(--- ومع ذلك فالظاهر- وفاقاً للمتن- لزوم الاستئناف، لوجه آخر وهو ما عرفت من أنّ القسامة على خلاف القاعدة يقتصر فيها على موضع القطع واليقين، وهو صدور الأيمان جميعاً من شخص واحد أو من أشخاص متزامناً.
الفرع الثالث: لو مات الولي بعد كمال العدد
فحكمه واضح؛ لأنّ الوارث يرث ما للمورّث من الأموال والحقوق، وقد صار الوارث ذا حق بعد الأيمان ومات عنه.
المسأله 7. لو حلف المدّعي مع اللوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً غيبة لا يقدر معها على القتل أو محبوساً كذلك، فهل تبطل القسامة بذلك واستعيدت الدية، أم لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين؟ فيه تردّد، والأرجح الثاني. نعم لو علم ذلك وجداناً بطلت القسامة واستُعيدت الدية؛ ولو اقتصّ بالقسامة أو الحلف أُخذت منه الدية لو لم يعترف بتعمد الكذب، وإلّا اقتص منه.^
^لو حلف المدّعي مع اللوث واستوفى الدية
لو حلف مع اللوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً في حال القتل غيبة لا يقدر معها على القتل، فهل تبطل القسامة أو لا؟[1]
وقد ذكر المصنّف هنا وجوهاً أربعة هي:
الأوّل:تبطل القسامة واستعيدت الدية.
الثاني:لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين.
الثالث:لو علم وجداناً بصحّة ما شهدت به البيّنة، بطلت القسامة واستعيدت الدية.
والمفروض في هذه الصور الثلاث أنّ المدّعي أخذ الدية.
الرابع:لو اقتصّ بالقسامة أو الحلف تؤخذ منه الدية لو لم---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 227.
(--- يعترف بالكذب وإلّا اقتصّ منه.
أمّا الأوّل:فوجه البطلان هو أنّ اللوث أمر ظنيّ، فإذا ثبت بالبيّنة ما ينافيه تُقدَّم البيّنة على الدليل الظنيّ، وعندئذٍ تستعاد الدية، أخذاً بلازم البيّنة. وعليه المحقّق في الشرائع[1]، والعلّامة في القواعد.[2]
وأمّا الثاني:أي عدم المجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين فوجهه ما ورد في الروايات من أنّ اليمين ذهبت بحقّ المدّعي، فعن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
«إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له» قلت له: وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال: «نعم، وإن أقام بعد ما استحلفه باللَّه خمسين قسامة، ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه».[3]
وقد استوجهه المصنّف.
فإن قلت:إنّ مورد الرواية في المدّعي والمنكر، فلو حلف المنكر ذهبت يمينه بحقّ المدّعي، وأمّا المقام فاليمين هنا هي للمدّعي، وإذهابه بحقّ المنكر خارج عن مدلول الرواية.
قلت:الظاهر من قوله: ذهبت اليمين بحقّ المدّعي، هو أنّ الأثر لليمين بما هو هو، سواء أكانت في جانب المنكر أو المدّعي.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 227.
[2]. قواعد الأحكام: 3/ 617.
[3]. الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
(---وأمّا الثالث- أعني: لو علم وجداناً صحّة ما شهدت به البيّنة بطلت القسامة واستعيدت الدية- فلأجل أنّه لا مجال بعد العلم بالبيّنة ولا بالقسامة.
وأمّا الرابع- أعني: لو اقتص بالقسامة أو الحلف مع العلم وجداناً بصحّة ما شهدت به البيّنة-: تؤخذ منه الدية، فلأجل أنّه أخذها عدواناً، هذا إذا لم يعترف بالكذب، وإلّا فيقتصّ منه لاعترافه بتعمّد الكذب.
المسألة 8. لو استوفى حقه بالقسامة فقال آخر: «أنا قتلته منفرداً» فإن كان المدّعي حلف وحده أو مع القسامة فليس له الرجوع إلى المقرّ إلّاإذا كذّب نفسه وصدّق المقرّ، وحينئذٍ ليس له العمل بمقتضى القسامة، ولابدّ من ردّ ما استوفاه، وإن لم يحلف وقلنا بعدم لزوم حلفه وكفى حلف قومه فإذا ادعى جزماً فكذلك ليس له الرجوع إلى المقرّ إلّامع تكذيب نفسه، وإن ادعى ظنّاً وقلنا بسماع دعواه كذلك، جاز له الرجوع إلى المقرّ وجاز العمل بمقتضى القسامة، والظاهر ثبوت الخيار لو لم يكذّب نفسه ورجع عن جزمه إلى الترديد أو الظن.^
^لو استوفى حقّه بالقسامة وأقرّ آخر بالقتل منفرداً
المفروض في هذه المسألة أنّ مدّعي اللوث استوفى حقّه بالدية لا بالقصاص.
وقد عنون الشيخ المسألة في «الخلاف» وقال: إذا ادّعى رجل على رجل أنّه قتل وليّاً له، وهنا لوث، وحلف المدّعي القسامة، واستوفى الدية، فجاء آخر فقال: أنا قتلته وما قتله ذلك، كان الولي بالخيار بين أن يصدّقه ويكذّب نفسه ويردّ الدية ويستوفي منه حقّه، وبين أن يكذّب المقرَّ ويَثبت على ما هو عليه.
ثم نقل عن الشافعي قولين واستدلّ على مختاره بقول النبي صلى الله عليه و آله: «إنّ إقرار العاقل جائز على نفسه» وهو إذا قبل من الثاني فقد كذّب نفسه في الأوّل فقبل منه ذلك، وإقرار الثاني مقبول على نفسه لعموم الخبر.[1]---)
[1]. الخلاف: 5/ 315- 316، المسألة 16.
(--- وحاصل كلامه: أنّه مخيّر بين تصديق المقرّ وعدمه. وخالفه في «المبسوط» بأنّه ليس له أن يدّعي على المقرّ حيث قال: لو ادّعى رجل على رجل أنّه قتل ولياً له وهناك لوث، فحلف المدّعي واستوفى منه الدية، ثم جاء رجل آخر فقال: ما قتله المحلوف عليه وأنا الذي قتلته والضمان عليّ، فهل للحالف أن يدّعي على المقرّ؟ قال قوم: ليس له أن يدّعي عليه، وقال قوم أُخر:
له أن يدّعي عليه. ثم قال: والأقوى عندي الأوّل، لأنّا بيّنا أنّه لا يجوز أن يحلف إلّا على علم وإذا ثبت ذلك فكأنّه قال: أنا أعلم أنّ الثاني ما قتله، فيكون مكذّباً له.[1]
وأمّا المصنّف فقد ذكر للمسألة فروعاً:
1. إذا حلف المدّعي وحده أو مع القسامة ولم يكذّب نفسه فليس له الرجوع إلى المقرّ؛ وذلك لأنّ معنى الحلف أنّ القاتل هو المحلوف عليه لا المقرّ، فكيف يرجع إليه؟
2. إذا لم يحلف المدّعي وإنّما حلف قومه وقلنا بكفاية حلفهم عن المدّعي ولم يكذّب نفسه فالحكم كالفرع السابق، أي ليس له الرجوع إلى المقرّ لأنّ تقديمهم على الحلف والسكوت يدل على أنّ القاتل عنده هو المحلوف عليه.
3. نفس هاتين الصورتين ولكن كذّب نفسه وصدّق المقر، وحينئذٍ ليس له العمل بمقتضى القسامة ولابدّ من ردّ ما استوفاه من الدية إلى---)
[1]. المبسوط: 7/ 242.
(--- المتهم، بل يرجع إلى المقرّ أخذاً باعترافه. وأشار المصنّف إلى هاتين الصورتين بالاستثناء في كلتا الصورتين الأُوليين.
4. وإن ادّعى ظناً وقلنا بسماع دعواه، قال المصنّف: جاز له الرجوع إلى المقرّ، كما جاز العمل بمقتضى القسامة لكن هذا التخيير في كلامه مشروط بأن لا يكون هو الحالف، بل الحالف غيره وإلّا مع حلفه الملازم للتصديق الجدّي بأنّ المحلوف عليه هو القاتل كيف يظن بأنّ القاتل هو المقرّ، وكان على المصنّف أن يقول هكذا: «جاز له الرجوع إلى المقرّ، وجاز له العمل بمقتضى القسامة بشرط أن يكون الحالف غيره ومعه لا يجوز له الرجوع إلى المقرّ».
نعم يجوز له الرجوع إلى المقرّ في صورتين تاليتين وإن حلف:
1. تكذيب نفسه، 2. عدم تكذيب نفسه لكن رجع عن الجزم إلى الترديد أو الظن كما أشار إليه في المتن.
المسألة 9. لو اتُّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه حتى يحضر البيّنة، فالظاهر جواز إجابته إلّاإذا كان الرجل ممّن يوثق بعدم فراره، ولو أخّر المدّعي إقامة البيّنة إلى ستة أيام يخلّى سبيله.^
^ هنا فرعان:
1. لو اتّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه، هل تجوز إجابته؟
2. على القول بجواز الحبس فما هي مدّته؟
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: لو اتُّهم رجل بالقتل وطلب الولي من الحاكم حبسه
ففيه أقوال:
1. ذهب ابن إدريس والشهيد الثاني إلى عدم جواز الحبس قبل ثبوت الحقّ مطلقاً.[1]
2. يحبس مقيداً بالتماس الولي، وهو الظاهر من المحقّق وإن تردّد فيه.[2]
3. يحبس مع حصول التهمة في نظر الحاكم. وهو خيرة العلّامة في «المختلف».[3]---)
[1]. السرائر: 3/ 343؛ مسالك الأفهام: 15/ 223.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 227.
[3]. مختلف الشيعة: 9/ 305.