المسألة 7: لو كان أولياء الدم أكثر من واحد، فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلّاباجتماع الجميع وإذن الوليّ، لا بمعنى ضرب كلّ واحد إيّاه، بل بمعنى إذنهم لأحد منهم أو توكيلهم أحداً؛ وعن جمع أنّه يجوز لكلّ منهم المبادرة، ولا يتوقّف على إذن الآخر، لكن يضمن حصص من لم يأذن؛ والأوّل أقوى. نعم لو بادر واستبدّ فلا قود، بل عليه حصص البقية مع عدم الإذن، وللإمام تعزيره.^
^هل يجوز لأولياء الدم استيفاء القصاص من دون إذن الحاكم؟
الظاهر أنّ حيثية البحث في هذه المسألة تختلف عمّا تقدّمها وليس الاختلاف بينهما في خصوص كون الولي واحداً فيما تقدّم ومتعدّداً في المقام، لما عرفت من سعة ملاك البحث في المسألة السابقة وعدم اختصاصه بالولي الواحد. بل جهة البحث في المسألة السابقة تختلف عن جهته في المقام، وذلك أنّ البحث فيما تقدّم كان مركّزاً على استيفاء الولي بالمباشرة مع عدم الاستئذان من الحاكم، سواء كان الولي واحداً أو لا، وقد عرفت وجه تقييد المسألة بوحدة الولي وأمّا البحث في المقام فيركّز على أنّ أحد الأولياء هل له الاستيفاء مع عدم حضور الآخرين، أو ليس له ذلك؟
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ في المسألة قولين:
الأوّل:عدم جواز الاستيفاء إلّاباجتماع الجميع. وهذا هو خيرة جماعة نسبه إليهم في «الجواهر»، كالفاضل والشهيدين والمقداد---)
(--- والأردبيلي والكاشاني[1]، وهذا أيضاً هو خيرة المصنّف.
الثاني:الجواز مع ضمان حصص الباقين لتحقّق الولاية لكلّ واحد بانفراده، فيتناوله العموم.
وهذا هو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: فإذا ورثه (القصاص) ورثته فإن كانوا أهل رشد لا يولى عليهم فليس لبعضهم أن يستوفيه بغير إذن شريكه .. إلى أن قال: وعندنا أن يستوفيه بشرط أن يضمن الباقين ما يخصّهم من الدية.[2]
وقال في «الخلاف»: إذا كان أولياء المقتول جماعة لا يُولّى على مثلهم، جاز لواحد منهم أن يستوفي القصاص، وإن لم يحضر شركاؤه سواء كانوا في البلد أو كانوا غائبين بشرط أن يضمن لمن لم يحضر نصيبه من الدية، وقال جميع الفقهاء: ليس له ذلك حتّى يستأذن إن كان حاضراً، أو يقدّم إن كان غائباً.[3]
وقال العلّامة في «التحرير»: لو كان بعض الأولياء غائباً أو صبيّاً، قال الشيخ رحمه الله: للحاضر البالغ استيفاء القصاص بعد ضمان حصص الغائبين والصغار من الدية، ثمّ قال: لو كان للصغير أبٌ أو جدٌ له، لم يكن لوليه استيفاءُ القصاص حتّى يبلغ، سواء كان القصاص في النفس أو الطرف- ولو قيل:---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 289.
[2]. المبسوط: 7/ 54.
[3]. الخلاف: 5/ 179، المسألة 42.
(--- له الاستيفاء كان حسناً- ثم قال: ويُحبس القاتل حتّى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون.[1]
استدلّ للقول الأوّل بأنّه كما لا ينفرد باستيفاء تمام الدية كذلك القصاص؛ لأنّه حق مشترك فيتوقّف تحصيله على اجتماعهم كغيره من الحقوق الّتي لا يمكن فصل حق بعض المستحقّين عن بعض.[2]
واستدلّ للقول الثاني بأنّ الباقين إمّا أن يريدوا قتل الجاني أو الدية منه أو العفو، والفرض أنّ الأوّل قد حصل والدية مبذولة من الوليّ المستوفي، والعفو باقٍ في محلّه، فإنّ المقصود به المثوبة وهي موجودة.[3]
بيان مبنى القولين
الظاهر أنّ الجواز وعدمه مبنيان على كيفية ثبوت حق الاقتصاص للأولياء، إذ هنا احتمالان:
1. أن يكون حقّ الاقتصاص قائماً بالمجموع فلا يصلح لأحد من الأولياء، الاستبدادُ بإعمال الحق، فإنّه قائم بالمجموع من حيث المجموع.
2. أنّه قائم بالأولياء على نحو الانحلال، بأن يكون الحكم مجعولًا لطبيعيّ الوليّ ينحل بانحلاله، فيثبت لكلّ فرد من أفراده حقّ مستقل كما هو الحال في سائر موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه.---)
[1]. تحرير الأحكام: 5/ 493، المسألة 7129.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 280.
[3]. جواهر الكلام: 42/ 289.
(--- فلو قلنا بالأوّل فلا يجوز لأحد من الأولياء استيفاء الحق بلا إذن الآخرين، لأنّ المفروض أنّ الحقّ قائم بالمجموع وهو جزء منه.
ويمكن تقريب القول الأوّل بأنّ حقّ الاقتصاص كحقّ الخيار الموروث، فكما أنّه ليس لأحد الورثة الاستبداد بإعمال الخيار، فهكذا حقّ الاقتصاص، حقّ قائم بالمجموع.
يلاحظ عليه:بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، أمّا الثاني- أعني: تعلّق الخيار- فالمفروض أنّه حقّ واحد كان قائماً بالمورّث فلو مات فإنّما ينتقل إلى الورثة بالنحو السابق، فلا يتعدّد بتعدّد الورثة، فلذلك يكون قائماً بالمجموع فلو اتّفقوا على إعمال الخيار فهو، وإلّا فالعقد لازم؛ وهذا بخلاف المقام فإنّ حقّ الاقتصاص صار مجعولًا ابتداءً للأولياء لا حقّاً واحداً موروثاً منتقلًا من واحد، فعدم التعدّد في مورد الخيار لا يكون دليلًا على الوحدة في المقام.
نعم لو كان حقّ الاقتصاص مجعولًا لهم من جهة الإرث ومنتقلًا من الميّت، كما إذا قطع الجاني يد أحد متعمّداً فمات المجنيّ عليه قبل الاقتصاص اتّفاقاً، فإنّ حقّ القصاص ينتقل إلى ورثته لا محالة، وبما أنّه حقّ واحد فيثبت لمجموع الورثة كحقّ الخيار ويترتّب على ذلك سقوط حقّ الاقتصاص بإسقاط واحد منهم، كما أنّه يترتّب عليه عدم جواز اقتصاصه بدون إذن الآخرين.---)
(---فإن قلت:قد مرّ في المسألة الرابعة أنّ من يرث المال يرث القصاص، فكيف يكون مجعولًا للولي ابتداءً؟
قلت:التعبير بالإرث من باب المشاكلة، والمراد هو كون الوارث مأموراً من جانب اللَّه بالقصاص؛ لأنّ المجني عليه ما دام حيّاً ليس له حق القصاص وبعد الموت، لا معنى لكونه يملك القصاص، بخلاف المال فإنّه ملكه في حياته.
ويمكن تقريب القول الثاني بوجهين:
الأوّل:ما دلّ على أنّ عفو بعض الورثة لا يوجب سقوط حق الاقتصاص عن الآخرين، وهذا يدلّ على أنّ الحقّ قائم بكلّ فرد فرد، على وجه لو عفا أحد الأولياء، فلا يخلّ عفوه بحق الآخرين.
وإلى ما ذكرنا يُشير صاحب «الجواهر» بقوله: بأنّ اشتراك الحقّ المزبور ليس على حسب غيره من الأموال التي لا يجوز التصرّف فيها بدون إذن الشريك، بل المراد من اشتراكه أنّ لكلّ واحد منهم استيفاؤه لا كونه بينهم على الحصص، ولا أنّه حق للمجموع من حيث كونه كذلك، ضرورة عدم تعقّل الأوّل ومنافاة الثاني لبقائه مع عفو البعض، وغرم الدية إنّما هو لدليله لا لاشتراكه.[1]
الثاني:ما يستفاد من صحيحة أبي ولّاد الحنّاط، قال: سألت أبا---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 290.
(--- عبداللَّه عليه السلام عن رجل قتل وله أُمّ وأب وابن، فقال الابن: أنا أُريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب: أنا (أُريد أن) أعفو، وقالت الأُمّ: أنا أُريد أن آخذ الدية، قال:
فقال: «فليعط الابن أُمّ المقتول السدس من الدية، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حق الأب الذي عفا، وليقتله».[1]
إلى هنا تبيّن أنّ القول الثاني هو الموافق للقاعدة، ومع ذلك كلّه نقول: لا يمكن لكلّ منهم الاستيفاء إلّابإذن الآخرين، وذلك لأمرين:
الأوّل: أنّ الاستبداد بإعمال الحق يكون سبباً لضياع حق الآخرين، وما مرّ من صاحب الجواهر من أنّ الآخرين إمّا يريدون القصاص فالمفروض أنّه حصل مرادهم، وإن أرادوا الدية فهي مبذولة من الولي، وإن كانوا يريدون العفو فهو باقٍ في محلّه فإنّ المقصود به المثوبة وهي موجودة، فهو غير تام، وذلك لعدم حصول غرض الآخرين في الصورتين التاليتين:
1. يريدون الاقتصاص بصورة التشفّي وهو لا يحصل إلّابقتله مباشرة، أو بمرأى ومنظر منهم وهو غير حاصل.
2. يريدون العفو بمعنى أن يرجع القاتل إلى حياته الطبيعية، بين أهله وأولاده، وهو غير حاصل.
الثاني:احتمال اشتراط إعمال الحق بإذن الآخرين، وهذا الاحتمال قوي جدّاً خصوصاً فيمن يرجع في هذه الأُمور إلى المجتمعات، حيث يذمّون---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- عمل المستوفي مع غياب الأولياء الآخرين.
وحصيلة الكلام:نحن نوافق القول الثاني أي كون القصاص حقّاً ثابتاً لكلّ واحد من الورثة، ومع ذلك لا يصحّ لكلٍّ الإعمال إلّابإذن الآخرين.
نعم لو بادر واستوفى حقّه خالف الحكم الشرعي على القول الأوّل، فيعزّر دون الثاني، بل مطلقاً حسب ما قررنا، من أنّ تعلّق القصاص بالأولياء على وجه العام الاستغراقي لا يلازم جواز الاستبداد في استيفاء القصاص لاستلزامه ضياع حق الآخرين، فلاحظ.
واحتمل في «المسالك» ثمرة أُخرى، وهي وجوب القصاص؛ لأنّه استوفى أكثر من حقّه، فيلزمه القصاص فيه؛ ولأنّ القصاص لهما فإذا قتله أحدهما فكأنّه أتلف نصف النفس متعدّياً، وهو سبب يوجب القصاص.[1]
ولكن الثمرة باطلة لما عرفت من أنّ كلّاً يملك قصاصه كاملًا، لا أنّه يملك بعض النفس بل يملكها كلّها، غاية الأمر خالف الشرط فيستحق التعزير، ولذلك قال في المتن: ولو بادر واستبدّ فلا قود بل عليه حصص البقية (من الدية) مع عدم الإذن وللإمام تعزيره.
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 230.
المسألة 8: لو تشاحّ الأولياء في مباشرة القتل وتحصيل الإذن يقرع بينهم، ولو كان بينهم من لا يقدر على المباشرة لكن أراد الدخول في القرعة ليوكّل قادراً في الاستيفاء، يجب إدخاله فيها.^
^لو تشاح الأولياء في مباشرة القتل وتحصيل الإذن
أقول: مسألة التشاحّ معنونة في كلامهم فيما إذا قتل حرّ حرّين، فوقع التشاحّ بين وليّي المقتولين.[1]وكلّ أراد القصاص بنفسه.
ومنه يُعلم حكم المقام إذا قتل الحرّ واحداً وكان له أولياء، فتشاحّوا في مباشرة القصاص وتحصيل الإذن، فعندئذٍ يُقرع بينهم.
الكلام في هذه المسألة مبنيّ على ما اختاره في المسألة السابقة من أنّه ليس لأحد من الأولياء استيفاء القصاص من دون إذن الآخرين، فإذا وقع التشاحّ بين الأولياء، وكلّ حاول أن يقتصّ بنفسه، أو في تحصيل إذن الوالي كما سبق في المسألة السابقة يجب عندئذٍ رفع الدعوى إلى الحاكم حتّى يفصل النزاع.
وأمّا لو قلنا بأنّ لكلٍّ حق الاستيفاء مطلقاً، وإن لم يكن إذن من الآخرين فلا يبقى موضوع لهذه المسألة.
ثم إنّ الماتن اختار في القضاء على التشاحّ، الرجوع إلى القرعة، وهو صحيح تامّ، لما قد حقّق هو قدس سره في محلّه من اختصاص القرعة بموارد---)
[1]. لاحظ: تحرير الأحكام: 5/ 497؛ وكشف اللثام: 11/ 49.