(--- يكن على المقتول دين، رهن دليل، كما أنّ مقتضى الأصل هو البراءة من وجوب الضمان.
وأمّا الثانيفمقتضى الروايات ومنها:
1. روى بالسند المتصل إلى يونس بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يُقتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال عليه السلام: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهبوا أولياءه دية القاتل فجائز، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتّى يضمنوا الدين للغرماء، وإلّا فلا».[1]
ولا يخفى وجود الغرابة في مضمون الحديث حيث فرّق بين الهبة والقود مع أنّهما يشتركان في تفويت الدين على الغرماء.
ثمّ إنّ الشيخ رواه أيضاً عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير بالنحو التالي:
2. قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قُتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ قال: فقال: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء، وإلّا فلا».[2]
والسند واحد ولكن المضمون مختلف؛ ورواه الصدوق باسناده---)
[1]. الوسائل: 13، الباب 24 من أبواب الدين والقرض، الحديث 2.
[2]. الوسائل: 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- عن محمد بن أسلم عن يونس بن عبد الرحمن مثله.[1]
3. عن يونس، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى عليهما السلام قال:
قلت له: جعلت فداك رجل قتل رجلًا متعمّداً أو خطأً وعليه دين ومال وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل، قال: «إن وهبوا دمه ضمنوا ديته»، قلت: إن هم أرادوا قتله، قال: «إن قتل عمداً قتل قاتله، وأدىّ عنه الإمام الدين من سهم الغارمين».
قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه على الدية فعلى مَنْ الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ قال: «بل يؤدّوا دينه من ديته الّتي صالحوا عليها أولياؤه، فإنّه أحق بديته من غيره».[2]
حصيلة الروايات:
إنّ الأُولى جوّزت الهبة للقاتل ومنعت عن القصاص إلّامع الضمان مع أنّهما يشاركان في تفويت الدين على الغرماء، فالرواية لا تخلو عن غرابة.
وأمّا الثانية فقد منعت عن الهبة إلّابعد الضمان، وسكتت عن حكم الاقتصاص.
وأمّا الثالثة فقد منعت عن الهبة إلّابعد الضمان مع تجويز القود، والدين على عاتق الإمام يؤدّه من سهم الغارمين، فهي على طرف النقيض من الأُولى.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الكلام تارة يقع في الهبة بلا ضمان، وأُخرى---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2. ونسبه في الجواهر إلى أبي بصير وقال:« بل وخبره الآخر المروي عن الفقيه». والظاهر أنّ الضمير يرجع إلى أبي بصير.
(--- في القصاص كذلك.
أمّا الأُولىفالظاهر عدم الجواز لرواية أبي بصير الثانية التي رواها الشيخ والصدوق، فترجّح على الرواية الأُولى له، لاحتمال تطرّق التصحيف إليها، مضافاً إلى رواية أبي حمزة الدالّة على عدم جواز الهبة بلا ضمان.
فإن قلت:منع الولي عن الهبة بلا ضمان ينافي إطلاق قوله سبحانه«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا».[1]
قلت:الظاهر أنّ المراد من السلطان، هو السلطان على القصاص، لا الهبة، سواء أكان مع الضمان أو بدونه، بشهادة قوله:«فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»، وعلى فرض الإطلاق يقيّد بما في الرواية.
أمّا الثانية- أعني:القصاص- فالظاهر عدم وجود التعارض، فإنّ الرواية الأُولى لأبي بصير، صريحة في عدم الجواز، والثانية منه ساكتة عن حكم القصاص. وأمّا قوله في ذيل الثانية: «وإلّا فلا»، فالمقصود أنّه إن لم يضمنوا فلا يهبوا، وليس ناظراً بصورة القصاص ضماناً أو لا معه.
فإن قلت:إنّ مقتضى قوله في الثانية: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل» الذي ذكر تعليلًا لعدم الهبة بلا ضمان يقتضي عدم جواز الاقتصاص أيضاً إلّامعه؛ لأنّ الخصومة لا ترتفع إلّابالضمان في كلا الموردين.
قلت:فرق بين الهبة بلا ضمان والقصاص كذلك، ففي الأوّل نوع تعرّض لعدم الاهتمام بدين الميّت وأصحابه حيث اختاروا العفو، مع أنّه---)
[1]. الإسراء: 33.
(--- في إمكانهم أخذ الدية، أو العفو معها؛ بخلاف القصاص إذ لا ينتزع ذلك منه، لاحتمال أنّ اختياره لأجل التشفّي، وإسكات غيظ الأولياء، وعلى هذا فالتفريق بين الأمرين هو الأقوى خلافاً للمتن. واللَّه العالم.
وعلى هذا فالأقوى وفاقاً للمحقّق جواز الاقتصاص بلا ضمان؛ لإطلاق الآية خلافاً للمتن من عدم الاستيفاء إلّابعد الضمان.
فإن قلت:دلّت الرواية الصحيحة وعليها الفتوى على أنّ دين الميّت يقضى من ديته؛ روى يحيى الأزرق[1]عن أبي الحسن عليه السلام في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالًا، فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟
قال: «نعم».
قلت: وهو لم يترك شيئاً؟ قال: «إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».[2]
فالرواية تدلّ على أنّ الشارع اهتمّ بحفظ دين المقتول، ولازمه أن لا يقاد ولا يوهب إلّابالضمان.قلت:وجود الفرق بين مورد النص ومورد الهبة والقود، لأنّ المفروض فيها أنّ الورثة أخذوا الدية- كما مرّ الكلام في المسألة السابقة دون المقام- ووجود ما يُقضى به دين الميّت في الأوّل، دون الموردين الآخرين.
[1]. من مشايخ صفوان بن يحيى، ويحتمل اتّحاده مع يحيى بن حسّان الأزرق الّذي ذكره الصدوق فيالمشيخة، وقد وقع في طريقه إليه ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عنه، فهو ثقة بلا كلام.
[2]. الوسائل: 13، الباب 24 من أبواب الدين والقرض، الحديث 1.
المسألة 21: لو قتل واحد رجلين أو أكثر عمداً على التعاقب أو معاً قتل بهم، ولا سبيل لهم على ماله، فلو عفا أولياء بعض لا على مال، كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء، وإن تراضى الأولياء مع الجاني بالدية فلكلّ منهم دية كاملة.
فهل لكلّ واحد منهم الاستبداد بقتله من غير رضا الباقين أو لا، أو يجوز مع كون قتل الجميع معاً، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حقّ السابق فالسابق، فلو قتل عشرة متعاقباً يقدّم حقّ وليّ الأوّل، فجاز له الاستبداد بقتله بلا إذن منهم، فلو عفا فالحق للمتأخّر منه وهكذا؟ وجوه، لعلّ أوجهها عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع، لكن لو قتله ليس عليه إلّاالإثم، وللحاكم تعزيره ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله.
ولو اختلفوا في الاستيفاء ولم يمكن الاجتماع فيه فالمرجع القرعة، فإن استوفى أحدهم بالقرعة أو بلا قرعة سقط حقّ الباقين.^
^لو قتل رجلٌ رجلين أو أكثر عمداً
الكلام فيما لو قتل واحد أكثر من رجلين عمداً معاً أو متعاقباً، فقبل أن ندرس ما في المتن من الفروع، نذكر أقوال الفقهاء في المسألة.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قتل واحد- مثلًا- عشرة أنفس، ثبت لكلّ واحد من أولياء المقتولين القود عليه، لا يتعلّق حقّه بحق غيره.
فإن قُتل بالأوّل سقط حق الباقين، وإن بادر أحدهم فقتله سقط حق---)
(--- كل واحد من الباقين، وبه قال الشافعي إلّاأنّه قال: يسقط حق الباقين إلى بدل وهو كمال الدية في ماله.[1]
وقال أبو حنيفة: يتداخل حقوقهم من القصاص، فليس لواحد منهم أن ينفرد بقتله بل يقتل بجماعتهم، فإن قتلوه فقد استوفوا حقوقهم، وإن بادر واحد فقتله فقد استوفى حقّه وسقط حق الباقين لا إلى بدل.
وقال عثمان البتّي: يقتل بجماعتهم فإذا قتل سقط من الديات واحدة وكان ما بقي من الديات في تركته يأخذها أولياء القتل بالحصص.[2]وظاهر كلامه وجوب الديات حتى فيما إذا قُتل بإذن الجميع.
الفرق بين قول الشافعي وأبي حنيفة هو أنّ الشافعي يعتقد بأنّ كلّ واحد يملك قصاصاً تامّاً مستقلّاً، ولذلك قال: يسقط حقّ الباقين إلى بدل.
أمّا أبو حنيفة فيقول بأنّ المجموع يملك قصاصاً واحداً، ولذلك قال:
سقط حقّ الباقين لا إلى بدل، وأمّا عثمان البتّي فقد ذكر بأنّه إذا قتل سقط من الديات واحدة وتدفع الدية للآخرين، فلو قتل عشرة يؤخذ تسع ديات من ماله وتسقط دية واحد منهم، والفرق بينه وبين الشافعي أنّ تعدّد الدية يختصّ بصورة القتل بلا إذن الآخرين عند الشافعي، ويعمّ كلتا الصورتين عند البتّي.
ثم إنّ الحقّ مع الشافعي؛ لأنّ القول بالتداخل الّذي قال به أبو---)
[1]. الضمير يرجع إلى الجاني، لا المستوفي، وهل المراد دية واحدة أو ديات؟ لكن موضع كلامه فيما إذا قتل بلا إذن الجميع وإلّا فلا دية، خلافاً لما نقل من عثمان البتّي كما سيوافيك.
[2]. الخلاف: 5/ 182، المسألة 47.
(--- حنيفة خلاف الآية، قال الشيخ في «الخلاف»: قوله تعالى:«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»يدلّ على عدم التداخل، نعم إثبات البدل الذي قال به الشافعي يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل براءة الذمّة، وإثبات الدية يحتاج إلى دليل، على أنّا قد بيّنا أنّ الدية لا تثبت إلّابالتراضي وذلك مفقود.
أضف إلى ذلك قوله تعالى:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»ولم يقل: «نفس بأنفس» وقال:«الْحُرُّ بِالْحُرِّ»ولم يقل: بالأحرار.[1]
وأشار الشيخ في ذيل كلامه إلى عدم تداخل حصص القصاص.
إذا علمت ذلك فلندرسالفروع الواردةفي المتن:
الأوّل: لو قتل واحد رجلين أو أكثر عمداً
سواء قتل متعاقباً أو معاً،وقتل بإذن الجميعيكون قتله قصاصاً، استيفاء لحقوقهم ولا سبيل لأولياء المقتولين على ماله؛ وذلك لأنّ الجاني لا يجني على أكثر من نفسه، فلو قتل فقد دفع ما في يده، وما في المتن: ولا سبيل لهم على بدل، ردّ لكلام عثمان البتّي حيث قال بأنّه إذا قتل بإذن الجميع سقطت دية واحدة وبقيت الديات على ذمّته.
روى ابن مسكان، عمّن ذكره، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا قتل الرجل الرجلين أو أكثر قُتِلَ بهم».[2]---)
[1]. الخلاف: 5/ 183، بتصرّف يسير.
[2]. الوسائل: 19، الباب 15 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1، ولاحظ الباب 45 من هذه الأبواب.
(---
الثاني: لو عفا أولياء بعض القتلى لا على مال
لو عفا أولياء بعض القتلى مجانّاً كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء لما عرفت من أن كلّ واحد يملك قصاص القاتل على وجه الاستقلال، فعفو بعض الأولياء يسقط حق العافي لا حق الآخرين. ويدلّ عليه صحيح عبدالرحمن عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل رجلين عمداً ولهما أولياء فعفا أولياء أحدهما وأبى الآخرون، قال: فقال: «يقتل الّذي لم يعف، وإن أحبّوا أن يأخذوا الدية أخذوا».[1]
الفرع الثالث: لو تراضى الأولياء مع الجاني بالدية
فلكلّ واحد منهم دية كاملة، لأنّ كلّ واحد يملك قصاصاً مستقلًا، وبالتالي يملك كلٌّ دية كاملة في ذمّته، لأنّه قتل نفوساً متعدّدة، فلو صولح بالدية فوليُّ كلّ مقتول يملك دية كاملة، في مقابل حق القصاص تماماً، وهذا بخلاف ما إذا تعدّد الأولياء وكانت الجناية واحدة فالجميع يملكون دية واحدة تقسّم بينهم.
وبعبارة واضحة: فرق بين تعدّد الجناية ووحدتها، فالأوّل يلازم تعدّد الدية، بخلاف الثاني ففيه دية واحدة.
الفرع الرابع: إذا حاول كلّ من الأولياء الاستبداد بقتله
ففيه وجوه:---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.