(--- الأقرب فالأقرب».[1]
الظاهر من الرواية أنّ الموضوع هو الهرب والفرار وإنّما ذكر الموت لإفادة استمرار عدم التمكّن منه. فلا تشمل الرواية ما إذا مات الجاني بلا فرار، وبذلك تظهر قوة ما في المتن من سقوط القصاص والدية معاً في هذه الصورة (هلاك الجاني)، وتتمحّض الروايتان بصورة هرب الجاني وفراره دون ما لو مات بلا فرار، ولعلّ وجه التفريق بين الموردين هو أنّ الحكم بلزوم الصبر عند الهرب إلى أن يتمكّن منه، ربما يلازم الصبر إلى سنين، وهو أمر حرجيّ جدّاً ولذلك يحكم عليه بعدم الانتظار والانتقال إلى الدية، بخلاف الموت فإنّ اليأس إحدى الراحتين.
وعلى كلّ تقدير فالحكم بأخذ الدية من مال الجاني الهارب مختصّ بصورة الهرب، ولا يعمّ صورة عدم التمكّن من استيفاء القصاص لحماية عشيرة له، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ المحقّق في «الشرائع» قال: وفي رواية أبي بصير: «إذا هرب فلم يقدر عليه حتى مات أخذت من ماله».[2]
وقد عرفت خلو روايته عن الموت وإنّما جاء في رواية ابن أبي نصر عن أبي جعفر، والظاهر أنّ المراد هو أبو جعفر الثاني جواد الأئمة عليه السلام.
ثمّ إنّ ابن إدريس نقل عبارة الشيخ عن «النهاية» الدالّة على ثبوت---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 4 من أبواب العاقلة، الحديث 3.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 234.
(--- الدية في صورة الهلاك وعلّق عليها بقوله: وهذا غير واضح، لأنّه خلاف الإجماع وظاهر الكتاب، والمتواتر من الأخبار، وأُصول مذهبنا، وهو أنّ موجب القتل العمد، القود، دون الدية، على ما كررّنا القول فيه بلا خلاف بيننا، فإذا فات محلّه وهو الرقبة، فقد سقط لا إلى بدل، وانتقاله إلى المال الذي للميّت أو إلى مال أوليائه، حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي، ولن يجده أبداً، وهذه أخبار آحاد شواذ أوردها شيخنا في نهايته إيراداً لا اعتقاداً؛ لأنّه رجع عن هذا القول في مسائل خلافه وأفتى بخلافه وهو الحق اليقين.[1]
وكان على ابن إدريس أن يناقش دلالة الروايتين على ثبوت الدية في صورة الموت على ما عرفت وأنّ الموضوع في الروايات هو الفرار، لا الموت دون أن يردّهما بعدم حجية أخبار الآحاد.
ثمّ إنّ العلّامة الحلّي ذكر كلام ابن إدريس هذا وردّ عليه بشدّة وحماس، فمن أراد فليرجع إلى مختلفه.[2]
والذي يمكن أن يقال: إنّ كلام ابن إدريس صحيح على مسلكه فإنّه لا يعمل بخبر الواحد، وخبر أبي بصير أو البزنطي لا يخرجان عن كونهما من أخبار الآحاد، لكن من يعمل به كما هو المشهور المنصور، فثبوت الدية وإن كان مخالفاً للقواعد، لكنّه صحيح تعبّداً.
نعم ما نسبه إلى الشيخ من أنّه خالف «النهايةَ» في كتاب «الخلاف»،---)
[1]. السرائر: 3/ 330.
[2]. مختلف الشيعة: 9/ 287- 288.
(--- غير صحيح؛ وذلك لأنّه ذكر قول أبي حنيفة الدال على سقوط القصاص لا إلى بدل ووصفه بقوله: لكان قوياً، ولكنّه ما أفتى به، وإنّما أفتى بما ذكره في صدر كلامه.
وفي الختام أن المصنّف مال إلى ثبوت الدية في القدر المتيقّن من الرواية، وهو ما إذا هرب ومات، فلو مات بلا هرب فلا تثبت الدية.
يلاحظ عليه:أنّه لو قلنا بثبوت الدية في خصوص الفرار- كما يدلّ عليه ما رواه أبو بصير- لكان ضم الموت به ممّا لا يلزم لكفاية الفرار، فأمر الموت دائر بين الأخذ به مطلقاً، أو عدمه كذلك. واللَّه العالم.
المسألة 26. لو ضرب الولي القاتل وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرأ، فالأشبه أن يعتبر الضرب، فإن كان ضربه ممّا يسوغ له القتل والقصاص به لم يقتصّ من الولي، بل جاز له قتله قصاصاً، وإن كان ضربه ممّا لا يسوغ القصاص به كأن ضربه بالحجر ونحوه كان للجاني الاقتصاص، ثم للولي أن يقتله قصاصاً أو يتتاركان.^
^لو ضرب الوليُّ القاتلَ وتركه ظانّاً موته
إذا ضرب الوليُّ القاتلَ ضربة أو ضربات وتركه بظن أنّه قد مات، ثم بان الخلاف وأنّه كان به رمق فحُمل وعولج.
يقع الكلام في موردين:
1. هل يجوز للولي أن يقتصّ منه مجدّداً، أو لا؟
2. هل للجاني أن يقتصّ من الولي بما صنع به أوّلًا، أو لا؟
لا كلام في الأوّل؛ لأنّ للولي حق القصاص وهو بعدُ لم يتحقّق، فإطلاق قوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»حاكم في المقام، فلا يترك حتّى يقتصّ منه.
إنّما الكلام في المورد الثاني وهو أنّه هل للجاني أن يقتصّ من الولي بما صنع به أوّلًا ثم يستعدّ للقصاص، أو لا؟ وهذا هو الّذي صار سبباً لعنوان المسألة.
ثم إنّ الكلام فيما إذا ضربه بما يسوغ القصاص به كالسيف فضربه وظنّ أنّه يكفيه في القصاص، ولكن بان الخلاف وبقي حياً، فإنّ مقتضى القاعدة---)
(--- هو تعلّق حقّ الجاني بالولي بما صنع به أوّلًا، فإنّه وإن كان مشروعاً ظاهراً ولكنّه كان حراماً واقعاً، لأنّه إنّما يوصف بالمشروعية إذا أدّى إلى الموت لا ما إذا أدّى إلى الجرح ثم تُرك، فالولي وإن كان جاهلًا به لكن جهله يكون عذراً في كونه مشروعاً ظاهراً ولكنّ الحرمة الواقعية محفوظة، وبما أنّ عمله كان عن جهل فيوصف ما صنع به جناية عن خطأ، فعلى الولي أن يدفع دية ما صنع به أوّلًا، وليس للجاني أن يقتصّ منه بما صُنع به؛ لأنّ الاقتصاص فرع العمد وهو رهن العلم، والمفروض أنّه كان جاهلًا. وكان على المصنِّف أن يذكر لزوم الدية على وليّ الدم.
نعم لو اقتصّ بما لا يسوغ الاقتصاص به كالضرب بالحجر، كان للجاني الاقتصاص به، ثم للولي أن يقتله قصاصاً.
هذا هو مقتضى القاعدة، وأمّا الروايات فالظاهر منها اقتصاص الجاني من الولي، ثم قتله به على خلاف ما ذكرنا من أخذ الدية، وإليك ما روي في المقام:
1. روى أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أحدهما عليهما السلام قال: «أُتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل، فدفعه إليه وأمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقاً، فعالجوه فبرئ، فلمّا خرج أخذه أخو المقتول الأوّل فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك!
فقال له: قد قتلتني مرّة.---)
(--- فانطلق به إلى عمر، فأمر بقتله، فخرج وهو يقول: واللَّه قتلتني مرّة.
فمرّوا على أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره خبره، فقال: «لا تعجل حتى أخرج إليك»، فدخل على عمر فقال: «ليس الحكم فيه هكذا».
فقال: ما هو يا أبا الحسن؟
فقال: «يقتصّ هذا من أخي المقتول الأوّل ما صنع به ثم يقتله بأخيه، فنظر الرجل أنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا».[1]
والاحتجاج بالرواية فرع صحّة سندها وتمامية دلالتها.
أمّا السند ففيه إشكالان:
أ. وجود أبان بن عثمان في السند، وهو ضعيف عند بعض؛ وذلك لأنّ الكشّي وصفه بأنّه كان من الناووسية الّتي هي فرقة ضالّة.
أقول:إن الاشكال ليس بصحيح؛ وذلك لأن الكشّي الّذي وصفه بأنّه كان من الناووسية، قد عدّه من أصحاب الإجماع الذين لهم شأن خاصّ بين فقهاء الإمامية، فكيف يمكن لمن يُعدّ من الناووسية أن يكون من الطبقة العليا من تلاميذ أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولذلك احتمل غير واحد من المحقّقين أنّ في تعبير الكشّي تصحيفاً والصحيح (كان من القادسية) الّتي هي قريبة من الكوفة.
ويشهد على ذلك أنّ القهبائي نقل نصّ الكشّي بما ذكرنا أي كان من القادسية، حتّى أنّ المحقّق الاردبيلي[2]يقول: الموجود في نسخة الكشّي عندي هو---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 61 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. مجمع الفائدة: 9/ 323.
(--- أنّه من القادسية، ويقول المحقّق التستري: وممّا يؤيد صحّة نسخة «القادسية» أنّ الفهرست والنجاشي والبرقي كلّهم صرّحوا بأنّه كان كوفيّاً سكن البصرة كما سكن الكوفة، والقادسية من الكوفة.[1]
وعلى هذا فهذا الإشكال ليس بجيّد جدّاً.
ب. وجود الإرسال في السند، ففيما نقله الكليني إرسالان حيث نقل عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن أبان بن عثمان عمّن أخبره.
وأمّا ما نقله الشيخ والصدوق ففيه إرسال واحد، لأنّ طريقهما إلى أبان بن عثمان مسند وليس فيه إرسال. فلاحظ سندهما إلى أبان في الوسائل.[2]
نعم الإرسال في آخر الحديث، أي من يروي عنه أبان بن عثمان.
والإشكال غير قابل للذب فلا يحتج بهذا السند، إلّاأن يكون هنا جابر له بمعنى عمل الأصحاب بالرواية قديماً وحديثاً حتّى يكون جابراً للضعف، ولكن عند دراسة الأقوال نقف على أنّه لم يعمل بها أحد بحرفيّتها وإنّما عمل بإضافة شيء، ولعلّه محاولة لتطبيق الرواية مع القاعدة. وعندئذٍ يصير العمل بالقاعدة لا بالحديث بما هو هو.
وأمّا من جهة الدلالة فلا غبار عليها إنّما الكلام في عمل الأصحاب بها، وقد عملوا بها لكن بتصرّف فيها، وإليك نقل الكلمات:---)
[1]. قاموس الرجال: 1/ 116.
[2]. لاحظ: الوسائل: 19، الباب 61 من أبواب القصاص، ذيل الحديث 1.
(--- 1. قال الشيخ: ومن قتل غيره فسلّمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي ضربة أو ضربات وتركه ظناً منه أنّه قد مات وكان به رمق، فحمل ودووي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود كان له ذلك، وعليه أن يردّ عليه دية الجرحات الّتي جرحه، أو يقتصّ له منه.[1]
وقد أفتى به أيضاً ابن حمزة.[2]
ترى أنّ الشيخ وابن حمزة أضافا شيئاً على الحديث وهو التخيير بين ردّ دية الجراحات والاقتصاص له منه، مع أنّ الحديث يشتمل على الثاني فقط.
2. قال ابن إدريس: يقتصّ من ولي المقتول إذا لم يكن جرح المجنيّ عليه (المقتول الأوّل) جراحات عدّة بل قتله بضربة واحدة، وأمّا إن كان جرحه جراحات عدّة فللولي أن يقتصّ منه بعد ذلك ويقتله[3].
ترى أنّه فصّل بين ما صنع به أوّلًا بضربة واحدة فيقتصّ من الولي ثم يقتل، وبين ضربات فلا يقتصّ منه، بل للولي أن يقتصّ من بعد ذلك بقتله مع أنّ الرواية خالية عن هذا القيد.
وحاصل كلامه: أنّ الجاني إذا جنى على المجنيّ عليه بضربة واحدة ففيه قصاصان:
1. اقتصاص الجاني من الولي بضربة واحدة.---)
[1]. النهاية: 774- 775.
[2]. الوسيلة: 433.
[3]. السرائر: 3/ 405.