المسألة 9. لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء، فهو عمد وإن لم يقصد القتل، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به لكن اتّفق الموت، أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.^
^لو منعه عن الطعام أو الشراب فمات
في المسألة فرعان:
1. لو منعه عن الطعام والشراب مدة لا يحتمل لمثله البقاء فهو عمد؛ لأنّ الفعل ممّا يقتل، سواء أقصد القتل أم لم يقصد.
الظاهر أنّ الضمير في «لمثله» يرجع إلى الممنوع فلابدّ من ملاحظة صنف الممنوع ثم يحكم عليه بالاحتمال وعدمه.
2. إذا منعه مدة يتحمّل مثله عادة ولا يموت، لكن اتّفق الموت أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.
ففي الأوّل القود لوجود القصد، وإن لم يكن الفعل قاتلًا غالباً، دون الثاني؛ لأنّه شبه العمد، وذلك لعدم قصد القتل أوّلًا، وعدم كون الفعل ممّا يقتل ثانياً. هذا ما عليه المصنّف كالمسألة المتقدّمة.
هذا إذا كان المقياس هو صنف الممنوع من الصغر والكبر والوسط، ويمكن أن يقال: إنّ الميزان شخص الممنوع فيفرق بين علم الجاني بالحال وأنّه مميت لشخصه أو أنّه يعقب مرضاً يقتل به ففيه القود؛ لأنّ مثل هذا العلم لا ينفكّ عن قصد القتل، وبين جهله بالحال ففيه التفصيل بين كون قصده القتل وعدمه.
المسألة 10. لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به؛ ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلًا فلا قود ولا دية قتل، وعليه دية جناية الإلقاء في النار، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية.^
^لو طرحه في النار فمات
فهنا صور:
1. لو كان الخروج ممتنعاً لكثرة النار أو ضعف الرجل، أو كون محل النار في وهدة، قتل به؛ لأنّ الآلة قتّالة.
2. لو كان قادراً بمعنى أنّه يتمكّن من الخروج ولكنّه لم يخرج ومات، فلو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه، بل لا دية له عليه لأنّه مستقل بإتلاف نفسه.
3. إذا اشتبه عدم خروجه بين كون تركه تخاذلًا وعدمه فهل يُحكم بالقود أو لا؟ ففيه وجهان:
الأوّل: أنّ فيه القود
وهو الظاهر من المحقّق حيث قال: ولو كان قادراً على الخروج؛ لأنّه قد يُشدَه، ولأنّ النار قد تشنّج الأعصاب بالملاقاة، فلا يتيسّر له الفرار.[1]فقوله «يشده» من: شُده الرجل: دهش.---)
[1]. شرائع الإسلام: 2/ 196.
(--- والظاهر أنّ العبارة ناظرة إلى صورة الجهل بسبب الخروج، وأمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا فقد صرّح به بعد تلك العبارة وقال: أمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا، فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه.
ووجّهه الشهيد الثاني في «المسالك» قائلًا: ولو مات في النار واشتبه الحال هل كان قادراً على الخروج فتركه تخاذلًا، أم لا؟ فالحكم فيه كذلك، لوجود السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء، مع الشك في المسقط وهو القدرة على الخروج فتركه مع التهاون فيه. ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يُعلم التخاذل عن الخروج، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهش وتحيّر أو تشنّج أعضائه ونحو ذلك.[1]
ولعلّ نظر الشهيد الثاني إلى قاعدة المقتضي وعدم المانع، فالمقتضي محرز وهو الإلقاء في النار، والشكّ في المانع والأصل عدمه، مثل أصالة عدم كون خروجه من باب ا لتخاذل.
يلاحظ عليه:بأنّ المقتضي وإن كان موجوداً ولكن الجزء الآخر، أعني:
استصحاب عدم كون الخروج من باب التخاذل فاقد للحالة السابقة، إلّاعلى القول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، وهو ممنوع.
نعم يمكن أن يقال: إنّ إثبات عدم المانع غني عن الاستصحاب؛ لأنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه إذا وقع في النار لا يتخاذل عن الخروج، فلو لم يخرج فإنّما هو لحصول التشنّج في أعضائه أو الدهشة الّتي منعته من الخروج، فالمقتضي- أعني: الإلقاء في النار- مع ظاهر الحال كافٍ في ثبوت القود---)
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 73.
(--- على الملقي، إذ أي عاقل إذا وقع في النار لا يحاول الخروج، واحتمال التخاذل بعيد جدّاً.
وبالجملة الاحتمالان ليسا على درجة واحدة، فاحتمال أنّه لم يخرج عجزاً أقوى من احتمال كونه للتخاذل، إلّاإذا علم أنّ الرجل قبل الإلقاء بصدد الانتحار، وإلّا فاحتمال كون الترك مستنداً إلى التخاذل نادر لا يسبق إلى الأذهان، فلو لم نقل بالقصاص، فلا أقلّ من القول بثبوت الدية كما سيوافيك في كلام العلّامة.
الثاني: عدم القصاص
وهو قول العلّامة في «القواعد»، قال: وإن تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلّتها، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص.
وفي الضمان إشكال، أقربه السقوط إن علم منه أنّه ترك الخروج تخاذلًا، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج، لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه المخلّص.[1]
فالقدرة على الخروج لا تلازمه؛ لأنّ الدهشة وتشنّج الأعضاء يصدّه عن إعمال القدرة.
ثم لو قلنا بمبنى صاحب الجواهر فالضمان أظهر حيث قال: إذا قصد فعلًا عدوانياً وإن لم يكن قاصداً للقتل ولا الآلة قاتلة[2]، والمفروض أنّ---)
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 585.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 26.
(--- الفعل عدوانيٌّ، ولكنّك عرفت ضعفه.
ولكنه قدس سره لم يستفد من مبناه في المقام، وإنّما أيّد قول المحقّق بقوله:
ودعوى أنّ مجرّد الإلقاء سبب للضمان، واضحة المنع.[1]
ولكنّك عرفت أنّ السبب ليس مجرّد الالقاء، بل بضميمة حال المُلقى، فإنّه قلّما يتّفق أن لا يخرج تخاذلًا، إلّاإذا قصد الانتحار، فالقول بالقصاص أقوى.
فما في المتن: «ولو لم تظهر الحال واحتمل الأمران، لا يثبت قود ولا دية» بعيد إذا لم يكن المطروح مجنوناً ولا مخبطاً ولا انتحارياً، إذ كيف يحتمل في حقّه أنّه لم يخرج تخاذلًا، فليس هناك إلّااحتمال واحد وهو عدم الخروج لعدم التمكّن.
ولو لم يمكن الخروج إلّاإلى ماء مغرق أو إلقاء من شاهق، فخرج وغرق، أو ألقى نفسه من شاهق فقتل فالأقوى القود، لأنّه يشبه ما لو خنقه بحبل ثم أرسله منقطع النفس، أو غير منقطع بضع دقائق ثم مات.
فإن قلت:إنّه وإن صار مقتولًا لكن القتل لا ينسب إلى الطارح لا مباشرة ولا تسبيباً، أمّا المباشرة فواضحة، وأمّا التسبيب فهو عبارة عن كون الفعل فعلًا ناشئاً عن عمل الطارح، وما نحن فيه ليس كذلك.
قلت:يكفي في القود، أنّه صار مقتولًا بسبب الغرق أو الإلقاء من شاهق، وكلاهما مسببان من إلقائه في النار، ولولا ذلك لم يلق نفسه من شاهق أو في الماء الكثير.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 26.
المسألة 11. لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلًا أو شُكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة، ولو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه ثم تبيّن الخلاف، ولم يقدر الملقي على نجاته، لم يكن عمداً.^
^لو ألقاه في البحر فمات
هذه المسألة تشارك سابقتها في الفروع الثلاثة، ولكن المصنّف أضاف فرعاً رابعاً، ويعلم حكم الثلاثة الأُول ممّا ذكرناه في المسألة السابقة وإليك البيان إجمالًا:
1. لو ألقاه في البحر ولم يتمكّن من الخروج، أو منعه عنه حتى مات، ففيه القود؛ لأنّ الآلة قتّالة وقد قصد القتل أيضاً.
2. لو كان قادراً ولم يخرج تخاذلًا، فلا قود ولا دية.
3. لو كان قادراً على الخروج واشتبه الحال في سبب عدم خروجه، وقد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الطرح في النار أو الماء بضمّ ظاهر الحال من أنّ الحريق أو الغريق يسعى في نجاة نفسه، فلو فشل فإنّما هو بسبب عدم التمكّن لا التخاذل يثبت أنّ القتل عمدي، حتّى إنّ العقلاء لا يرون هذين الاحتمالين على درجة واحدة، بل ربّما لا يلتفتون إلى أنّ عدم الخروج كان بسبب التخاذل. 4. لو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه، ثم تبيّن الخلاف ولم يقدر الملقي أيضاً على نجاته لم يكن عمداً؛ وذلك لأنّه لم يقصد القتل، ولم تكن الآلة باعتقاده قتّالة، فيكون شبه العمد.
المسألة 12. لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدم ومات، فعليه القود؛ ولو فصده وتركه، فإن كان قادراً على الشدّ، فتركه تعمّداً وتخاذلًا حتى مات، فلا قود ولا دية النفس، وعليه دية الفصد، ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً، وإن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود، وعليه دية شبه العمد.^
^لو فصده فنزف الدم ومات
في المسألة فروع:
1. لو فصده ومنعه عن الشد حتى مات.
2. لو فصده وتركه مع علمه بأنّ المجنيّ عليه قادر على الشدّ ولكنّه لم يشدّ تخاذلًا.
3. لم يكن قادراً ويعلم الجاني عدم قدرة المجنيّ عليه على الشدّ.
4. لم يكن قادراً على الشدّ ولكن الجاني لم يعلم بذلك.
وإليك أحكام الفروع.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّه من مصاديق قتل العمد؛ لأنّ الفصد مع المنع عن الشدّ ينتهي إلى القتل، فعليه القود.
وأمّا الثاني: أعني ما لو ترك المجنيُّ عليه الشدّ عمداً حتى مات، فلا قود ولا دية النفس؛ لأنّ الموت مستند إلى الجزء الأخير وهو تخاذله عن---)
(--- الشدّ، غاية الأمر على الجاني دية الفصد.
وأمّا الثالث:ففيه القود؛ لأنّ الجاني يعلم بعجز المجني عليه عن الشدّ، والمفروض أنّ الجاني أيضاً لم يقم بالشدّ، فالسبب ممّا يقتل.
وأمّا الرابع:أعني إذا لم يعلم بعجز المجنيّ على الشدّ أو قدرته، فمات، فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً ففيه القود؛ لأنّ قصد القتل يكفي في ثبوت القود، إلّاأن يقوم دليلٌ على التخاذل. وإن لم يقصد القتل بل فصده برجاء شدّه ولكنّه مات قبل الشدّ، فليس عليه القود؛ لأنّه لم يقصد القتل أوّلًا، ولم يثبت كون الآلة في المورد قتّالة؛ لأنّه فصده برجاء الشدّ ولكن لم يوفّق لذلك، فالعمل أشبه بشبه العمد.