المسألة 2. يشترط في جواز الاقتصاص فيه ما يشترط في الاقتصاص في النفس من التساوي في الإسلام والحرية وانتفاء الأُبوّة وكون الجاني عاقلًا بالغاً، فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس.^
^الشرائط اللازمة في القصاص بما دون النفس
يشترط في جواز الاقتصاص بما دون النفس ما يشترط في قصاص النفس، من الشروط الأربعة:
1. انتفاء الأُبوّة.
2. التساوي في الإسلام.
3. التساوي في الحرية.
4. كون الجاني بالغاً عاقلًا.
أمّا الأوّل:فقد تضافر قولهم عليهم السلام: «لا يُقاد والدٌ بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً».[1]
وأمّا الثاني:فلقول أبي جعفر عليه السلام في رواية محمد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم».[2]
وأمّا الثالث:فيكفي فيه قوله سبحانه:«الحرُّ بالحرِّ والعبدُ 2
[1]. الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[2]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
المسألة 3. لا يشترط التساوي في الذكورة والأُنوثة فيقتصّ فيه للرجل من الرجل ومن المرأة من غير أخذ الفضل، ويقتصّ للمرأة من المرأة ومن الرجل لكن بعد ردّ التفاوت فيما بلغ الثلث كما مرّ.^
(---بالعبدِ».[1]وما ورد حوله من الروايات.
وأمّا الرابع:فهو من الشرائط العامّة للتكليف من غير فرق بين باب وآخر.
^في عدم اشتراط التساوي في الذكورة والأُنوثة
لا يشترط التساوي في الذكورة والأُنوثة فيقتصّ للرجل من المرأة، ولا يؤخذ الفضل ويقتصّ لها من الرجل بعد رد التفاوت في الطرف، وقد مضى الكلام فيه في مبحث: «القول في الشرائط المعتبرة في القصاص» المسألة 2.
روى الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في حديث: «جراحات الرجال والنساء سواء، سنّ المرأة بسنّ الرجل، وموضحة المرأة بموضحة الرجل، وأصبع المرأة بأصبع الرجل، حتى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية، ضعفت دية الرجل على دية المرأة».[2]
وبما أنّا استوفينا البحث هناك فلا حاجة إلى دراسته مرّة ثانية.
[1]. البقرة: 178.
[2]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
المسألة 4. يشترط في المقام زائداً على ما تقدّم، التساوي في السلامة من الشلل ونحوه على ما يجيء أو كون المقتصّ منه أخفض، والتساوي في الأصالة والزيادة، وكذا في المحلّ على ما يأتي الكلام فيه، فلا تقطع اليد الصحيحة مثلًا بالشلّاء ولو بذلها الجاني، وتقطع الشلّاء بالصحيحة، نعم لو حكم أهل الخبرة بالسراية- بل خيف منها- يعدل إلى الدية.^
^ قد عرفت الشرائط اللازمة في القصاص، بقي الكلام في شرط آخر وهو التساوي في السلامة، وقد ذكره المحقّق فقال: والتساوي في السلامة، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء ولو بذلها الجاني، وتقطع الشلّاء بالصحيحة، إلّا أن يحكم أهل الخبرة أنّها لا تنحسم فيعدل إلى الدّية تفصّياً من خطر السراية.[1]
وقد أشار المصنّف إلى الفروع التالية:
الأوّل: التساوي في السلامة من الشلل
إذا قطعت يد صحيحة يداً شلّاء فمقتضى قوله سبحانه:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[2]هو جواز الاقتصاص، غير أنّ الأصحاب اتّفقوا على عدم الجواز ولزوم التساوي في الشلل.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قطع يداً شلّاء ويده صحيحة لا شلل بها---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 234.
[2]. المائدة: 45.
(--- لا قود عليه. وبه قال جميع الفقهاء، وقال داود: له أخذ الصحيحة بالشلّاء، دليلنا: إجماع الفرقة وأيضاً قوله تعالى:«فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»[1]، وأيضاً قوله تعالى:«وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ».[2]
وقال في «المبسوط»: إذا قطع يد رجل فيها ثلاثة أصابع سليمة وأصبعان شلّاوان ويد القاطع لا شلل بها، فلا قود على القاطع لأنّا نعتبر التكافؤ في الأطراف، والشلّاء لا تكافئ الصحيحة، فإذا ثبت أنّه لا قود عليه، فإن رضي الجاني أن تقطع يده بتلك اليد لم يجز قطعه بها؛ لأنّ القود إذا لم يجب في الأصل لم يجز استيفاؤه بالبدل، كالحرّ إذا قتل عبداً.[3]
وكلام الشيخ هنا وإن كان في الشلل الناقص- ويأتي الكلام فيه في المسألة الخامسة- لكن إذا ثبت الحكم فيه يثبت في الشلل الكامل بطريق أولى.
وأورد في «الجواهر» على الاستدلال بالآية بأنّ الظاهر هو المماثلة بأصل الاعتداء والعقاب على وجه يصدق أنّه مقاصّة، فلا ينافي ما دلّ على القصاص من قوله تعالى:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ».[4]
وبعبارة أُخرى: المراد أنّه إذا قطع يده فلتقطع يده لا يده ورجله، وأمّا التطابق في الصحّة والفساد، فالآية غير ناظرة إليه.---)
[1]. البقرة: 194.
[2]. النحل: 126.
[3]. المبسوط: 7/ 84.
[4]. جواهر الكلام: 42/ 348.
(--- ومع ذلك فقد قال: إنّ الحكم مفروغ منه عندهم. وهنا روايتان يمكن الاستدلال بهما.
1. ما رواه حمّاد بن زياد عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل قطع يد رجل شلّاء، قال: «عليه ثلث الدية»[1].
والاستدلال بالحديث رهن دراسة السند، والسند لا غبار عليه إلّاأنّ حمّاد بن زياد لم يوثّق سوى أنّ الحسن بن محبوب روى عنه، وله في مجموع الكتب الأربعة ست روايات، وهذا يدلّ على أنّ نقل الحديث لم يكن مهنة الرجل ولا معنيّاً به، وهذا يصدّنا عن الأخذ بحديثه إذا خالف القواعد.
وأمّا الدلالة فقد ذكر الإمام عليه السلام الدية دون الإشارة إلى القصاص وجعل دية اليد الشلّاء ثلث دية اليد الصحيحة، وديتها نصف دية الإنسان فيكون ثلث الدية سدس دية الإنسان.
والاستدلال مبني على سكوت الإمام عليه السلام عن القصاص، إذ لو جاز القصاص لما عدل إلى الدية، وهي لا تثبت إلّابرضا الطرفين، وقد مرّ أنّ الواجب أوّلًا وبالذات في الجنايات هو القصاص، وسكوته عليه السلام وعدوله إلى الدية يكشف عن عدم ثبوت القصاص.
ولك أن تقول: إنّ جهة السؤال مجهولة تحتمل وجهين:
1. أن يكون نظر السائل إلى التعرّف على الوظيفة في هذه الحالة---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
(--- أهي القصاص أو الدية أو غير ذلك؟
2. عن مقدار الدية بعد تسليم أنّ الوظيفة هي الدية.
فعلى الأوّل يتم الاستدلال؛ لأنّ السكوت عن القصاص، والاقتصار بالدية، أفضل شاهد على تعيّن الوظيفة فيها.
وأمّا على الثاني فالاستدلال غير ناجح، إذ ليس السؤال عن جواز القصاص أو الدية حتّى يستدل بسكوت الإمام على عدم جواز أحدهما، بل السؤال عن مقدار الدية، غير أنّ استدلال المشهور بالرواية حاكٍ عن حمل الرواية على المعنى الأوّل وهل هو حجّة أو لا؟ الظاهر لا، لأنّ عمل المشهور جابر لضعف السند، وأمّا الدلالة فلا. نعم يمكن أن يقال: إنّ مورد السؤال هو الأوّل، وذلك لظهور قوله: «قطع يد رجل شلّاء» في القطع عن عمد، فالجواب عندئذٍ بثلث الدية حاكٍ عن عدم ثبوت القصاص، وإلّا أشار إليه.
2. ما رواه الحسن بن صالح، في العبد الصحيحة يده قطع يد رجل حرّ، ثلاث أصابعه شلّاء فقال الإمام بأنّه لا تقطع يد العبد الصحيحة، بل إنّما يؤخذ العبد مكان اليد، أو تؤخذ قيمة اليد الشلّاء، وإليك نصها: قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل؟ فقال: «وما قيمة العبد؟» قلت: اجعلها ما شئت، قال: «إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الأصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل، ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة وأخذ العبد، وإن شاء أخذ قيمة---)
(--- الإصبعين الصحيحتين والثلاث أصابع الشلل»، قلت: وكم قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ والثلاث الأصابع الشلل؟ قال: «قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ ألفا درهم، وقيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكف ألف درهم؛ لأنّها على الثلث من دية الصحاح، قال: وإن كانت قيمة العبد أقل من دية الإصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل، دفع العبد إلى الذي قطعت يده أو يفتديه مولاه ويأخذ العبد».[1]
وبما أنّ القاطع عبد والمقطوع حرّ فالضابطة تقتضي أن يقتصّ الحرّ من العبد ولكنّ الإمام عليه السلام لم يذكر من القصاص شيئاً وإنّما حوّل السائل إلى الدية على التفصيل الوارد في الرواية.
أقول:إنّ الاستدلال فرع التمامية سنداً ودلالة.
أمّا الأوّلففيه الحسن بن صالح وهو الحسن بن صالح بن حسين. قال عنه الطوسي: له أصل، وقال في رجال الباقر عليه السلام: الهمداني الثوري الكوفي صاحب المقالة زيدي، إليه تنسب الصالحية منهم، وقال في التهذيب: هو زيدي بتريّ متروك العمل بما يختصّ بروايته. وقال ابن النديم: ولد سنة مائة ومات سنة 168 وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم وكان فقيهاً متكلماً. له أكثر من 47 رواية، فقد روى عنه الحسن بن محبوب في جميع ذلك إلّافي مورد واحد فقد روى عنه علي بن محمد بن سليمان النوفلي.[2]---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
[2]. لاحظ: الموسوعة الرجالية الميّسرة: 131.
(--- وأمّا الدلالة فإنّ جهة السؤال مجهولة فهل هي عن الوظيفة، أو عن مقدار الدية حسب ما شرحناه في الرواية الأُولى؟
وبذلك تبيّن أنّ العمل بالروايتين لا يخلو من إشكال، وعلى فرض العمل فموردهما هو اليد، وتعميم الحكم إلى سائر الأجزاء، كالرجل العرجاء والعين الحولاء، يحتاج إلى دليل.
ومع ذلك كلّه بما أنّ الحكم في هذه الموارد موافق للاحتياط لقاعدة درء الحدود بالشبهة، فلا مانع من العمل بالرواية.
وعلى كلّ تقدير فمورد الرواية وجود الشلل في بعض الأصابع، ومورد البحث كون اليد بأجمعها شلّاء، فالاستدلال بها على المورد من باب الأولوّية.
الفرع الثاني: كون المقتصّ منه أخفض
يشترط أحد الأمرين أمّا التساوي في السلامة والشلل كالصحيحة بالصحيحة أو الشلّاء بالشلّاء، أو كون المقتصّ منه أخفض فتقطع يد شلّاء بالصحيحة دون العكس، أي إذا كان المقتصّ منه أعلى كما إذا قطع من له يد صحيحة يداً شلّاء.
الفرع الثالث: التساوي في الأصالة والزيادة
فلو قطع إصبعاً زائداً، ليس له أن يقتصّ بالأصبع الأصلي، للأدلّة السابقة.
---)