(--- ما عليه أصحابنا» وهو يحكي أنّ الشهرة الفتوائية في عصر علي بن الحسن بن فضّال هي على خلاف هذه الرواية، فكيف يمكن الأخذ بها؟
والعجب أنّ المحقّق يصفه بالأظهرية.
أمّا القول الثالث- أعني: ما نقله المحقّق وهو حرمان النساء مطلقاً من القصاص ووصفه بالأشبهية- فلا دليل له إلّاالحديث السابق.
وبذلك ظهر أنّ القول الأوّل الذي هو خيرة الماتن هو الأقوى، وأنّ كلّ من يرث المال بمعنى أن يكون في مرتبة قريبة من الميّت ولا يكون أقرب منه، يرث القصاص أيضاً إلّاما خرج بالدليل، أعني: الزوج والزوجة.
وهنا قول رابعاختاره الشيخ في موضع من «الخلاف» وهو: يمنع المتقرّب بالأُم وحدها والمتقرّبة بالأب وحده، فيختصّ للمتقرّب بهما أو المتقرّب بالأب وحده، قال: الدية يرثها الأولاد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، للذكر مثل حظ الأُنثيين، وكذلك الوالدان، ولا يرث الإخوة والأخوات من قِبَل الأُم منها شيئاً، ولا الأخوات من قبل الأب. وإنّما يرثها بعد الوالدين والأولاد الإخوة من الأب والأم، أو الأب أو العمومة، فإن لم يكن واحد منهم وكان هناك مولى كانت الدية له، فإن لم يكن هناك مولى كان ميراثه للإمام. والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكلّ من يرث الدية يرث القصاص إلّاالزوج والزوجة، فإنّه ليس لهما من القصاص شيء على حال.[1]
وقد استدلّ عليه الشيخ بالإجماع، وهو معلوم الحال.
[1]. الخلاف: 5/ 178، المسألة 41.
المسألة 5: يرث الدية من يرث المال حتّى الزوج والزوجة، نعم لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُم، بل مطلق مَن يتقرّب بها على الأقوى، لكن الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن.^
^ كان الكلام في المسألة السابقة في إرث القصاص، وأمّا في هذه المسألة فالكلام في إرث الدية، وفي المسألة فرعان:
الأوّل: يرث الدية من يرث المال
قد مرّ في المسألة السابقة أنّ الزوج والزوجة لا يرثان القصاص ومع ذلك يرثان الدية.
قال الشيخ: والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكلّ من يرث الدية يرث القصاص، إلّاالزوج والزوجة فإنّه ليس لهما من القصاص شيءٌ على أي حال.[1]
ويدلّ عليه من الروايات:
1. ما رواه الصدوق باسناده عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
«للمرأة من دية زوجها، وللرجل من دية امرأته ما لم يقتل أحدهما صاحبه».[2]
2. ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام- في حديث- قال: «وإن قُتلتْ ورث من ديتها، وإن قُتل ورثت هي من ديته، ما---)
[1]. الخلاف: 5/ 178، المسألة 41.
[2]. الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
(--- لم يقتل أحدهما صاحبه».[1]
3. ما رواه الشيخ أيضاً بسنده عن محمد بن مسلم في حديث: «فإن قُتل أو قُتلت وهي في عدّتها ورث كلّ واحد منهما من دية صاحبه».[2]
وأمّا ما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: «إنّ علياً عليه السلام كان لا يورّث المرأة من دية زوجها شيئاً، ولا يورّث الرجل من دية امرأته شيئاً، ولا الإخوة من الأُمّ من الدية شيئاً»[3]؛ فهو محمول على التقية، أو ما إذا قتل أحدهما صاحبه، ولعلّ الأوّل أظهر.
قال الشيخ: قال الشافعي: الدية يرثها جميع ورثته، وكلّ من ورث تركته من المال يرث الدية الذكور والإناث، وسواء كان الميراث بنسب أو سبب هو الزوجية.[4]
الفرع الثاني: الإخوة والأخوات من الأُم لا يرثون من الدية
قد عرفت أنّ المصنّف قد ذكر في إرث القصاص أقوالًا واختار من بينها القول بأنّ كلّ من يرث المال يرث القصاص، وبما أنّ الإخوة والأخوات من الأُم يرثون المال عند عدم وجود الأقرب، فلازم ذلك أنّهم يرثون الدية أيضاً، ولكنّه في المقام قال بأنّه لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُم، بل---)
[1]. الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2.
[2]. الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب منوانع الإرث، الحديث 3.
[3]. الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب موانع الإرث، الحديث 4.
[4]. الخلاف: 5/ 178، المسألة 41.
(--- مطلق مَن يتقرّب بها على الأقوى، كالأخوال والخالات، وقد صرّح الشيخ في النهاية بذلك، وقال: بأن الدية يستحقها كل من يتقرب من جهة الأب خاصّة، ذكراً كان أو انثى ولا يستحقها الإخوة والأخوات من قبل الأُم ولا أحد من أرحامها.[1]
فما وجه هذا الاستثناء في إرث الدية دون إرث القصاص؟
والدليل عليه وجود روايات تدل على حرمانهم:
1. صحيحة عبداللَّه بن سنان قال: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام: أنّ الدية يرثها الورثة [على كتاب اللَّه وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين] إلّاالإخوة من الأُم والأخوات من الأُم، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً».[2]
2. ما رواه محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام، قال: قال: «الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث إلّاالإخوة من الأُم، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً»[3].
3. ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «لا يرث الإخوة من الأُم من الدية شيئاً».[4]
فقد دلّت الروايات على حرمان الإخوة والأخوات من الأُم من---)
[1]. النهاية: 673.
[2]. الوسائل: 17، الباب 10 من أبواب موانع الإرث الحديث 2.
[3]. الوسائل: 17، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث 4.
[4]. الوسائل: 17، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5.
(--- الدية، ولكن المشهور قد عطف عليهم كلّ متقرّب بها، وعلى ذلك فالأخوال وأولاد هم محرومون لأنّهم يتقرّبون عن طريق الأُم.
واستجود الشهيد في «المسالك» حرمان الإخوة والأخوات من الدية وقال: وهذا القول أجود لصحّة بعض رواياته وكونها خاصّة والآية عامّة،[1]غير أنّه استظهر بقصر الحكم على موضع النصّ أي الإخوة والأخوات من الأُم لا كلّ متقرّب بها، فعلى ما ذكره يرث الأخوال وأولادهم، ولذا قال في المتن:
الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن.
إجابة عن سؤال
إنّ هنا سؤالًا أشرنا إليه سابقاً وهو: وجود التنافي في قول من يقول:
يرث القصاص كلّ من يرث المال بلا استثناء، كالمصنّف، ومع ذلك يستثني في الدية الإخوة والأخوات من الأُم، مع أنّ مقتضى عدم الإرث من الدية هو عدمه من القصاص، فإذا حُرم الإنسان من الأضعف يكون محروماً من الأقوى بطريق أولى.
وقد أجاب صاحب الجواهر عن هذا السؤال بما هذا توضيحه: أنّ الدية على قسمين:
1. ما يكون واجباً بالأصالة كالدية في شبه العمد والخطأ، وفي عمد الأب، فإنّ الدية هنا واجبة بالأصالة ببيان الشرع.---)
[1]. مسالك الأفهام: 13/ 44.
(--- 2. ما يجب بالصلح، كما في قتل العمد في غير الأب فإن الواجب أوّلًا وبالذات هو القصاص، ويتبدّل إلى الدية بالصلح والرضا.
ثم إنّه قدس سره قال: بأنّ ما دلّ على حرمان المتقرّب بالأُم من إرث الدية إنّما هو القسم الأوّل أي الواجب بالأصالة، وليس الحرمان منها بأضعف من الحرمان من القصاص، حتّى يستدلّ بالحرمان منها على الحرمان من القصاص؛ لأنّ الدية فيها في عرض القصاص لا في طوله.
نعم الدية الثابتة بالصلح والتصالح فهي في طول القصاص وأضعف منه، فالحرمان منها يمكن أن يكون دليلًا على الحرمان في القصاص، ولكن الحرمان منتف، ولذلك قال في آخر كلامه: ومنه يعلم حينئذٍ عدم استفادة حكم إرث القصاص من حكمه في الدية بدعوى المساواة أو الأولوية.[1]
[1]. جواهر الكلام: 42/ 286.
المسألة 6: الأحوط عدم جواز المبادرة للوليّ إذا كان منفرداً إلى القصاص، سيّما في الطرف إلّامع إذن والي المسلمين، بل لا يخلو من قوة، ولو بادر فللوالي تعزيره، ولكن لا قصاص عليه ولا دية.^
^لو بادر الولي للقصاص من دون إذن الحاكم
الكلام في المقام في أنّه هل يتوقف استيفاء القصاص مطلقاً في النفس والطرف على إذن الإمام، كما عليه الشيخ في «الخلاف»، أو يفصّل بين قصاص النفس فلا يتوقّف، والطرف فيتوقّف كما عليه الشيخ في «المبسوط» والعلّامة في «التحرير»، من غير فرق بين أن يكون الولي واحداً أو متعدّداً، وسيوافيك وجه تقييد الموضوع بوحدة الولي، فإنّ جهة البحث استيفاء القصاص بلا إذن الوالي، وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا وجب لإنسان قصاص في نفس أو طرف فلا ينبغي[1]أن يقتصّ بنفسه فإن ذلك للإمام أو من يأمره الإمام به، بلا خلاف، وإن بادر واستوفاه بنفسه وقع موقعه ولا شيء عليه. وللشافعي فيه قولان:
أحدهما المنصوص عليه أن عليه التعزير، والثاني لا شيء عليه.
دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، ومن أوجب عليه التعزير فعليه الدلالة.[2]
وقال في «المبسوط»: إذا وجب له على غيره قصاص لم يخل من---)
[1]. بناءً على حمله على الحرمة. فتأمّل.
[2]. الخلاف: 5/ 205، المسألة 80.
(--- أحد أمرين: إمّا أن يكون نفساً، أو طرفاً، فإن كان نفساً فلولي الدم أن يقتصّ بنفسه، لقوله تعالى:«وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[1]؛ وأمّا إن كان القصاص في الطرف لم يمكّن ولي القطع من قطعه بنفسه؛ لأنّه لا يؤمن أن يكون من حرصه على التشفّي أن يقطع منه في غير موضع القطع فيبغي عليه فيفارق النفس.[2]
وكلامه هذا يدلّ على التفصيل بين النفس والطرف. ووجهه: أنّ في قصاص النفس، لا يكون الطرف في معرض السراية، لأنّه محكوم بالقتل، بخلاف قصاص الطرف؛ لأنّه بمثابة الحدّ وهو من فروض الإمام، ولجواز التخطّي مع كون المقصود معه بقاء النفس.
وقال المحقّق: وإذا كان الولي واحداً جاز له المبادرة، والأولى توقّفه على إذن الإمام، وقيل: يحرم المبادرة ويعزّر لو بادر، وتتأكّد الكراهية في قصاص الطرف.[3]
وقال العلّامة: مستحق القصاص إن كان واحداً كان له المبادرة إلى الاستيفاء، وهل يحرم من دون إذن الإمام؟ الأولى الكراهية فله الاستيفاء بدون إذنه، وقيل: يحرم ويعزّر لو بادر وتتأكّد الكراهية في الطرف.[4]
أقول:الظاهر أنّه لا فرق بين وحدة الولي وتعدّده فالقائل---)
[1]. الإسراء: 33.
[2]. المبسوط: 7/ 56- 57، ولاحظ الصفحة 100.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 228.
[4]. تحرير الأحكام: 5/ 491، المسألة 7126.