المسألة 18: لا يمنع الحجر- لفلس أو سفه- من استيفاء القصاص، فللمحجور عليه الاقتصاص، ولو عفا المحجور عليه لفلس على مال ورضي به القاتل، قسّمه على الغرماء كغيره من الأموال المكتسبة بعد حجر الحاكم جديداً عنه، والحجر السابق لا يكفي في ذلك، وللمحجور عليه العفو مجاناً وبأقلّ من الدية.^
^في أحكام المحجور
في المسألة فروع:
الأوّل:للمحجور لفلس أو سفه استيفاء القصاص، وذلك لأنّ الحجر على قسمين: تارة يكون المحجور مسلوب العبارة، كالصبي والمجنون، فلو عفيا لم يترتّب على عفوهما أثر؛ وأُخرى لا يكون كذلك وإنّما حجره الحاكم للفلس أو الشرع لعدم استقلاله في التصرّف في أمواله كالسفيه.
وعلى كلّ تقدير فهل لهذين الصنفين استيفاء القصاص؟
الظاهر نعم؛ لما مرّ من أنّ موجَب العمد ليس سوى القود فقط، فلهما الاقتصاص، إذ ليس الاستيفاء تصرّفاً مالياً كي يمنعوا عنه بالحجر.
وأمّا لو قلنا بأنّ مُوجَب العمد أحد أمرين: القصاص أو الدية، على وجه التخيير، فربّما يتصوّر عدم جواز اختيار القصاص؛ لأنّ فيه تصرّفاً في الأموال بانتخاب ما يوجب سقوط الدية.
يلاحظ عليه:بأنّ لازم إلزامه باختيار الدية دون القصاص،---)
(--- لزوم التكسّب عليه في أداء ديون الغرماء، ولم يقل به أحد؛ أضف إلى ذلك:
أنّ اختيار القصاص لا يعدّ تصرفاً مالياً حتّى يمنع عنه.
الفرع الثاني:لو عفا المحجور عليه لفلس، على مال ورضي به القاتل يقسّم المال بين الغرماء كغيره من الأموال المكتسبة، فإنّ الحجر السابق لا يشمل ما يتملّكه جديداً كما لو تملّك شيئاً عن طريق الإرث، فلا يلزم بصرفه بين الغرماء إلّاإذا ضرب عليه الحجر مستقلًا.
الفرع الثالث:لو عفا عن الجاني مجاناً، أو بأقلّ من الدية، فلا إشكال، لما مرّ من أنّه ليس مصرفاً مالياً.
المسألة 19: لو قتل شخص وعليه دين، فإن أخذ الورثة ديته صرفت في ديون المقتول ووصاياه كباقي أمواله، ولا فرق في ذلك بين دية القتل خطأ، أو شبه عمد، أو ما صولح عليه في العمد، كان بمقدار ديته أو أقل، أو أكثر، بجنس ديته أو غيره.^
^لو قتل شخص وعليه دين
كان البحث في المسألة السابقة فيما إذا كان ولي الدم محجور التصرّف، ولكن الكلام في هذا المقام فيما لو كان على المقتول دين، فلو أخذ أحد الورثة الدية فهل يجب صرف ما أخذه في ديون المقتول ووصاياه، كبقية أمواله، أو لا؟
الظاهر وجوب الصرف؛ لأنّ الدية في حكم مال الميّت، سواء أوجبت أصالة أم صلحاً.
ويدلّ عليه روايات:
1. ما رواه الكليني عن يحيى الأزرق، عن أبي الحسن عليه السلام في رجل قُتل وعليه دَين ولم يترك مالًا، فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟
قال: «نعم»، قلت: وهو لم يترك شيئاً، قال: «إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».[1]---)
[1]. الوسائل: 13، الباب 24 من أبواب الدين والقرض، الحديث 1؛ ورواه الشيخ في التهذيب: 6/ 192 برقم 416، عن عبد الحميد بن سعيد، عن الإمام الصادق عليه السلام. والظاهر وحدة الروايتين، مع تعدّد الراوي.
المسألة 20: هل يجوز للورثة استيفاء القصاص للمديون من دون ضمان الدية للغرماء؟ فيه قولان، والأحوط عدم الاستيفاء إلّابعد الضمان، بل الأحوط مع هبة الأولياء دمه للقاتل، ضمان الدية للغرماء.^
(--- 2. موثقة إسحاق بن عمّار عن جعفر عليه السلام أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إذا قبلت دية العمد فصارت مالًا، فهي ميراث كسائر الأموال».[1]
3. ما سيوافيك في رواية أبي بصير في المسألة الآتية.
^لو كان على المقتول ديون فهل للورثة استيفاء القصاص؟
إذا كان على المقتول ديون فهل للورثة استيفاء القصاص مع بذل الجاني الدية، من دون ضمان مقدار الدية منها؟
الفرق بين هذه المسألة وما سبق هو أنّ موضوع البحث في المسألة السابقة في وجوب صرف الدية الّتي أخذتها الورثة في دين الميّت، وأمّا المقام فالكلام في وظيفة الورثة في جواز القصاص مع أنّ للمقتول دين أو لا.
وبعبارة أُخرى: كان الكلام في السابق في حكم الدية الّتي أخذتها الورثة، وأمّا المقام فالكلام في وظيقة الورثة هل لهم ترك أخذ الدية والقصاص مع أنّ للمقتول ديناً أو لا؟
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في المسألة قولين:---)
[1]. الوسائل: 17، الباب 14 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
1. عدم الجواز مالم يضمنوا
اختاره الشيخ في «النهاية»، قال: فإن كان ما عليه يحيط بديته، وكان قد قتل عمداً لم يكن لأوليائه القود إلّابعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم، فإن لم يفعلوا ذلك لم يكن لهم القود على حال[1].
ومنهم ابن إدريس بنفس العبارة[2].
2. الجواز بلا ضمان
اختاره المحقّق، قال: وهل للورثة استيفاء القصاص من دون ضمان ما عليه من الديون؟ قيل: نعم تمسّكاً بالآية، وهو أولى. وقيل: لا، وهو مروي.[3]
ومنهم العلّامة في تحريره، قال: وهل للوارث استيفاء القصاص من دون ضمان ما عليه من الديون؟ الوجه ذلك، للآية، وقيل: لا للرواية.[4]
ثم إنّه يقع الكلام في مقتضى القواعد العامّة، ثم مقتضى الروايات الخاصّة في المقام.
أمّا الأوّلفمقتضى إطلاق الآية- أعني: قوله سبحانه:«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[5]- هو جواز الاقتصاص من دون ضمان، وتقييدها بما إذا لم---)
[1]. النهاية: 309، باب قضاء الدين عن الميّت.
[2]. السرائر: 2/ 48.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 231.
[4]. تحرير الأحكام: 5/ 496، المسألة 7133.
[5]. الإسراء: 33.
(--- يكن على المقتول دين، رهن دليل، كما أنّ مقتضى الأصل هو البراءة من وجوب الضمان.
وأمّا الثانيفمقتضى الروايات ومنها:
1. روى بالسند المتصل إلى يونس بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يُقتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال عليه السلام: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهبوا أولياءه دية القاتل فجائز، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتّى يضمنوا الدين للغرماء، وإلّا فلا».[1]
ولا يخفى وجود الغرابة في مضمون الحديث حيث فرّق بين الهبة والقود مع أنّهما يشتركان في تفويت الدين على الغرماء.
ثمّ إنّ الشيخ رواه أيضاً عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير بالنحو التالي:
2. قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قُتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ قال: فقال: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء، وإلّا فلا».[2]
والسند واحد ولكن المضمون مختلف؛ ورواه الصدوق باسناده---)
[1]. الوسائل: 13، الباب 24 من أبواب الدين والقرض، الحديث 2.
[2]. الوسائل: 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- عن محمد بن أسلم عن يونس بن عبد الرحمن مثله.[1]
3. عن يونس، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى عليهما السلام قال:
قلت له: جعلت فداك رجل قتل رجلًا متعمّداً أو خطأً وعليه دين ومال وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل، قال: «إن وهبوا دمه ضمنوا ديته»، قلت: إن هم أرادوا قتله، قال: «إن قتل عمداً قتل قاتله، وأدىّ عنه الإمام الدين من سهم الغارمين».
قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه على الدية فعلى مَنْ الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ قال: «بل يؤدّوا دينه من ديته الّتي صالحوا عليها أولياؤه، فإنّه أحق بديته من غيره».[2]
حصيلة الروايات:
إنّ الأُولى جوّزت الهبة للقاتل ومنعت عن القصاص إلّامع الضمان مع أنّهما يشاركان في تفويت الدين على الغرماء، فالرواية لا تخلو عن غرابة.
وأمّا الثانية فقد منعت عن الهبة إلّابعد الضمان، وسكتت عن حكم الاقتصاص.
وأمّا الثالثة فقد منعت عن الهبة إلّابعد الضمان مع تجويز القود، والدين على عاتق الإمام يؤدّه من سهم الغارمين، فهي على طرف النقيض من الأُولى.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الكلام تارة يقع في الهبة بلا ضمان، وأُخرى---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2. ونسبه في الجواهر إلى أبي بصير وقال:« بل وخبره الآخر المروي عن الفقيه». والظاهر أنّ الضمير يرجع إلى أبي بصير.
(--- في القصاص كذلك.
أمّا الأُولىفالظاهر عدم الجواز لرواية أبي بصير الثانية التي رواها الشيخ والصدوق، فترجّح على الرواية الأُولى له، لاحتمال تطرّق التصحيف إليها، مضافاً إلى رواية أبي حمزة الدالّة على عدم جواز الهبة بلا ضمان.
فإن قلت:منع الولي عن الهبة بلا ضمان ينافي إطلاق قوله سبحانه«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا».[1]
قلت:الظاهر أنّ المراد من السلطان، هو السلطان على القصاص، لا الهبة، سواء أكان مع الضمان أو بدونه، بشهادة قوله:«فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»، وعلى فرض الإطلاق يقيّد بما في الرواية.
أمّا الثانية- أعني:القصاص- فالظاهر عدم وجود التعارض، فإنّ الرواية الأُولى لأبي بصير، صريحة في عدم الجواز، والثانية منه ساكتة عن حكم القصاص. وأمّا قوله في ذيل الثانية: «وإلّا فلا»، فالمقصود أنّه إن لم يضمنوا فلا يهبوا، وليس ناظراً بصورة القصاص ضماناً أو لا معه.
فإن قلت:إنّ مقتضى قوله في الثانية: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل» الذي ذكر تعليلًا لعدم الهبة بلا ضمان يقتضي عدم جواز الاقتصاص أيضاً إلّامعه؛ لأنّ الخصومة لا ترتفع إلّابالضمان في كلا الموردين.
قلت:فرق بين الهبة بلا ضمان والقصاص كذلك، ففي الأوّل نوع تعرّض لعدم الاهتمام بدين الميّت وأصحابه حيث اختاروا العفو، مع أنّه---)
[1]. الإسراء: 33.