعان:1. لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل بعد قيام الأمارة الظنّيةعلى أصل القتل. قال الشيخ في «الخلاف»: كلّ موضع قلنا: قد حصل اللوث على ما فسّرناه، فللولي أن يقسم سواء كان في القتيل أثر القتل أو لم يكن أثره، وبه قال الشافعي.[1]وذلك لأنّ الموضوع للقسامة الأمارة الظنّية على القتل لا أثره والمفروض وجودها.---)
[1]. الخلاف: 5/ 310، المسألة 8.