المسألة 26. لو ضرب الولي القاتل وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرأ، فالأشبه أن يعتبر الضرب، فإن كان ضربه ممّا يسوغ له القتل والقصاص به لم يقتصّ من الولي، بل جاز له قتله قصاصاً، وإن كان ضربه ممّا لا يسوغ القصاص به كأن ضربه بالحجر ونحوه كان للجاني الاقتصاص، ثم للولي أن يقتله قصاصاً أو يتتاركان.^
^لو ضرب الوليُّ القاتلَ وتركه ظانّاً موته
إذا ضرب الوليُّ القاتلَ ضربة أو ضربات وتركه بظن أنّه قد مات، ثم بان الخلاف وأنّه كان به رمق فحُمل وعولج.
يقع الكلام في موردين:
1. هل يجوز للولي أن يقتصّ منه مجدّداً، أو لا؟
2. هل للجاني أن يقتصّ من الولي بما صنع به أوّلًا، أو لا؟
لا كلام في الأوّل؛ لأنّ للولي حق القصاص وهو بعدُ لم يتحقّق، فإطلاق قوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»حاكم في المقام، فلا يترك حتّى يقتصّ منه.
إنّما الكلام في المورد الثاني وهو أنّه هل للجاني أن يقتصّ من الولي بما صنع به أوّلًا ثم يستعدّ للقصاص، أو لا؟ وهذا هو الّذي صار سبباً لعنوان المسألة.
ثم إنّ الكلام فيما إذا ضربه بما يسوغ القصاص به كالسيف فضربه وظنّ أنّه يكفيه في القصاص، ولكن بان الخلاف وبقي حياً، فإنّ مقتضى القاعدة---)
(--- هو تعلّق حقّ الجاني بالولي بما صنع به أوّلًا، فإنّه وإن كان مشروعاً ظاهراً ولكنّه كان حراماً واقعاً، لأنّه إنّما يوصف بالمشروعية إذا أدّى إلى الموت لا ما إذا أدّى إلى الجرح ثم تُرك، فالولي وإن كان جاهلًا به لكن جهله يكون عذراً في كونه مشروعاً ظاهراً ولكنّ الحرمة الواقعية محفوظة، وبما أنّ عمله كان عن جهل فيوصف ما صنع به جناية عن خطأ، فعلى الولي أن يدفع دية ما صنع به أوّلًا، وليس للجاني أن يقتصّ منه بما صُنع به؛ لأنّ الاقتصاص فرع العمد وهو رهن العلم، والمفروض أنّه كان جاهلًا. وكان على المصنِّف أن يذكر لزوم الدية على وليّ الدم.
نعم لو اقتصّ بما لا يسوغ الاقتصاص به كالضرب بالحجر، كان للجاني الاقتصاص به، ثم للولي أن يقتله قصاصاً.
هذا هو مقتضى القاعدة، وأمّا الروايات فالظاهر منها اقتصاص الجاني من الولي، ثم قتله به على خلاف ما ذكرنا من أخذ الدية، وإليك ما روي في المقام:
1. روى أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أحدهما عليهما السلام قال: «أُتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل، فدفعه إليه وأمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقاً، فعالجوه فبرئ، فلمّا خرج أخذه أخو المقتول الأوّل فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك!
فقال له: قد قتلتني مرّة.---)
(--- فانطلق به إلى عمر، فأمر بقتله، فخرج وهو يقول: واللَّه قتلتني مرّة.
فمرّوا على أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره خبره، فقال: «لا تعجل حتى أخرج إليك»، فدخل على عمر فقال: «ليس الحكم فيه هكذا».
فقال: ما هو يا أبا الحسن؟
فقال: «يقتصّ هذا من أخي المقتول الأوّل ما صنع به ثم يقتله بأخيه، فنظر الرجل أنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا».[1]
والاحتجاج بالرواية فرع صحّة سندها وتمامية دلالتها.
أمّا السند ففيه إشكالان:
أ. وجود أبان بن عثمان في السند، وهو ضعيف عند بعض؛ وذلك لأنّ الكشّي وصفه بأنّه كان من الناووسية الّتي هي فرقة ضالّة.
أقول:إن الاشكال ليس بصحيح؛ وذلك لأن الكشّي الّذي وصفه بأنّه كان من الناووسية، قد عدّه من أصحاب الإجماع الذين لهم شأن خاصّ بين فقهاء الإمامية، فكيف يمكن لمن يُعدّ من الناووسية أن يكون من الطبقة العليا من تلاميذ أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولذلك احتمل غير واحد من المحقّقين أنّ في تعبير الكشّي تصحيفاً والصحيح (كان من القادسية) الّتي هي قريبة من الكوفة.
ويشهد على ذلك أنّ القهبائي نقل نصّ الكشّي بما ذكرنا أي كان من القادسية، حتّى أنّ المحقّق الاردبيلي[2]يقول: الموجود في نسخة الكشّي عندي هو---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 61 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. مجمع الفائدة: 9/ 323.
(--- أنّه من القادسية، ويقول المحقّق التستري: وممّا يؤيد صحّة نسخة «القادسية» أنّ الفهرست والنجاشي والبرقي كلّهم صرّحوا بأنّه كان كوفيّاً سكن البصرة كما سكن الكوفة، والقادسية من الكوفة.[1]
وعلى هذا فهذا الإشكال ليس بجيّد جدّاً.
ب. وجود الإرسال في السند، ففيما نقله الكليني إرسالان حيث نقل عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن أبان بن عثمان عمّن أخبره.
وأمّا ما نقله الشيخ والصدوق ففيه إرسال واحد، لأنّ طريقهما إلى أبان بن عثمان مسند وليس فيه إرسال. فلاحظ سندهما إلى أبان في الوسائل.[2]
نعم الإرسال في آخر الحديث، أي من يروي عنه أبان بن عثمان.
والإشكال غير قابل للذب فلا يحتج بهذا السند، إلّاأن يكون هنا جابر له بمعنى عمل الأصحاب بالرواية قديماً وحديثاً حتّى يكون جابراً للضعف، ولكن عند دراسة الأقوال نقف على أنّه لم يعمل بها أحد بحرفيّتها وإنّما عمل بإضافة شيء، ولعلّه محاولة لتطبيق الرواية مع القاعدة. وعندئذٍ يصير العمل بالقاعدة لا بالحديث بما هو هو.
وأمّا من جهة الدلالة فلا غبار عليها إنّما الكلام في عمل الأصحاب بها، وقد عملوا بها لكن بتصرّف فيها، وإليك نقل الكلمات:---)
[1]. قاموس الرجال: 1/ 116.
[2]. لاحظ: الوسائل: 19، الباب 61 من أبواب القصاص، ذيل الحديث 1.
(--- 1. قال الشيخ: ومن قتل غيره فسلّمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي ضربة أو ضربات وتركه ظناً منه أنّه قد مات وكان به رمق، فحمل ودووي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود كان له ذلك، وعليه أن يردّ عليه دية الجرحات الّتي جرحه، أو يقتصّ له منه.[1]
وقد أفتى به أيضاً ابن حمزة.[2]
ترى أنّ الشيخ وابن حمزة أضافا شيئاً على الحديث وهو التخيير بين ردّ دية الجراحات والاقتصاص له منه، مع أنّ الحديث يشتمل على الثاني فقط.
2. قال ابن إدريس: يقتصّ من ولي المقتول إذا لم يكن جرح المجنيّ عليه (المقتول الأوّل) جراحات عدّة بل قتله بضربة واحدة، وأمّا إن كان جرحه جراحات عدّة فللولي أن يقتصّ منه بعد ذلك ويقتله[3].
ترى أنّه فصّل بين ما صنع به أوّلًا بضربة واحدة فيقتصّ من الولي ثم يقتل، وبين ضربات فلا يقتصّ منه، بل للولي أن يقتصّ من بعد ذلك بقتله مع أنّ الرواية خالية عن هذا القيد.
وحاصل كلامه: أنّ الجاني إذا جنى على المجنيّ عليه بضربة واحدة ففيه قصاصان:
1. اقتصاص الجاني من الولي بضربة واحدة.---)
[1]. النهاية: 774- 775.
[2]. الوسيلة: 433.
[3]. السرائر: 3/ 405.
(--- 2. اقتصاص الولي من الجاني بعدها ثانياً.
وأمّا إذا جنى الجاني على المجنيّ عليه بجراحات فليس فيه إلّااقتصاص واحد وهو اقتصاص الولي من الجاني.
وجهه: أنّ الجاني في الصورة الأُولى جنى بضربة واحدة، فلو لم يقتصّ منه لزم الاعتداء؛ لأنّ المفروض أنّه سوف يقتل بضربة ثانية.
بخلاف ما لو جنى على المجنيّ عليه بضربات، فلا تعدّ الضربة الأُولى اعتداء وإن تلته ضربة ثانية أو ثالثة؛ لأنّ المفروض أنّه جنى بضربات متعدّدة.
3. قال المحقّق: ولو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً وتركه ظناً أنّه قتل وكان به رمق، فعالج نفسه وبرئ، لم يكن للولي القصاص في النفس حتّى يقتصّ منه بالجراحة أوّلًا. ثم نقل الرواية وضعّف سندها فخرج بالنتيجة التالية: والأقرب أنّه إن ضربه بما ليس له الاقتصاص به (كما إذا ضربه بالعصا)، اقتصّ منه وإلّا كان له قتله، كما لو ظن أنّه أبان عنقه ثم تبيّن خلاف ظنِّه بعد انصلاحه، فهذا له قتله ولا يقتصّ من الولي لأنّه فعل سائغ.[1]
وقد وافقه المصنّف في المتن ففرّق بين ما صنع به أوّلًا وكان غير مشروع كالضرب بالعصا فيقتصّ منه لأنّه تعدّى به عليه، وبين ما كان مشروعاً كالضرب بالسيف فلا يقتصّ منه لأنّه عمل مشروع.
فيظهر من هذه الكلمات أنّ الأصحاب في تردّد من صحّة مضمون---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 233.
(--- الخبر فلذلك زادوا في العمل بالحديث حتّى يتّفق مع القاعدة.
نعم يرد على المحقّق بأنّ الضرب بالسيف وإن كان مشروعاً لكنه مشروطٌ بأدائه إلى القتل لا تركه مجروحاً، فيكون عمله مشروعاً ظاهراً تعدّياً واقعاً، وبما أنّه ضربه جهلًا يكون جرحاً عن خطأ أو شبه عمد، فيحكم بالدية ثم القتل. واللَّه العالم.
المسألة 27. لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع فللولي القصاص في النفس، وهل هو بعد رد دية اليد أم يقتصّ بلا ردّ؟ الأشبه الثاني. وكذا لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد قتل به، وفي رواية: إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها تردّ عليه دية يده، ويقتلوه، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية، قتلوه بلا غرم.
والمسألة مورد إشكال وتردّد، والأحوط العمل بها. وكذا الحال في مسألة أُخرى بها رواية، وهي: لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، فإنّها مشكلة أيضاً.^
^لو قطع يد رجل فعفا المقطوع ثم قتله القاطع
في المسألة فروع:
1. لو قطع يده فعفا المقطوع، ثم قتله القاطع، فهل يقتل بعد ردّ دية اليد، أو يقتل بلا ردّ؟
2. لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد، فهل يقتل بعد ردّ دية اليد أو يقتل بلا ردّ.
3. لو قطع كفّاً بغير أصابع، هل تقطع كفّه بعد ردّ دية الأصابع أو لا؟
أمّا الفرعان الأوّل والثاني فكلاهما يرتضعان من ثدي واحد، غير أنّ قطع اليد في الأوّل صدر من القاتل والمفروض فيه أنّ المقطوع عفا عن القاطع ولم يأخذ الدية؛ بخلاف الفرع الثاني فإنّما قطعت لا من قبل القاتل بل بسبب---)