بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 39

(--- وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله، فهو عمد يقتل به.

وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم، فهو شبه العمد»[1].

والشاهدفي الفقرة الأُولى‌- أعني: «ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة»- لعلّه نفس الفرع الوارد في روايتي الكناني والحلبي.

قلت:الفرق في أنّ الآلة في الأوّل قاتلة دون الثاني، مع أنّ الفقرتين تشتركان في كون القتل مستنداً إلى ضربة واحدة، وكون الضارب غير قاصد للقتل، فحكم في الأُولى بالقود دون الثانية.

وأمّا الفقرة الثانيةفقد حكم فيها بالقود لكون الفعل قاتلًا، قال: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» فإنّ الإلحاح بمعنى كثرة الضرب الذي يلازم القتل.

وأمّا الفقرة الثالثةفهي نفس الفقرة الأُولى، غير أنّه مات في الفقرة الأُولى فوراً بخلاف الثالثة حيث مات بعد أكثر من يوم.

الفرع الثاني: لو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله‌

إذا ضربه مكرّراً على نحو لا تكون الضربة الواحدة كافية في القتل وإنّما قتله تعدّد الضربات، فمع كون الفعل قاتلًا فهو داخل في الفقرة الثانية في رواية يونس.---)

[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.


صفحه 40

(--- ثمّ إنّ عدم التحمّل يكون لأحد الوجوه التالية:

1. إمّا لأنّ الضرب خفيف ولكن المضروب لأجل ضعفه وصغره لا يتحمّله.

2. أو كون الضارب قوياً، وإن لم يكن المضروب ضعيفاً أو صغيراً.

3. أو كون الزمان مؤثراً في القتل، كفصل البرودة الشديدة.

ففي الجميع يحكم بالعمد؛ وذلك لأنّه قصد القتل، وكان- بملاحظة الظروف المحدقة به- قتّالًا.


صفحه 41

المسألة 8. لو ضربه بما لا يوجب القتل، فأعقبه مرضاً بسببه ومات به، فالظاهر أنّه مع عدم قصد القتل لا يكون عمداً ولا قود، ومع قصده عليه القود.^

^لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً

ولو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضاً ومات، فقال المحقّق: إنّه كالأوّل أي عمد.[1]

وظاهر العبارة فرضه فيما إذا لم يقصد القتل.

ولذلك علّله في «المسالك» بأنّ ضربه وإن لم يكن قاتلًا غالباً ولا قصده، إلّا أنّ إعقابه بالمرض الذي حصل به التلف صيّر الأمرين بمنزلة سبب واحد، وهو ممّا يقتل غالباً وإن كان الضرب على حدته ممّا لا يقتل. ويؤيده ما سيأتي من أنّ سراية الجرح عمداً توجب القود، وإن لم يكن الجرح قاتلًا، وهذا من أفراده؛ لأنّ المرض مسبب عن الجرح، ومنه نشأ الهلاك، فكان في معنى السراية. وبهذا الحكم صرّح في القواعد[2]والتحرير.[3]

ثم استشكل قائلًا: ولا يخلو من إشكال؛ لأنّ المعتبر في العمد إمّا القصد إلى القتل، أو فعل ما يقتل غالباً، والمفروض هنا خلاف ذلك، وإنّما حدث القتل من الضرب والمرض المتعقّب له، والمرض ليس من فعل الضارب وإن---)

[1]. شرائع الإسلام: 4/ 196.

[2]. قواعد الأحكام: 2/ 278.

[3]. تحرير الأحكام: 5/ 424 برقم 6982.


صفحه 42

(--- كان سبباً له فيه، إلى أن انتهى إلى القول بالتفصيل وقال: إنّ الضرب المعقب للمرض عمد إن قُصد به القتل، ويوجب الدية إن لم يقصد، لا أنّه عمد مطلقاً، نظير ما لو حبس نَفَسَه يسيراً ثم أرسله، فقد تقدّم فيه أنّ الأشبه القصاص إن قصد القتل، أو الديه إن لم يقصد أو اشتبه.[1]

ولعلّه لهذا فصّل في المتن بين قصد القتل وعدمه، وفاقاً للمسالك.

ثم إنّ صاحب الجواهر أفتى بكونه عمداً حتّى وإن كانت السراية نادرة، وذلك لما اختاره في معنى العمد[2]من الصدق العرفي، وكون العمل عدواناً من غير اعتبار قصد القتل، ولا كون الشي‌ء ممّا يقتل مثله، إذ ذاك عمد إلى القتل لا قَتَله عامداً.[3]ولكنّك قد عرفت ضعف المبنى وأنّ مجرد قصد الفعل العدواني لا يصحّح نسبة القتل إليه إذا كان غير قاصد للقتل ولا الآلة قاتلة، وإنّما اكتفينا في صدق العمد بكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد القتل، لأجل أنّ تعلّق الإرادة بفعل يَقتل غالباً لا ينفك في الضمير عن قصد القتل كذلك، والمفروض في المقام انتفاء الأمرين. وقد مرّ أنّه لو كان الطرف ضعيفاً لمرض أو صغر أو كبر ونحوها ففعل به مثل الخنق والغمس في الماء، أنّه يوصف بالعمد إذا قصد القتل دونما إذا لم يقصد، فلاحظ.

[1]. مسالك الأفهام: 15/ 70.

[2]. جواهر الكلام: 42/ 17، قال: القصد إلى الفعل عدوانا الّذي حصل به القتل.

[3]. جواهر الكلام: 42/ 24.


صفحه 43

المسألة 9. لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء، فهو عمد وإن لم يقصد القتل، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به لكن اتّفق الموت، أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.^

^لو منعه عن الطعام أو الشراب فمات‌

في المسألة فرعان:

1. لو منعه عن الطعام والشراب مدة لا يحتمل لمثله البقاء فهو عمد؛ لأنّ الفعل ممّا يقتل، سواء أقصد القتل أم لم يقصد.

الظاهر أنّ الضمير في «لمثله» يرجع إلى الممنوع فلابدّ من ملاحظة صنف الممنوع ثم يحكم عليه بالاحتمال وعدمه.

2. إذا منعه مدة يتحمّل مثله عادة ولا يموت، لكن اتّفق الموت أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.

ففي الأوّل القود لوجود القصد، وإن لم يكن الفعل قاتلًا غالباً، دون الثاني؛ لأنّه شبه العمد، وذلك لعدم قصد القتل أوّلًا، وعدم كون الفعل ممّا يقتل ثانياً. هذا ما عليه المصنّف كالمسألة المتقدّمة.

هذا إذا كان المقياس هو صنف الممنوع من الصغر والكبر والوسط، ويمكن أن يقال: إنّ الميزان شخص الممنوع فيفرق بين علم الجاني بالحال وأنّه مميت لشخصه أو أنّه يعقب مرضاً يقتل به ففيه القود؛ لأنّ مثل هذا العلم لا ينفكّ عن قصد القتل، وبين جهله بالحال ففيه التفصيل بين كون قصده القتل وعدمه.


صفحه 44

المسألة 10. لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به؛ ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلًا فلا قود ولا دية قتل، وعليه دية جناية الإلقاء في النار، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية.^

^لو طرحه في النار فمات‌

فهنا صور:

1. لو كان الخروج ممتنعاً لكثرة النار أو ضعف الرجل، أو كون محل النار في وهدة، قتل به؛ لأنّ الآلة قتّالة.

2. لو كان قادراً بمعنى أنّه يتمكّن من الخروج ولكنّه لم يخرج ومات، فلو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه، بل لا دية له عليه لأنّه مستقل بإتلاف نفسه.

3. إذا اشتبه عدم خروجه بين كون تركه تخاذلًا وعدمه فهل يُحكم بالقود أو لا؟ ففيه وجهان:

الأوّل: أنّ فيه القود

وهو الظاهر من المحقّق حيث قال: ولو كان قادراً على الخروج؛ لأنّه قد يُشدَه، ولأنّ النار قد تشنّج الأعصاب بالملاقاة، فلا يتيسّر له الفرار.[1]فقوله «يشده» من: شُده الرجل: دهش.---)

[1]. شرائع الإسلام: 2/ 196.


صفحه 45

(--- والظاهر أنّ العبارة ناظرة إلى صورة الجهل بسبب الخروج، وأمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا فقد صرّح به بعد تلك العبارة وقال: أمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا، فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه.

ووجّهه الشهيد الثاني في «المسالك» قائلًا: ولو مات في النار واشتبه الحال هل كان قادراً على الخروج فتركه تخاذلًا، أم لا؟ فالحكم فيه كذلك، لوجود السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء، مع الشك في المسقط وهو القدرة على الخروج فتركه مع التهاون فيه. ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يُعلم التخاذل عن الخروج، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهش وتحيّر أو تشنّج أعضائه ونحو ذلك.[1]

ولعلّ نظر الشهيد الثاني إلى قاعدة المقتضي وعدم المانع، فالمقتضي محرز وهو الإلقاء في النار، والشكّ في المانع والأصل عدمه، مثل أصالة عدم كون خروجه من باب ا لتخاذل.

يلاحظ عليه:بأنّ المقتضي وإن كان موجوداً ولكن الجزء الآخر، أعني:

استصحاب عدم كون الخروج من باب التخاذل فاقد للحالة السابقة، إلّاعلى القول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، وهو ممنوع.

نعم يمكن أن يقال: إنّ إثبات عدم المانع غني عن الاستصحاب؛ لأنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه إذا وقع في النار لا يتخاذل عن الخروج، فلو لم يخرج فإنّما هو لحصول التشنّج في أعضائه أو الدهشة الّتي منعته من الخروج، فالمقتضي- أعني: الإلقاء في النار- مع ظاهر الحال كافٍ في ثبوت القود---)

[1]. مسالك الأفهام: 15/ 73.


صفحه 46

(--- على الملقي، إذ أي عاقل إذا وقع في النار لا يحاول الخروج، واحتمال التخاذل بعيد جدّاً.

وبالجملة الاحتمالان ليسا على درجة واحدة، فاحتمال أنّه لم يخرج عجزاً أقوى من احتمال كونه للتخاذل، إلّاإذا علم أنّ الرجل قبل الإلقاء بصدد الانتحار، وإلّا فاحتمال كون الترك مستنداً إلى التخاذل نادر لا يسبق إلى الأذهان، فلو لم نقل بالقصاص، فلا أقلّ من القول بثبوت الدية كما سيوافيك في كلام العلّامة.

الثاني: عدم القصاص‌

وهو قول العلّامة في «القواعد»، قال: وإن تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلّتها، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى‌ حركة فلم يخرج فلا قصاص.

وفي الضمان إشكال، أقربه السقوط إن علم منه أنّه ترك الخروج تخاذلًا، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج، لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه المخلّص.[1]

فالقدرة على الخروج لا تلازمه؛ لأنّ الدهشة وتشنّج الأعضاء يصدّه عن إعمال القدرة.

ثم لو قلنا بمبنى‌ صاحب الجواهر فالضمان أظهر حيث قال: إذا قصد فعلًا عدوانياً وإن لم يكن قاصداً للقتل ولا الآلة قاتلة[2]، والمفروض أنّ---)

[1]. قواعد الأحكام: 3/ 585.

[2]. جواهر الكلام: 42/ 26.