(--- على الملقي، إذ أي عاقل إذا وقع في النار لا يحاول الخروج، واحتمال التخاذل بعيد جدّاً.
وبالجملة الاحتمالان ليسا على درجة واحدة، فاحتمال أنّه لم يخرج عجزاً أقوى من احتمال كونه للتخاذل، إلّاإذا علم أنّ الرجل قبل الإلقاء بصدد الانتحار، وإلّا فاحتمال كون الترك مستنداً إلى التخاذل نادر لا يسبق إلى الأذهان، فلو لم نقل بالقصاص، فلا أقلّ من القول بثبوت الدية كما سيوافيك في كلام العلّامة.
الثاني: عدم القصاص
وهو قول العلّامة في «القواعد»، قال: وإن تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلّتها، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص.
وفي الضمان إشكال، أقربه السقوط إن علم منه أنّه ترك الخروج تخاذلًا، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج، لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه المخلّص.[1]
فالقدرة على الخروج لا تلازمه؛ لأنّ الدهشة وتشنّج الأعضاء يصدّه عن إعمال القدرة.
ثم لو قلنا بمبنى صاحب الجواهر فالضمان أظهر حيث قال: إذا قصد فعلًا عدوانياً وإن لم يكن قاصداً للقتل ولا الآلة قاتلة[2]، والمفروض أنّ---)
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 585.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 26.
(--- الفعل عدوانيٌّ، ولكنّك عرفت ضعفه.
ولكنه قدس سره لم يستفد من مبناه في المقام، وإنّما أيّد قول المحقّق بقوله:
ودعوى أنّ مجرّد الإلقاء سبب للضمان، واضحة المنع.[1]
ولكنّك عرفت أنّ السبب ليس مجرّد الالقاء، بل بضميمة حال المُلقى، فإنّه قلّما يتّفق أن لا يخرج تخاذلًا، إلّاإذا قصد الانتحار، فالقول بالقصاص أقوى.
فما في المتن: «ولو لم تظهر الحال واحتمل الأمران، لا يثبت قود ولا دية» بعيد إذا لم يكن المطروح مجنوناً ولا مخبطاً ولا انتحارياً، إذ كيف يحتمل في حقّه أنّه لم يخرج تخاذلًا، فليس هناك إلّااحتمال واحد وهو عدم الخروج لعدم التمكّن.
ولو لم يمكن الخروج إلّاإلى ماء مغرق أو إلقاء من شاهق، فخرج وغرق، أو ألقى نفسه من شاهق فقتل فالأقوى القود، لأنّه يشبه ما لو خنقه بحبل ثم أرسله منقطع النفس، أو غير منقطع بضع دقائق ثم مات.
فإن قلت:إنّه وإن صار مقتولًا لكن القتل لا ينسب إلى الطارح لا مباشرة ولا تسبيباً، أمّا المباشرة فواضحة، وأمّا التسبيب فهو عبارة عن كون الفعل فعلًا ناشئاً عن عمل الطارح، وما نحن فيه ليس كذلك.
قلت:يكفي في القود، أنّه صار مقتولًا بسبب الغرق أو الإلقاء من شاهق، وكلاهما مسببان من إلقائه في النار، ولولا ذلك لم يلق نفسه من شاهق أو في الماء الكثير.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 26.
المسألة 11. لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلًا أو شُكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة، ولو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه ثم تبيّن الخلاف، ولم يقدر الملقي على نجاته، لم يكن عمداً.^
^لو ألقاه في البحر فمات
هذه المسألة تشارك سابقتها في الفروع الثلاثة، ولكن المصنّف أضاف فرعاً رابعاً، ويعلم حكم الثلاثة الأُول ممّا ذكرناه في المسألة السابقة وإليك البيان إجمالًا:
1. لو ألقاه في البحر ولم يتمكّن من الخروج، أو منعه عنه حتى مات، ففيه القود؛ لأنّ الآلة قتّالة وقد قصد القتل أيضاً.
2. لو كان قادراً ولم يخرج تخاذلًا، فلا قود ولا دية.
3. لو كان قادراً على الخروج واشتبه الحال في سبب عدم خروجه، وقد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الطرح في النار أو الماء بضمّ ظاهر الحال من أنّ الحريق أو الغريق يسعى في نجاة نفسه، فلو فشل فإنّما هو بسبب عدم التمكّن لا التخاذل يثبت أنّ القتل عمدي، حتّى إنّ العقلاء لا يرون هذين الاحتمالين على درجة واحدة، بل ربّما لا يلتفتون إلى أنّ عدم الخروج كان بسبب التخاذل. 4. لو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه، ثم تبيّن الخلاف ولم يقدر الملقي أيضاً على نجاته لم يكن عمداً؛ وذلك لأنّه لم يقصد القتل، ولم تكن الآلة باعتقاده قتّالة، فيكون شبه العمد.
المسألة 12. لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدم ومات، فعليه القود؛ ولو فصده وتركه، فإن كان قادراً على الشدّ، فتركه تعمّداً وتخاذلًا حتى مات، فلا قود ولا دية النفس، وعليه دية الفصد، ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً، وإن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود، وعليه دية شبه العمد.^
^لو فصده فنزف الدم ومات
في المسألة فروع:
1. لو فصده ومنعه عن الشد حتى مات.
2. لو فصده وتركه مع علمه بأنّ المجنيّ عليه قادر على الشدّ ولكنّه لم يشدّ تخاذلًا.
3. لم يكن قادراً ويعلم الجاني عدم قدرة المجنيّ عليه على الشدّ.
4. لم يكن قادراً على الشدّ ولكن الجاني لم يعلم بذلك.
وإليك أحكام الفروع.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّه من مصاديق قتل العمد؛ لأنّ الفصد مع المنع عن الشدّ ينتهي إلى القتل، فعليه القود.
وأمّا الثاني: أعني ما لو ترك المجنيُّ عليه الشدّ عمداً حتى مات، فلا قود ولا دية النفس؛ لأنّ الموت مستند إلى الجزء الأخير وهو تخاذله عن---)
(--- الشدّ، غاية الأمر على الجاني دية الفصد.
وأمّا الثالث:ففيه القود؛ لأنّ الجاني يعلم بعجز المجني عليه عن الشدّ، والمفروض أنّ الجاني أيضاً لم يقم بالشدّ، فالسبب ممّا يقتل.
وأمّا الرابع:أعني إذا لم يعلم بعجز المجنيّ على الشدّ أو قدرته، فمات، فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً ففيه القود؛ لأنّ قصد القتل يكفي في ثبوت القود، إلّاأن يقوم دليلٌ على التخاذل. وإن لم يقصد القتل بل فصده برجاء شدّه ولكنّه مات قبل الشدّ، فليس عليه القود؛ لأنّه لم يقصد القتل أوّلًا، ولم يثبت كون الآلة في المورد قتّالة؛ لأنّه فصده برجاء الشدّ ولكن لم يوفّق لذلك، فالعمل أشبه بشبه العمد.
المسألة 13. لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً، فإن كان ذلك ممّا يقتل به غالباً ولو لضعف الملقى عليه- لكبر أو صغر أو مرض- فعليه القود، وإلّا فإن قصد القتل به ولو رجاء فكذلك هو عمد عليه القود، وإن لم يقصد فهو شبه عمد، وفي جميع التقادير دم الجاني هدر، ولو عثر فوقع على غيره فمات فلا شيء عليه لا ديةً ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.^
^لو ألقى نفسه من شاهق على إنسان
في المسألة فروع:
1. إذا ألقى نفسه من شاهق على إنسان عمداً وكان ذلك ممّا يقتل به (وإن لم يقصد الملقي القتل) وذلك لضعف الملقى عليه لكبر أو صغر أو مرض، فعليه القود؛ لأنّ الآلة- في خصوص المورد- قتّالة، ولا يشترط عندئذٍ قصد القتل في وجوب القود.
2. إذا لم يكن الإلقاء قاتلًا ولكنّه قصد القتل من الإلقاء ولو رجاءً، فعليه القود أيضاً؛ لكون الآلة وإن لم تكن قتّالة، لكنّه قد قصد القتل وتحقّق.
3. تلك الصورة ولكنّه لم يقصد القتل فهو شبه العمد؛ لأنّ المفروض أنّ الآلة غير قتّالة ولم يقصد الملقي القتل، فالدية فيها مغلّظة.
4. ولو وقع على الغير بلا اختيار فهو الخطأ المحض، ففيه الدية غير المغلّظة.
^^^
---)
(--- ثمّ إنّ المصنّف ذكر فرعاً خارجاً عن المسألة بقوله: لو عثر فوقع على غيره فمات، فلا شيء عليه لا دية ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.
العبارة تحتمل وجهين:
1. لو قلنا بأنّ الضمير في «مات» يرجع إلى العاثر ويكون المراد: أنّ رجلًا عثر فوقع على غيره فمات العاثر دون من وقع عليه، فعندئذٍ لا شيء للعاثر قوداً ولا دية؛ لأنّ موته مستند إلى نفسه، فليس له طلب القصاص أو الدية، كما لا شيء على من وقع عليه، إذ لم يصدر منه شيء حتّى يسأل عنه. ولو كان هذا هو المراد لم يكن مخالفاً للقاعدة. ولكن اللازم أن يقال: ولا شيء له، لا دية ولا قوداً.
2. لو قلنا بأنّ الضمير يرجع إلى الغير يكون معنى العبارة: لو عثر فوقع على الغير ومات من وقع عليه فلا شيء على العاثر دية وقصاصاً لما يأتي من الروايات، وعندئذٍ يكون قوله: «ولا شيء على الّذي وقع عليه» كلاماً زائد؛ لأنّ المفروض أنّه مقتول ولا معنى لاحتمال القود، لكن الفرع ينطبق على ما جاء في الروايات التالية:
1. روى عبيد بن زرارة، قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: «ليس عليه شيء». 2. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال: «لا شيء عليه».---)
(--- 3. ما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: «ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء».[1]
لكنّ الإفتاء بمفادها مشكل لمخالفتها مقتضى القواعد، ولابد من القول بأنّ النفي نسبي والمنفي هو القود لا الدية، ضرورة عدم كونه أقل تأثيراً من النائم والساهي. ولذا صار الإلقاء على الشخص حالة النوم والسهو سبباً لقتله.
وتصوّر أنّه لم يصدر من العاثر شيء، خلف الفرض، وإلّا يكون موت الغير مقارناً مع عثرته، وهو غني عن البيان. ولا محيص عن حمل قوله: «ليس على الأعلى شيء» على القصاص دون الدية، نعم ليس على الأسفل شيء مطلقاً، لا القصاص ولا الدية، فلاحظ.
إذا دفعه الغير على آخر
وهذه المسألة لم يتعرّض لها المصنّف، ولها صور، ويقع الكلام فيها في مقامين:
الأوّل: مقتضى القاعدة في الصور المتصوّرة
1. لو قصد الدافع قتل الّذي وقع عليه المدفوع، أو كان الفعل قاتلًا فهلك، أُقيد به.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الأحاديث 1، 2، 3.