(--- وقال المحقّق: وأُجرة مَن يقيم الحدود من بيت المال، فإن لم يكن بيت مال أو كان هناك ما هو أهم، كانت الأُجرة على المجنيّ عليه.[1]
ويريد من المجنيّ عليه أعمّ من ولي الدم عند القصاص في النفس، ونفس المجنيّ عليه الحيّ في قصاص الطرف.
فعلى هذا فأُجرة عامّة مراحل الاقتصاص ابتداءً من الأخذ والحبس والتحقيق والقصاص والتنفيذ كلّها على بيت المال، غير أنّه إذا لم يكن لبيت المال إمكانية أو كان هناك أمر أهم، يؤخذ من المستوفي.
2. ما عليه المصنّف من الموافقة مع العلمين إلّاأنّه استثنى أُجرة المقتصّ فلم يجعلها على عاتق بيت المال، سواء أكانت له إمكانية أو لا، أو كان هناك أمر مهم أو لا، بل جعلها على المستوفي أعمّ من ولي الدم والمجنيّ عليه.
وسيوافيك القول الثالث.
أمّا القول الأوّلفيستدل عليه بأنّ إقامة الحدود من المصالح السامية للمجتمع، وكلّ أمر لم يسمّ فاعله فهو على الإمام أو نائبه، فإذا كان راجعاً إليه فكلّ ما يقوم به من الأُمور تدفع أُجرته من بيت المال، فإن لم تكن إمكانية أو كان أمر أهم، فهي على المستوفي.
وأمّا القول الثاني:فيستدلّ عليه بأنّ إقامة الحدود والاقتصاص وإن كان من وظائف الحاكم أو القاضي ألّا أنّه لا دليل على صرف مال في طريق---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 229.
(--- استيفاء الغير حقّه، فإذا كان المنتفع هو الغير فالأُجرة عليه.
والظاهر قوة القول الأوّل؛ لأنّ القضاء والحكومة من وظائف الإمام ومن نصبه، فهذا الإمام علي عليه السلام يقول في حق القاضي: «وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ. وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَايَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ»[1].
فإذا كانت هذه منزلة القاضي فيجب على الحاكم الأعلى إغناء محكمة القضاء على وجه لا تحتاج في إجراء الحدّ إلى مدّ يدها إلى المتحاكمين.
نعم المنتفع من الحق هو المستوفي ولكن لمّا كان في هذا الانتفاع حياة للمجتمع، فلا بأس من أن تكون الأُجرة على الحاكم الحافظ للأمن العام. نعم لو لم يكن لبيت المال إمكانية أو كان أمر أهم فعلى المستوفي.
فتلخّص أنّ هنا قولين:
الأوّل:قول العلمين بأنّ الأُجرة في عامّة المراحل على بيت المال إلّاإذا لم يكن في بيت المال مال، أو كان هناك أمر أهم، فتكون الأُجرة على المقتصّ المستوفي.
الثاني:أنّ أُجرة إقامة الحدود على بيت المال ويستثنى منها أُجرة المقتصّ (من يقوم بعملية القصاص).
ثمّ إنّه قلنا بمقالة المصنّف من استثناء أُجرة المقتصّ من بيت المال،---)
[1]. نهج البلاغة: قسم الكتب برقم 53.
(--- فقد ذكر المصنّف فيه احتمالين:
1. أُجرة المقتصّ على ولي الدم لو كان الاقتصاص في النفس، وعلى المجنيّ عليه لو كان في الطرف، ومع إعسارهما استدين لهما، ومع عدم الإمكان فمن بيت المال.
2. أن تكون ابتداءً على بيت المال ومع فقده أو كان هناك ما هو أهم فعلى الولي أو المجنيّ عليه، وهذا نفس قول الشيخ والمحقّق.
ولا يخفى أقوائية الاحتمال الثاني على الاحتمال الأوّل، ولهذا فما اختاره الشيخ والمحقّق هو الأشبه بأُصول الإسلام كما لا يخفى؛ لأنّ الغاية من تأسيس بيت المال هو تأمين المبالغ اللازمة للمصالح العامة، ومن ذلك أنّ الأمر العام من أوضح مصاديق هذه المصالح، كما أنّ إجراء الحدود تجسيد لهذه المصالح.
وأمّا القول الثالث:إنّ الأُجرة على الجاني الذي أشار إليه في المتن في آخره، ووجهه أنّها من مؤونة التسليم الواجب على الجاني، فإنّها كأُجرة الكيّال الواجبة على البائع. والظاهر وجود الفرق بين المثال والممثل فإنّ الواجب في البيع تسليم المبيع إلى المشتري ولا يتحقّق التسليم في المال المشاع أو الكلّي في المعيّن إلّا بالكيل وفصله عن غيره، وأمّا المقام فالواجب على الجاني التمكين ومد يده للقطع مثلًا، وأمّا تأجير شخص لأن يقطع يده فليس على ذمّة الجاني.
المسألة 13: لا يضمن المقتصُّ في الطرف سراية القصاص إلّامع التعديّ في اقتصاصه، فلو كان متعمداً اقتصّ منه في الزائد إن أمكن، ومع عدمه يضمن الدية أو الأرش، ولو ادّعى المقتصّ منه تعمّد المقتص وأنكره، فالقول قول المقتصّ بيمينه، بل لو ادعى الخطأ وأنكر المقتصّ منه فالظاهر أن القول قول المقتصّ بيمينه على وجه، ولو ادعى حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه أو بشيء من جهته فالقول قول المقتصّ منه.^
^ في المسألة فروع:
1. حكم سراية القصاص في الطرف إلى غيره إذا لم يكن متعدّياً.
2. إذا تعدّى في الاقتصاص عامداً.
3. ادّعاء المقتصّ منه التعمّد وإنكار المقتصّ.
4. ادّعاء المقتصّ الخطأ وإنكار المقتصّ منه.
5. ادّعاء المقتصّ حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه.
وإليك دراسة الفروع.
الفرع الأوّل: حكم سراية القصاص في الطرف مع عدم التعدّي
إذا اقتص الولي أو غيره بإذن الإمام في الطرف، وحصلت السراية إلى غيره لم يضمن المقتص، سواء كان الولي هو المباشر أو غيره، إذا لم يتعدّ الحق الثابت له، ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:---)
(---الأوّل: ما ورد من الروايات:
1. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «مَن قتله القصاص بأمر الإمام، فلا دية له في قتل ولا جراحة»[1]. ودلالتها على حكم المقام واضحة لقوله: «ولا جراحة».
2. حسنة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص، فلا دية له»[2].
3. ما رواه زيد الشحام قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قتله القصاص، هل له دية؟ قال: «لو كان ذلك لم يقتص من أحد»[3].
والظاهر أنّ مصب الروايات الثلاث هو قصاص النفس بدليل التعليل الوارد في الرواية الثالثة، لكن في الرواية الأُولى كفاية الثاني؛ لأنّ ضمان السراية يحتاج إلى دليل إذا كان القصاص بأمر الشارع.
الفرع الثاني: لو تعدّى في القصاص عامداً
إذا تعدّى في الاقتصاص عمداً فإن أمكن الاقتصاص كما إذا قطع مكان أصبع، أصبعين، اقتصّ منه؛ وإن لم يمكن، كما إذا جنى بقطع الأصابع فقطع من الزند مكان قطعه من أُصول الأصابع، ففيه الدية أو الأرش؛ وذلك لأنّه لا يمكن قطع كفّه مع حفظ الأصابع، لأنّ جنايته محدّدة بالكف، وأمّا الأصابع---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 8.
[2]. الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9.
[3]. الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- فقطعها كان عن استحقاق فقد جنى بمقدار الكف فقط، ولا يمكن في مثله القصاص أي قطع الكف مع حفظ الأصابع، ولذلك تتعيّن الدية.[1]
الفرع الثالث: ادّعاء المقتصّ منه التعمّد وإنكار المقتص
لو ادّعى المقتصّ منه تعمّد المقتصّ وأنكره هو، فالقول قول المقتصّ ويمينه لأنّه منكر. قال المحقّق: ولو خالفه المقتصّ منه في دعوى الخطأ، كان القول قول المقتصّ مع يمينه.[2]أخذاً بقاعدة البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، فتقديم قول المقتصّ في هذه الصورة على وفق القاعدة.
الفرع الرابع: ادّعاء المقتصّ الخطأ وإنكار المقتصّ منه
لو ادّعى المقتصّ الخطأ وأنكر المقتصّ منه، فمقتضى القاعدة السابقة تقديم قول المنكر- أي المقتصّ منه- ومع ذلك أفتى في المتن بتقديم قول المقتصّ؛ لأنّ المقتصّ أعرف بنيّته. وبذلك يعلم عدم صحّة ما ربّما يتوهّم من أن كلّاً من الطرفين مدّعٍ، فهذا يدّعي العمد وذاك يدّعي الخطأ فكيف يقدّم قول المقتص؟ وذلك لما عرفت من أنّ التعمّد والخطأ من الأُمور القلبية، والفاعل أعرف بنيّته من غيره.
لا يخفى أنّ الفرعين مختلفان ظاهراً ومتّحدان معنى، فلاحظ عبارتهما:
1. ادّعى المقتصّ منه التعمّد، وأنكره المقتصّ.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 229.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 229.
(--- 2. ادّعى المقتصّ الخطأ وأنكره المقتصّ منه.
وجه الوحدة أنّ إنكار المقتصّ التعمّد يرجع لبّاً إلى اعترافه به خطأ؛ لأنّ المفروض تسليم وجود تعدّ في البين وإنّما الاختلاف في وصفه ومنشئه، فعندئذٍ يرجع الفرع الأوّل إلى الثاني.
نعم لو كان الميزان في تشخيص المدّعي عن المنكر، هو ظاهر التعبير، صحّ عدّهما اثنين؛ وأمّا لو كان الميزان مآل كلامهم، فهما فرع واحد بمعنى وجود تعمّد يصفه المقتصّ منه بالعمد والآخر بالخطأ.
الفرع الخامس: ادّعاء المقتصّ حصول الزيادة باضطراب المقتص منه
لو ادّعى حصول الزيادة بسبب اضطراب المقتصّ منه أو بشيء من جهته، فقال الفاضل الهندي: قُبل ولم يضمن.[1]
وفي «الجواهر»: وفيه ما لا يخفى[2]، ولذلك قال المصنّف: فالقول قول المقتصّ منه؛ لأنّ الطرفين يتّفقان على صدور الزيادة من المقتصّ ولكن يُريد المقتصّ إلقاء المسؤولية على المقتصّ منه، فهذه دعوى تحتاج إلى دليل.
[1]. كشف اللثام: 11/ 168.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 302.
المسألة 14: كلّ مَن يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف، ومن لا يقتصّ له في النفس لا يقتصّ له في الطرف، فلا يقطع يد والد لقطع يد ولده، ولا يد مسلم لقطع يد كافر.^
^كلّ مَن يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف
في المسألة قاعدتان:
الأُولى:كلّ مَنْ يجري بينهم القصاص في النفس، يجري في الطرف.
الثانية:مَن لا يقتصّ له في النفس، لا يقتصّ له في الطرف.
وحاصلهما:أنّ كلّ مَن يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف، فإذا قتل المسلم مسلماً فكما يجوز القصاص في النفس يجوز القصاص في الطرف كما لو جرح مسلماً، سواء اتّفقوا في الدية أم لا، لكن لو اقتصّ من الكامل دُفع إليه الفاضل، كما في قتل الرجل المرأة فيقتل الرجل مع دفع دية الفاضل؛ لإطلاق قوله:«وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[1]. وعلى هذا يترتب عليه أمران.
1. مَنْ لا يقتصّ له في النفس كالولد إذا قتله الوالد، فلا يقتصّ للولد إذا جنى الوالد عليه في طرف منه.
2. الذمّيّ، إذا قتله المسلم أو جنى عليه، فلا يقتصّ له لا في النفس ولا في الطرف.---)
[1]. المائدة: 45.