المسألة 5. لو كان المدّعي أكثر من واحد فالظاهر كفاية خمسين قسامة، وأمّا لو كان المدّعى عليه أكثر ففي كفاية خمسين قسامة وعدمها إشكال، والأوجه تعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه، فلو كان اثنين يحلف كلّ منهما مع قومه خمسين قسامة على ردّ دعوى المدّعي، وإن كان الاكتفاء بالخمسين لا يخلو من وجه، لكن الأوّل أوجه.^
^لو كان المدّعي أو المدّعى عليه أكثر من واحد
في المسألة فرعان:
1. لو كان المدّعي أكثر من واحد، فهل يكفي خمسون قسامة؟
2. إذا كان المدّعى عليه أكثر من واحد، فأرادوا دفع التهمة عن أنفسهم فهل تتعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه؟
ولندرس الفرعين تالياً:
أمّا الفرع الأوّل- أعني: كفاية خمسين قسامة حتى ولو كان المدّعي أكثر من واحد، ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
1. إطلاق ما دلّ على كفاية خمسين يميناً، حيث يعمّ وحدة المدّعي أو تعدّده.
2. أنّ تعدّد المدّعي لا يؤثر في تعدّد الدعوى، فالاثنان وما فوقهما يدّعون شيئاً واحداً؛ بخلاف تعدّد المدّعى عليه فإنّ تعدّده يؤثر في تعدد الادّعاء، حيث إنّ زيداً المدّعى عليه غير بكر المدّعى عليه.---)
(---وأمّا الفرع الثاني:أعني لو كان المدّعى عليهم في القتل أكثر من واحد فأرادوا دفع التهمة عن أنفسهم، فهل يكتفى منهم بالخمسين- عندما لم يحلف المدّعي- أو على كلّ واحد خمسين يميناً؟ وجهان.
يظهر الوجه الأوّل من الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا كان المدّعي واحداً فعليه خمسون يميناً بلا خلاف، وكذلك المدّعى عليه إن كان واحداً فعليه خمسون يميناً، وإن كان المدّعون جماعة فعليهم خمسون يميناً عندنا، ولا يلزم كلّ واحد خمسون يميناً، وكذلك في المدّعى عليه إن كان واحداً لزمته خمسون يميناً، وإن كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يميناً.[1]
وربما يستظهر ما ذكره الشيخ من بعض النصوص:
1. رواية أبي بصير عن الإمام أبي عبد اللَّه عليه السلام حيث جاء فيها: «فإذا ادّعى الرجل على القوم أنّهم قتلوا، كانت اليمين لمدّعي الدم قبل المدّعى عليهم، فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون إنّ فلاناً قتل فلاناً، فيدفع إليهم الذي حلف عليه، فإن شاءُوا عفوا، وإن شاءُوا قتلوا، وإن شاءُوا قبلوا الدية؛ وإن لم يقسموا، فإنّ على الذين ادّعى عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا».[2]
وجه الاستدلال أنّ ظاهر قوله: «الذين ادّعى عليهم» كونهم أكثر من واحد، فاكتفي عندئذٍ بحلف خمسين رجلًا.---)
[1]. الخلاف: 5/ 314، المسألة 13.
[2]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
(--- يلاحظ على الاستدلال- مضافاً إلى وقوع البطائني في سند الرواية- أنّ الظاهر من صدر الحديث أنّ المتهم بالقتل كان شخصاً واحد حيث جاء فيها:
«فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً» فعلى هذا لا عبرة بالجمع في قوله: «فإنّ على الذين ادّعى عليهم ...» فلعلّ الإتيان بصيغة الجمع باعتبار تعدّد الموارد.
2. ما في رواية عبداللَّه بن سنان. قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن القسامة، هل جرت فيها السنة ... إلى أن قال: إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يحلف اليهود».[1]
وجه الاستدلال:أنّ الأمر بحلف اليهود، دليل على أنّ المدّعى عليه أكثر من واحد، ومع ذلك اكتفى بحلف خمسين رجلًا لا أكثر، وقد ورد هذا التعبير في غير واحدة من الروايات، وقد أشرنا إليه في الهامش.
يلاحظ عليه:أنّ الظاهر أنّ في النسبة توسّعاً حيث نسب فعل الفرد إلى كلّ من ينتمي إليه في العقيدة. ولذلك جاء في بعض النصوص في نفس الواقعة: إن فلانا اليهودي قتل صاحبنا.[2]
وعلى هذا فلا دلالة في الروايتين على ما عليه الشيخ في «الخلاف»، ولابدّ أن يرجع إلى القاعدة كما سيوافيك.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1، ولاحظ الحديث 3 و 5 فقد نسب القتل إلى اليهود.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
(--- ولهذا ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى خلافه، قال: والأقوى في المدّعى عليه أن يحلف كلّ واحد خمسين يميناً.[1]
والظاهر أنّ لكلّ وجهاً، أمّا وجه القول الأوّل أنّ المدّعى به جناية واحدة لاتّحاد موضوعها، وقد قدّر الشارع عليها خمسين يميناً، فيقسط عليهم كما يقسط على قوم المدّعى عليه لو كان واحداً.[2]
وأمّا وجه القول الثاني الذي اختاره في «المبسوط» فلأجل أنّ الدعوى واقعة على كلّ واحد منهم بالدم، ومقتضى القاعدة حلف كلّ منكر خمسين يميناً.
وبعبارة أُخرى: أنّ هنا دعويين لا دعوى واحدة. مقتضى تعدّدها تعدّد مقتضيها، وإن كان الموضوع واحداً.
ومن المعلوم أنّ الحلف لدعوى لا يغني عن الحلف لدعوى أُخرى، فلاحظ.
[1]. المبسوط: 7/ 222.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 207.
المسألة 6. لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه، فعليه أيضاً خمسون قسامة، فليحضر من قومه خمسين يشهدون ببراءته، وحلف كلّ واحد ببراءته، ولو كانوا أقل من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا العدد، وحكم ببراءته قصاصاً ودية. وإن لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً، فإذا حلف حكم ببراءته قصاصاً ودية؛ وإن لم تكن له قسامة ونكل عن اليمين أُلزم بالغرامة، ولا يردّ في المقام اليمين على الطرف.^
^لو لم يحلف المدّعي فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه
في المسألة فروع:
1. لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، يرد اليمين على المدّعى عليه.
2. إذا ردّ اليمين على المدّعى عليه فليحضر من قومه خمسين رجلًا يشهدون ويحلفون ببراءته.
3. ولو كان من يحلف أقل من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان.
4. إذا حلف خمسون رجلًا من عشيرته أو كررت عليهم الأيمان، حكم عليه بالبراءة قصاصاً ودية.
5. إذا لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً.
6. إذا لم يكن له قسامة ولم يحلف المدّعى عليه أُلزم بالغرامة.
7. إذا نكل المدّعى عليه لا يردّ اليمين على المدّعي.---)
(--- وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: لو لم يحلف المدّعي ولا عشيرته
إذا لم يحلف المدّعي ولا عشيرته، فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه، قال المحقّق: ولو لم يكن للولي قسامة ولا حلف هو، كان له إحلاف المنكر خمسين يميناً إن لم يكن له قسامة من قومه.[1]
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف ولا إشكال في شيء من ذلك.[2]ويدلّ عليه: 1. ما رواه علي بن الفضيل عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا، فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين».[3]ومن المعلوم أنّه لا تصل النوبة إلى حلف المدّعى عليه إلّابعد نكول المدّعي عن الحلف. والنكول وإن لم يكن مذكوراً في الرواية لكنه مفروض، والرواية تدلّ على عدم ثبوت الغرامة إذا حلفوا، كما سيوافيك.
2. ما رواه مسعدة بن زياد، عن جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضى الله عنه إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يُقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه، حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثمّ يؤدّي---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 225.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 251.
[3]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
(--- الدية إلى أولياء القتيل، ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر، أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال».[1]وسيوافيك الكلام في توضيح قوله: «ثم يؤدّي الدية إلى أولياء المقتول» فانتظر.
الفرع الثاني: في وجوب حلف المدّعى عليه ومن معه لإثبات براءته
إذا ردّ اليمين على المدّعى عليه، يجب عليه إحضار خمسين رجلًا يشهدون ويحلفون ببراءته، أو إحضار من يتمكّن منه وإن كانوا أقل من خمسين حتى تتكرّر عليهم الأيمان، ومع التمكّن لا تصل النوبة إلى يمين المدّعى عليه مُفرداً. وظاهر المتن- وفاقاً للسيد الحكيم في منهاج الصالحين- وجوب الإحضار إذا كان المدّعى عليه متمكّناً من الخمسين أو أقلّ منه مع تكرار الأيمان عليهم.
واستدلّ على وجوب الإحضار بالروايتين التاليتين:
الأُولى:ما ورد في رواية أبي بصير قوله عليه السلام: «فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون؛ ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا»[2].
وجه الدلالة: أنّ المدّعى عليه في الحقيقة كان واحداً ومعيّناً بشهادة ما في رواية بُريد بن معاوية وهو قول الصحابة: «إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا» فيكون يمين الآخرين لأجل إحضار المدّعى عليه، إيّاهم للحلف.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6.
[2]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
(---يلاحظ عليه:أنّه لا يدلّ على وجوب الإحضار، بل يدلّ على أنّ المدّعى عليه لو أحضرهم لحلفوا، من دون دلالة على وجوب الإحضار وعدم كفاية يمينه مع التكرار.
الثانية:ما في رواية بريد بن معاوية، قال عليه السلام: «وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا؛ ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا».[1]
وجه الدلالة:أنّه يؤكّد على حلف خمسين رجلًا، ومعه كيف يمكن الاكتفاء بيمين شخص واحد مع التكرار؟
ويرد عليه أيضاً ما أوردناه على دلالة الأُولى، من أنّها تخبر عن طريقة حلف هؤلاء إذا تواجدوا، وأمّا لزوم إحضارهم لهذه الغاية، فلا تدلّ عليه.
اللهمّ إلّاأن يقال: الشكّ في كفاية يمين شخص واحد عن يمين خمسين رجلًا مع التمكّن منه، يكفي في الحكم بعدم الكفاية. وعلى هذا فاللازم لزوم إحضار خمسين رجلًا من قبيلته للحلف، وإن لم يتمكّن من خمسين رجلًا، فبالأقل منهم ويكرر اليمين إلى أن يكمل العدد، ولا تصل النوبة إلى يمين شخص واحد على وجه التكرار إلّامع عدم التمكّن من غيره.
الفرع الثالث: لو كان المدّعى عليه ومن معه أقل من الخمسين
إذا كان المدّعى عليه ومن معه أقلّ من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا العدد- كما هو الحال في جانب المدّعي- على ما مرّ.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.