(--- ثمّ إنّ المصنّف ذكر فرعاً خارجاً عن المسألة بقوله: لو عثر فوقع على غيره فمات، فلا شيء عليه لا دية ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.
العبارة تحتمل وجهين:
1. لو قلنا بأنّ الضمير في «مات» يرجع إلى العاثر ويكون المراد: أنّ رجلًا عثر فوقع على غيره فمات العاثر دون من وقع عليه، فعندئذٍ لا شيء للعاثر قوداً ولا دية؛ لأنّ موته مستند إلى نفسه، فليس له طلب القصاص أو الدية، كما لا شيء على من وقع عليه، إذ لم يصدر منه شيء حتّى يسأل عنه. ولو كان هذا هو المراد لم يكن مخالفاً للقاعدة. ولكن اللازم أن يقال: ولا شيء له، لا دية ولا قوداً.
2. لو قلنا بأنّ الضمير يرجع إلى الغير يكون معنى العبارة: لو عثر فوقع على الغير ومات من وقع عليه فلا شيء على العاثر دية وقصاصاً لما يأتي من الروايات، وعندئذٍ يكون قوله: «ولا شيء على الّذي وقع عليه» كلاماً زائد؛ لأنّ المفروض أنّه مقتول ولا معنى لاحتمال القود، لكن الفرع ينطبق على ما جاء في الروايات التالية:
1. روى عبيد بن زرارة، قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: «ليس عليه شيء». 2. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال: «لا شيء عليه».---)
(--- 3. ما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: «ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء».[1]
لكنّ الإفتاء بمفادها مشكل لمخالفتها مقتضى القواعد، ولابد من القول بأنّ النفي نسبي والمنفي هو القود لا الدية، ضرورة عدم كونه أقل تأثيراً من النائم والساهي. ولذا صار الإلقاء على الشخص حالة النوم والسهو سبباً لقتله.
وتصوّر أنّه لم يصدر من العاثر شيء، خلف الفرض، وإلّا يكون موت الغير مقارناً مع عثرته، وهو غني عن البيان. ولا محيص عن حمل قوله: «ليس على الأعلى شيء» على القصاص دون الدية، نعم ليس على الأسفل شيء مطلقاً، لا القصاص ولا الدية، فلاحظ.
إذا دفعه الغير على آخر
وهذه المسألة لم يتعرّض لها المصنّف، ولها صور، ويقع الكلام فيها في مقامين:
الأوّل: مقتضى القاعدة في الصور المتصوّرة
1. لو قصد الدافع قتل الّذي وقع عليه المدفوع، أو كان الفعل قاتلًا فهلك، أُقيد به.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الأحاديث 1، 2، 3.
(--- 2. لو كان ملتفتاً إلى مَن وقع عليه لكن لم يقصد قتله ولم يكن الفعل قاتلًا، فهو شبه العمد.
3. لو كان غافلًا عن المدفوع عليه فهلك، فهو من الخطأ المحض.
هذا كلّه حكم الدافع بالنسبة إلى المدفوع عليه.
4. وأمّا بالنسبة إلى المدفوع لو قصد قتله أو كان الفعل قاتلًا، أُقيد به.
5. لو لم يقصد قتله ولم يكن الفعل قاتلًا، فهو شبه العمد.
وعلى كلّ تقدير فليس هنا للمدفوع ولا المدفوع عليه شيء، إذ لم يصدر عنهما شيء عن اختيار، ولو صدر إنّما هو بتسبيب من الدافع، ولذلك ركّزنا الكلام على حكم الدافع من القصاص والدية.
الثاني: مقتضى الروايات
، وإليك بيانها:
1. ما رواه عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل دفع رجلًا على رجل فقتله قال: «الدية على الذي دفع على الرجل فقتله، لأولياء المقتول، ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه»، قال: «وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً».[1]
والإشكال فيه من وجهين:
أ. أنّ مقتضى القاعدة تعلّق الدية على الدافع أوّلًا وبالذات، لا---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 21 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- على المدفوع، أوّلًا، ثم على الدافع ثانياً كما هو صريح الرواية؛ نظير باب الإكراه، فإنّ الضمان على المُكرِه (بالكسر) لا على المُكرَه (بالفتح) أوّلًا، والرجوع إلى المُكرِه ثانياً.
ب. أنّ الظاهر من الحديث عدم تعلّق القصاص بالدافع إذا قصد القتل، أو لم يقصد، وكان الوقوع ممّا يقتل غالباً مع أنّه إذا قصد القتل أو كان الوقوع آلة قاتلة يجب أن يقاد.
ويمكن الذب عن الأوّل بأنّ إرجاع أولياء المقتول إلى المدفوع، لأجل سهولة الأمر؛ لأنّه كان في متناولهم.
وعن الثاني، بأنّ المفروض ما إذا لم يقصد القتل ولم يكن الوقوع قاتلًا، بل كان الغرض، هو نفس الإيذاء.
2. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل كان راكباً على دابة فغشى رجلًا ماشياً حتى كاد أن يوطئه، فزجر الماشي الدابة عنه، فخرّ عنها فأصابه موت أو جرح؟ قال: «ليس الذي زجر بضامن، إنّما زجر عن نفسه».[1]
وربما يقال بأنّ زجره عن نفسه لا ينافي ضمانه بعد نسبة القتل إليه؛ لأنّ الإذن في الدفاع عن نفسه لا ينافي الضمان، كأكل مال الغير في المجاعة.
يلاحظ عليه:بوجود الفرق بين المثال والممثل؛ لأنّ قتل الراكب يرجع إلى تقصيره حيث غشى الماشي ولم يكن له بدّ من الزجر عن نفسه،---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 21 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
(--- والحق أنّه لو كان الدفاع عن نفسه متوقّفاً على خصوص العمل الذي ارتكبه فلا ضمان، دونما إذا لم يكنكذلك.
وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك، أعني: الباب 22 من أبواب القصاص في النفس.
3. صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره وتعقر دابته رجلًا آخر؟ قال: «هو ضامن لما كان من شيء».[1]والرواية مطابقة للضوابط.
[1]. الوسائل: 19، الباب 21 من أبواب قصاص النفس، الحديث 23. وقوله: فيعقره أي يجرحه.
المسألة 14. لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له، فهو عمد إن أراد بذلك قتله، وإلّا فليس بعمد بل شبهه، من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا، ولو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به.^
^ يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: في حقيقة السحر ومراتبه
اختلفت كلمات العلماء في وجود الموضوع لهذه المسألة.
نقل المحقّق عن الشيخ أنّه لا حقيقة للسحر، وفي الأخبار ما يدلّ على أنّ له حقيقة، ثمّ أضاف وقال: لعلّ ما ذكره الشيخ قريب، غير أنّ البناء على الاحتمال أقرب.[1]
وربّما يستدلّ على أنّه لا حقيقة للسحر بقوله سبحانه:«سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ»[2]، وقوله تعالى:«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى»[3]، فإنّ الآيتين تدلّان على عدم الحقيقة للسحر في الخارج، وإنّما يتصرّف الساحر في أعين الناس.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ للسحر مراتب: مرتبة منه تصرّف في---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 197.
[2]. الأعراف: 116.
[3]. طه: 66.
(--- الباصرة والآيات ناظرة إليها. ففي هذه المرتبة ليست للسحر حقيقة في الخارج، لكن له حقيقة في مرحلة البصر والخيال، والخيال خيال بالنسبة إلى الخارج، وأمّا في حدّ نفسه فله واقعية. ولعلّ عمل سحرة فرعون كان من هذا القبيل: كانوا يتصرفون في أبصارهم أو خيالهم فيتخيّلون الحبال الملتوية، أفاعي ملتوية لأجل حركتها فيما بينهم.
ومرتبة أُخرى لها تأثير في الخارج كما يشير إليه قوله سبحانه:«فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ»[1]، حيث ينسب التفرقة بين الزوج والزوجة إلى السحرة.
وعلى ما ذكرنا فللسحر واقعية غير أنّ له مراتب:
منها:ما يُري غير الواقع واقعاً، ويتصرّف في الأعين والأبصار، وربّما يوجد فيه الخوف. ومنها: ما له أثر في خارج النفس المسحورة، كما يظهر من الآية، ومن البعيد أن لا يكون لهذا العلم حقيقة وقد كان له مدارس في مصر وأساتذة وتلامذة حتّى وصفوا موسى بأنّه كبيرهم الّذي علم الآخرين السحر.[2]
وممّا يدلّ على أنّ له واقعية ما قاله الصدوق: إنّه روي أنّ توبة الساحر أن يحل ولا يعقد.[3]---)
[1]. البقرة: 102.
[2]. طه: 71.
[3]. الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب بقية الحدود، الحديث 2.
(--- ومن الغرائب ما نقله الشيخ في المكاسب المحرّمة أنّ من أقسام السحر هو الاستعانة بالنسب الرياضية التي تسمّى بعلم الحيل وجرّ الأثقال.[1]مع أنّها من شعب علم الفيزياء. اللّهم إلّاإذا أُريد- كما هو ظاهر قوله «الاستعانة»- أنّ الساحر يستعين بهذه العلوم، لا أنّها من مقولة السحر، فلاحظ.
الثاني: لو سحره فقتل
ذكر المصنّف في المتن فروعاً ثلاثة:
1. لو سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له وأراد بذلك قتله، فحكمه واضح؛ لأنّ قصد القتل كاف في الحكم بالقود، وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل.
2. تلك الصورة ولكن لم يُرد بذلك قتله، فهو ليس بعمد بل شبهه، وإنّما يوصف بشبه العمد إذا لم تكن الآلة قاتلة، وهو المفروض في المتن بشهادة الفرع الثالث.
3. لو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به، وذلك لكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد. ولذلك لو أخّر الثاني وقدّم الثالث كان أوضح حتى يذكر القتل العمدي بكلا قسميه معاً.
هذا ما يرجع إلى المتن، ولابدّ من الالتفات إلى الأمرين التاليين:
الأوّل:لا يخفى ما في المتن من التنافي حيث ابتدأ كلامه بقوله: (لو
[1]. المكاسب المحرّمة، مبحث السحر، ص 33، الطبعة القديمة.