(--- وقال المحقّق: وتثبت القسامة في الأعضاء مع التهمة.[1]
وظاهر الكلمات عدم الفرق بين ما فيه القصاص كالعين، وما ليس فيه كالمأمومة.
وعلى كلّ تقدير يدلّ على ثبوتها في الأعضاء ما سيوافيك من رواية عبداللَّه بن أيوب عن أبي عمر المتطبّب في عدد القسامة في الأعضاء.[2]
2. في عدد القسامة وقدرها
اختلفت كلمة الأصحاب في عدد القسامة وقدرها في مورد الطرف، إلى قولين:
1. ذهب الأكثر إلى أنّها- كالنفس فيما فيه الدية الكاملة كاللسان والأنف واليدين- خمسون يميناً في العمد وخمس وعشرون في الخطأ، وبنسبتها من الخمسين يميناً فيما ديته دون ذلك.
2. والبيّنة في الأعضاء مثلُ البيّنة في النفس من شهادة مسلمين عدلين.
والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس، فكلُّ شيء من أعضاء الإنسان، يجب فيه الدية كاملة، مثل العينين والسمع وما أشبههما، كان فيه القسامة: ستةُ رجال يحلفون باللَّه تعالى: أنّ المدّعى عليه قد فعل بصاحبهم ما ادّعوه عليه.[3]
وقال الشيخ في «الخلاف»: وعند أصحابنا أنّ ما يجب فيه الدية---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 225.
[2]. لاحظ: الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2 وسيوافيك لفظه.
[3]. النهاية: 741.
(--- في الأطراف، فالقسامة فيه ستة أنفس، بستة أيمان، فإن لم يكونوا كررت على المدّعي ستة أيمان، وفيما نقص بحسابه.[1]
حاصل القول الأوّل:أنّه لو كانت دية الطرف تمامها كقطع كلتا اليدين الذي فيه دية كاملة ففيه خمسون يميناً، كدية النفس.
وإن كانت دية العضو أقل من دية كاملة كقطع اليد الواحدة، إذ فيه نصف الدية ولمّا كانت نسبة دية اليد إلى دية النفس هو النصف، فيجب عليه نصف أيمان النفس، أعني: خمساً وعشرين يميناً.
وإن كانت دية العضو عُشر الدية كالإصبع الواحد ففيها عُشر الخمسين، أعني: خمس أيمان، وهكذا.
وهذا هو المراد من قول المصنّف: وإلّا فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد وخمس وعشرين في الخطأ وشبهه.
وقد ذكرنا مثال العمد فعليك التمثيل للخطأ أيضاً.
وحاصل القول الثاني:أنّ القسامة في الطرف ست أيمان، ففي قطع اليد الواحدة نصف الست وهو ثلاث أيمان.
وفي الإصبع الواحد، فبما أنّ ديته عشر الدية الكاملة، فيجب فيه عُشر الست، وبما أنّه لا عُشر للستة يتعيّن يمين واحدة، إذ لا يمكن التبعّض في اليمين.
نعم هنا احتمال آخر وراء القولين وهو احتمال عدم اعتبار النسبة---)
[1]. الخلاف: 5/ 313- 314، كتاب القسامة، المسألة 12.
(--- في الأقل وتكون فيه القسامة خمسون أو ستة.
وهناك احتمال رابع وهو نفي القسامة رأساً ويكون كسائر الدعاوي، بالقضاء بالبيّنة أو يمين المنكر، لكن لم نعثر على القائل بهذين الوجهين، وإنّما الموجود هما القولان الأوّلان.[1]والاحتمال الرابع مخالف لما سيوافيك من رواية ظريف.
إنّما الكلام في دليلي القولين فربما يقال المشهور هو القول الثاني يعني القول بأنّ القسامة في الأعضاء ستة، وقد عرفت القول به عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وتبعه ابن البرّاج[2]وابن حمزة.[3]والمنقول عن الشيخ المفيد هو القول الأوّل، وهو خيرة سلّار[4]، وابن إدريس.[5]
وعلى ذلك فلم يظهر وجود الشهرة في أحد القولين، ويمكن الاستدلال على القول الأوّل- مضافاً إلى كونه أحوط، وأنّ القسامة على خلاف القاعدة، يُقتصر فيه بالمتيقّن، وهو اعتبار خمسين قسامة- بإطلاق ما دلّ على أنّ في العمد خمسون وفي الخطأ خمس وعشرون، كصحيح عبداللَّه بن سنان قال: قال أبوعبداللَّه عليه السلام: «في القسامة خمسون رجلًا في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلًا وعليهم أن يحلفوا باللَّه».[6]من غير فرق بين النفس والطرف، ولكن الإطلاق حجّة مالم يكن في البين ما يقيّده، وسيوافيك---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 256.
[2]. المهذب: 2/ 501.
[3]. الوسيلة: 460.
[4]. المراسم: 232 و 248.
[5]. السرائر: 3/ 338.
[6]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(--- ما يقيّده في دليل القول الثاني.
واحتجّ للقول الثاني بوجهين:
1. ما رواه الكليني بسندين ينتهي أحدهما إلى الرضا عليه السلام والآخر إلى أبي عمر المتطبّب. ورواية الكليني بالسند المنتهي إلى الرضا عليه السلام صحيحة. ورواه الصدوق والشيخ وفي سندهما ضعف.
قال عليه السلام: «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلًا، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلًا وعلى ما بلغت ديته من الجروح ألف دينار، ستة نفر وما كان دون ذلك فحسابه من ستة نفر، والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين فهو ستة أجزاء الرجل».[1]
نعم يكتفي بالستة في إثبات الدية كما عليه الرواية من أوّلها إلى آخرها، بل في ذيلها تصريح بما ذكرناه بالاختصاص بالدية حيث قال: «وإن كان كلّه حلف ست مرات ثم يعطى» وأمّا القصاص فلا دليل على ثبوته بها بل مقتضى القاعدة هو الاقتصار بالخمسين.
2. ما ذكره العلّامة من أنّ الجناية هنا أخفّ، فكان الحلف فيها أخفّ والتشدّد فيه أقل عملًا بالتناسب.[2]
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2، ولاحظ الكافي: 7/ 362- 363.
[2]. مختلف الشيعة: 9/ 301.
المسألة 8. يشترط في القسامة علم الحالف، ويكون حلفه عن جزم وعلم، ولا يكفي الظن.^
المسألة 9. هل تقبل قسامة الكافر على دعواه على المسلم في العمد والخطأ في النفس وغيرها؟ فيه خلاف، والوجه عدم القبول.^^
^علم الحالف شرط في القسامة
بمعنى أنّه لا يكفي الظن لأنّ الحلف هنا نوع قضاء وهو فرع الجزم بالموضوع، لقولهم عليهم السلام: لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك.[1]
وروى المحقّق في «الشرائع» عن النبي صلى الله عليه و آله وقد سُئل عن الشهادة، قال:
«هلترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».[2]
^^قسامة الكافر على المسلم
اختلفت كلمتهم في قبول قسامة الكافر على المسلم، وذهب الشيخ في «المبسوط» إلى القبول، قال: فإن كان المقتول مشركاً والمدّعى عليه القتل مسلماً، قال قوم: يقسم وليّه ويثبت القتل على المسلم، وقال قوم: لا قسامة لمشرك على مسلم. والأوّل: أقوى عندنا لعموم الأخبار غير أنّه لا يثبت به القود وإنّما يثبت به المال.[3]---)
[1]. الوسائل: 18، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 18، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 3.
[3]. المبسوط: 7/ 216.
(--- وفي الوقت نفسه ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى العدم، وقال: إذا كان ولي المقتول مشركاً والمدّعى عليه مسلماً لم يثبت القسامة. وبه قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إنّه يثبت القسامة، فإذا حلفوا ثبت القتل.
ثم استدلّ الشيخ على عدم قبول قسامة الكافر بوجوه خمسة:
1. الأصل براءة الذمة.
2. إثبات القتل على المسلم بيمين المشرك، يحتاج إلى دليل.
3. لو أوجبنا القتل عليه بيمينهم لوجب أن يقاد به، وقد بيّنا أنّه لا يقاد مسلم بكافر.
4. لو أوجبنا عليه الدية لأوجبنا بيمين كافر ابتداءً على مسلم مالًا.
5. مع علمنا بأنّهم يستحلّون أموال المسلمين ودماءهم.[1]
واستدلّ في «المسالك» على خيرة الشيخ في «الخلاف» بوجه سادس وهو أنّ استحقاق القسامة سبيل ولا شيء من السبيل بثابت للكافر على المسلم بالآية.[2]
والظاهر قبول قسامته في العمد والخطأ لكن النتيجة مطلقاً هي الدية، ويعلم ذلك من دراسة أهمّ أدلّة المانعين على وجه الاختصار:
1. لو أوجبنا القتل بيمينهم فهو مخالف لقوله: «لا يقاد مسلم بذمّي»،---)
[1]. الخلاف: 5/ 312، المسألة 10.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 210.
(--- ولو أوجبنا الدية لزم قبول يمين الكافر ابتداءً على المسلم في مال.
يلاحظ عليه:أنّ القتل العمدي يثبت بيمين الكافر، ولمّا امتنع القصاص لأجل أنّه لا يقاد مسلم بذمّي ينتقل إلى الدية، وقد مرّ أنّ كلّ مورد امتنع فيه القصاص ينقلب إلى الدية.
وبعبارة أُخرى: المقتضي موجود لثبوت القتل، غاية الأمر المانع يمنع عن تأثيره وهو «لا يقاد مسلم بذمّي» فينتقل إلى الدية.
2. أنّ استحقاق القسامة سبيل، ولا شيء من السبيل بثابت للكافر على المسلم.
يلاحظ عليه:أنّ غاية ما يترتّب على القسامة هو الدية وهو حق ماليّ ولا يعدّ مثله سبيلًا، كما لو اقترض المسلم من ذمّيّ يجب عليه رد عوضه ولا يعدّ سبيلًا.
3. أنّ الغاية من تشريع القسامة حقن دماء المسلمين.[1]
يلاحظ عليه:بأنّه محجوج بخلافه حيث جاء في رواية عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «هي حق ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ولم يكن شيء».[2]والغاية حقن دماء الناس لا---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3. وفيه: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة، فتختص بهم.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 8. ولاحظ الحديث 9 أيضاًوفيه: إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس.
(--- خصوص المسلمين.
ولو افترضنا دليلًا كلّياً في عدم الاعتداد بحلف الكافر، فيكون إطلاق دليل القسامة مخصصاً له.
نعم يبقى الكلام في تقرير النبي صلى الله عليه و آله الأنصار على الإباء حيث قال رسول اللَّه لهم: لكم بيّنة؟، فقالوا: لا، فقال: «أفتقسمون؟» فقالت الأنصار: كيف نقسم على ما لم نره. فقال: فاليهود يقسمون، فقالت الأنصار: يقسمون على صاحبنا؟
قال: فوداه الرسول صلى الله عليه و آله من عنده.[1]فإن تأدية الدية صار سبباً لتقرير إنكار الأنصار قسامة الكافر، فيدل على أنّ حلفهم ليس بشيء.
وقد أجاب عن ذلك صاحب الجواهر بقوله: إنّما كان ذلك سياسة لا لعدم جواز قسامتهم، وإلّا لم يأمر به صلى الله عليه و آله فإنّ ذلك صريح في ثبوتها.[2]
ولعلّ المقصود من السياسة أنّه لا يترتّب على قسامة اليهود على البراءة سوى دفع الدية من بيت المال- كما هي الضابطة- فلذلك ترك دعوة القوم عليها (القسامة) وقدّم الدية من بيت المال أخذاً بقول القائل: «خذ الغايات واترك المبادئ».
وعلى كلّ تقدير فالأخذ بقسامتهم وإثبات الدية لا يخلو من وجه.
[1]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 7.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 257- 258.