(--- الدم، وفي الثانية أصبح محقون الدم، فالقتل في الأُولى لا يترتّب عليه قصاص ولا دية بخلاف القتل في الصورة الثانية.
وهنا فرع لم يذكره المصنّف وإنّما تعرّض له العلّامة في «القواعد» وقال:
لو اقتصّ الوكيل بعد موت الموكّل جاهلًا بموته، فإن كان بإذن الحاكم فالدية في بيت المال.[1]
وفي الجواهر: لعلّه من خطأ الحكّام، ولكنّه لا يخلو من بحث، وفي «كشف اللثام»: وإلّا (إن لم يكن بإذن الحاكم) فعليه الدية ويرجع بها على تركة الموكّل؛ أو لا يرجع، ولورثة الموكّل الدية من تركة الجاني إن لم يسقط الاستحقاق بفوت المحل.[2]
أقول:كان البحث السابق في عزل الوكيل وقد قلنا بأنّ أفعاله نافذة ما لم يصل إليه عزله، والكلام في المقام في موت الموكّل وقد اتّفق العلماء على بطلان الوكالة بعروض الموت، من غير فرق بين موت الوكيل لأنّ الوكالة لا تنتقل إلى الوارث، وموت الموكّل لأنّه بموته ينتقل جميع ماله وحقوقه لوارثه، فينتفي موضوع الوكالة.[3]
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في قصاص الوكيل مع موت الموكّل، فيحتمل وجوب الدية على الوكيل لأنّه قتل إنساناً مصون الدم عن جهل وخطأ---)
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 625.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 321.
[3]. جواهر الكلام: 27/ 363.
(--- فتجب عليه الدية، غير أنّ موردها هو ورثة الموكل لا الجاني؛ وذلك لأنّه بموت الموكّل ينتقل حق القصاص إلى الورثة وقد تصرّف فيها الوكيل من دونهم، فإذا لم يكن هناك موضع للقصاص فلهم الدية من الوكيل دون الجاني، إذ لا يلزم الجاني إلّابذل نفسه وقد بذل، ولا يملك الإنسان أكثر من نفسه.
وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في كلام القواعد وشارحه، فلاحظ.
المسألة 23: لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع حملها، ولو تجدّد الحمل بعد الجناية، بل ولو كان الحمل من زنا، ولو ادّعت الحمل وشهدت لها أربع قوابل ثبت حملها، وإن تجرّدت دعواها فالأحوط التأخير إلى اتّضاح الحال، ولو وضعت حملها فلا يجوز قتلها إذا توقّف حياة الصبي عليها، بل لو خيف موت الولد لا يجوز ويجب التأخير، ولو وجد ما يعيش به الولد فالظاهر أنّ له القصاص. ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملًا فالدية على الولي القاتل.^
^الاقتصاص من الحامل
في المسألة فروع:
الأوّل:لا يقتصّ من الحامل لا في النفس ولا في الطرف ولا في حدّ من حدود اللَّه قبل الوضع، لما في إقامتها هلاك الجنين، والجنين بريء لا يهلك بجريمة غيره، فيكون من مقولة الإسراف في القتل المنهيّ عنه في قوله سبحانه:«فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»[1].
مضافاً إلى ما رواه عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن أبيه قال: أتت امرأة مُجحّ (الحامل المقرب) أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطّهرني طّهرك اللَّه فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الّذي لا ينقطع. فقال لها: «ممّا أطهّرك؟» فقالت: إنّي زنيت. فقال لها: «وذات بعل أنت---)
[1]. الإسراء: 33.
(--- إذ فعلتِ ما فعلتِ أم غير ذلك؟» قالتْ: بل ذات بعل، فقال لها: «أفحاضراً كان بعلك إذ فعلتِ ما فعلتِ أم غائباً كان عنك؟» قالت: بل حاضراً. فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك ثم ائتيني أُطّهرك ...[1]واختصاص مورده بما إذا لم يتمّ الإقرار أربع مرّات، لا يضرّ بعموم الحكم فإنّ الظاهر أنّ وجه التأخير هو وجود الحمل، من غير فرق بين ثبوت الحكم وعدمه.
الفرع الثاني:لو تجدّد الحمل بعد الجناية، بل ولو كان الحمل من زنا فلا يجوز القصاص، بنفس الدليل الماضي مضافاً إلى حديث صالح بن ميثم عن أبيه حيث إنّ الظاهر أنّ الولد كان من نتاج الزنا.
الفرع الثالث:إذا حكم عليها بالقصاص ولكن ادّعت الحمل وشهدت لها أربع قوابل، تثبت حملها، لحجّيّة أقوالهنّ.
الفرع الرابع:لو حكم عليها بالقصاص وادّعت الحمل ولكن تجرّدت دعواها عن شهادة أربع قوابل فهل يُسمع قولها أو لا؟
قال المحقّق: فإن تجرّدت دعواها، قيل: لا يؤخذ بقولها لأنّ فيه دفعاً للولي عن السلطان، ولو قيل: يؤخذ، كان أحوط.[2]
وذلك لأنّ للحمل أمارات ربّما تظهر وربّما تخفى، لكن تجدها الحامل من نفسها فيقبل قولها، وليس هذا القول ببعيد لقبول قولها في الحيض أو الخروج عن العدّة أو كونها في العدّة؛ لأنّها ممّا لا يعلم إلّامن قبلها، أضف---)
[1]. الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 231.
(--- إلى ذلك: أنّه سبحانه نهاهنّ عن كتمان حملهنّ وقال:«وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ»[1]، فاذا حرم عليهن الكتمان وجب عليهنّ البيان ولزم على الآخرين القبول، وإلّا لكان الأمر بالبيان لغواً، وفي «الوسائل» نقلًا عن «مجمع البيان» في تفسير الآية: قد فوض اللَّه إلى النساء ثلاثة أشياء:
الحيض، والطهر، والحمل.[2]
ويمكن أن يقال: إنّ الاختبارات الطبيّة اليوم تكشف عن واقع الحال حتّى في بداية الحمل، فلو أفادت اليقين بالحمل فهو، وإلّا فلا يسمع قولها، واحتمال الخطأ في الاختبار قليل خصوصاً إذا كرّر في غير واحد من المختبرات.
الفرع الخامس:لو وضعت حملها فلا يجوز قتلها إذا توقّفت حياة الصبي على لبن الأُم.
وفي «المسالك»: إذا وضعت فلا يستوفي العقوبة أيضاً حتّى ترضع اللباء (أوّل الألبان عند الولادة) لأنّ المولود لا يعيش إلّابه، لكنّه أمر معروف دلّت التجربة على خلافه فلابدّ من تركيز الكلام على عدم وجود من ترضعه، فيجب تأخير العقوبة احتياطاً لحفظ حياة المولود، لأنّه إذا وجب الانتظار احتياطاً للحمل فبعد الوضع أولى، بل الأفضل أو الأحوط الصبر إلى الفطام أخذاً بسيرة الإمام علي عليه السلام.[3]---)
[1]. البقرة: 228.
[2]. الوسائل: 15، الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 1، مرسلًا.
[3]. الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حد الزنا، الحديث 1. واختصاص الحديث بما إذا لم يتم الإقرار لا يضرّ بالمقصود؛ لأنّ المفهوم من الرواية اهتمام الشرع بحفظ الولد.
(--- ولو بادر أحد إلى القصاص والحال هذه (حاجة الولد إلى الأُم) فمات الولد ففي «المسالك» احتمال الاقتصاص من المقتصّ، وذلك لصدق قتله التسبيبي بمعنى أنّ قتل الأُمّ صار سبباً لموت الولد، نظير ما لو حبس رجلًا في بيت ومنعه الطعام أو الشراب حتّى مات جوعاً أو عطشاً.[1]
يلاحظ عليه:وجود الفرق بين المثال والمورد؛ وذلك لأنّ الحابس في مورد المثال إمّا أن يقصد قتله فهو، وإلّا فالفعل ممّا يقتل وهو حبس الإنسان ومنعه من الطعام والشراب، فهذا يموت الإنسان بعده؛ بخلاف المقام فإنّ قتل الأُم ليس ممّا يقتل الرضيع، إذ يمكن أن تقوم مقامها مرضعة أُخرى، أو يرتضع من الحليب المجفّف، فلو أردنا التمثيل فالمقام من قبيل ما لو غصب طعام رجل وكسوته فمات جوعاً أو برداً، لكن يمكن حصول الغذاء أو الكسوة له إلّا أنّه اتّفق العدم.[2]نعم لو قصد بقتل الأُم، موت الولد جوعاً، فلا يبعد القصاص لكنّه خلاف الفرض.
الفرع السادس:لو وجد ما يعيش به الولد، فالظاهر أنّ له القصاص جمعاً بين الحقّين حيث إنّ للولي سلطاناً على الأُمّ وللولد حقّ عليها، لكن سلطان الولي ليس له بدل، وأمّا حق الولد على الأُمّ فله البدل حيث وجد ما يعيش به، ومع ذلك الأفضل الصبر أخذاً بسيرة الإمام كما مرّ.
الفرع السابع:ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملًا، فدية الجنين---)
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 252- 253 بتصرّف.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 323. بتصرّف.
(--- على الولي القاتل. قال المحقّق: ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملًا فالدية على القاتل، ولو كان المباشر جاهلًا به وعلم الحاكم، ضمن الحاكم.[1]
وعلى ما ذكره فللمسألة صور:
1. أن يكون الحاكم والمباشر والولي عالمين، فدية الجنين على المباشر، لاستناد القتل إليه، وهو أقوى من السبب الآمر والولي الطالب.
2. لو كان الجميع جاهلين: الحاكم والمباشر والولي، فهل الدية على القاضي لأنّه من مصاديق ما أخطأت القضاة، أو على المباشر لاستناد الفعل إليه، فتكون الدية على العاقلة؟ الظاهر هو الأوّل.
3. ما ذكره المحقّق: إذا كان المباشر جاهلًا به والقاضي عالماً، فالدية على القاضي؛ لأنّه قد غرّه بأنّه مهدور الدم وأمره به.
4. إذا كان المباشر عالماً والقاضي جاهلًا، فالدية على المباشر لأقوائية المباشر من السبب وعدم الإغرار. وقس على ذلك سائر الصور.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 231.
المسألة 24: لو قطع يد رجل وقتل رجلًا آخر، تُقطع يده أوّلًا ثم يُقتل، من غير فرق بين كون القطع أوّلًا أو القتل، ولو قتله ولي المقتول قبل القطع أثم، وللوالي تعزيره، ولا ضمان عليه؛ ولو سرى القطع في المجنيّ عليه قبل القصاص يستحقّ وليّه ووليّ المقتول القصاص، ولو سرى بعد القصاص فالظاهر عدم وجوب شيء في تركة الجاني، ولو قطع فاقتصّ منه ثم سرت جراحة المجنيّ عليه، فلوليه القصاص في النفس.^
^لو قطع يد رجل وقتل آخر
في المسألة فروع:
1. لو قطع يد رجل وفي الوقت نفسه قتل رجلًا آخر.
2. لو قتله وليُّ المقتول قبل أن يقتصّ المقطوع.
3. لو سرى القطع في المجنيّ عليه ومات قبل القصاص.
4. لو سرى القطع في المجنيّ عليه ومات بعد القصاص من الجاني لأجل قتل النفس.
5. لو قطع فاقتصّ منه لكن سرت جراحة المجنيّ عليه فمات.
الموضوع في الفروع الأربعة الأُولى هو من قطع يد رجل، وفي الوقت نفسه قتل رجلًا آخر، فاجتمعت فيه جنايتان.
لكن الموضوع في الفرع الخامس هو من قطع يد رجل فقط دون أن يقتل نفساً فاقتصّ منه، لكن سرت جراحة المجنيّ عليه إلى النفس.---)