(--- وأمّا الدلالة فإنّ جهة السؤال مجهولة فهل هي عن الوظيفة، أو عن مقدار الدية حسب ما شرحناه في الرواية الأُولى؟
وبذلك تبيّن أنّ العمل بالروايتين لا يخلو من إشكال، وعلى فرض العمل فموردهما هو اليد، وتعميم الحكم إلى سائر الأجزاء، كالرجل العرجاء والعين الحولاء، يحتاج إلى دليل.
ومع ذلك كلّه بما أنّ الحكم في هذه الموارد موافق للاحتياط لقاعدة درء الحدود بالشبهة، فلا مانع من العمل بالرواية.
وعلى كلّ تقدير فمورد الرواية وجود الشلل في بعض الأصابع، ومورد البحث كون اليد بأجمعها شلّاء، فالاستدلال بها على المورد من باب الأولوّية.
الفرع الثاني: كون المقتصّ منه أخفض
يشترط أحد الأمرين أمّا التساوي في السلامة والشلل كالصحيحة بالصحيحة أو الشلّاء بالشلّاء، أو كون المقتصّ منه أخفض فتقطع يد شلّاء بالصحيحة دون العكس، أي إذا كان المقتصّ منه أعلى كما إذا قطع من له يد صحيحة يداً شلّاء.
الفرع الثالث: التساوي في الأصالة والزيادة
فلو قطع إصبعاً زائداً، ليس له أن يقتصّ بالأصبع الأصلي، للأدلّة السابقة.
---)
(---
الفرع الرابع: التساوي في المحل
ويأتي شرحه في المسألة السادسة.
الفرع الخامس: تقطع الشلّاء بالصحيحة
إذا كان القاطع ذا يد شلّاء والمقطوع له يد صحيحة، تقطع الشلّاء بالصحيحة لعدم كون الاعتداء بالأكثر، بل هو بالأقلّ ممّا اعتدي عليه، لأنّه قطع يداً صحيحة وجزي بقطع يد شلّاء.
الفرع السادس: عدم الخوف من السراية
لو حكم أهل الخبرة بالسراية أو خيف منها، يعدل إلى الدية لوجوب حفظ النفس التي هي أعظم من الطرف. ومنه يظهر إذا كان كلّ منهما شلّاء فتقطع بشرط أن لا يكون هنا خوف السراية.
ثمّ إذا رضي صاحب اليد الصحيحة أن يقطع بالشلّاء، فلا يجوز؛ لأنّ رضاه لا يغيّر الحكم الشرعي، فإنّ الثابت حينئذٍ هو الدية لا الاقتصاص.
المسألة 5. المراد بالشلل هو يبس اليد بحيث تخرج عن الطاعة ولم تعمل عملها ولو بقي فيها حس وحركة غير اختيارية، والتشخيص موكول إلى العرف كسائر الموضوعات، ولو قطع يداً بعض أصابعها شلّاء ففي قصاص اليد الصحيحة تردد، ولا أثر للتفاوت بالبطش ونحوه، فيقطع اليد القوية بالضعيفة، واليد السالمة باليد البرصاء والمجروحة.^
^ في المسألة فروع:
الأوّل: ما هو المراد من اليد الشلّاء؟
اليد الشلّاء من الموضوعات العرفية أو العلمية يرجع فيها إلى أصحاب الاختصاص، والذي يمكن أن يقال: إنّها يد متوسطة بين الصحيحة واليد الميّتة، فالصحيحة هي التي تطيع صاحبها، والميّتة هي التي لو بقيت أنتنت، والشلّاء هي اليد اليابسة لكن فيها نوع من الحياة، وإن كانت لا تطيع صاحبها.
الفرع الثاني: لو قطع يداً بعض أصابعها شلّاء لا كلّها
كان محور البحث في المسألة السابقة كون اليد بتمام أجزائها شلّاء لا بعض أصابعها، بخلاف المقام. وعلى هذا فهل يقتصّ من اليد الصحيحة بيد بعض أصابعها شلّاء أو لا؟ ففي الفرع أقوال أو احتمالات:
1. ما عليه الشيخ في «المبسوط» والعلّامة في «القواعد» من القصاص بنحو خاصّ.---)
(--- قال في «القواعد»: لو قطع يداً وكان بعض أصابع المقطوع شلّاء، لم يقتصّ من الجاني في الكف، بل في الأربع الأصابع الصحيحة، ويؤخذ منه ثلث دية أصبع صحيحة، عوضاً عن الشلّاء.[1]
ولو فرضنا صحّة الأصابع الثلاثة وشلل أصبعين، يقتصّ من الصحيحة، ويؤخذ من كلّ أصبع ثلث دية أصبع صحيحة عوضاً عن الشلّاء.
2. الانتقال إلى الدية- بتاتاً- وهو الذي تدلّ عليه رواية الحسن بن صالح قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل؟ فقال: وما قيمة العبد؟ قلت: اجعلها ما شئت. قال: «إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الأصبعين الصحيحتين وثلاث الأصابع الشلل، ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة وأخذ العبد ...».[2]
والرواية على القول بالعمل بها تنفي القصاص بتاتاً بل يؤخذ العبد مكان القصاص بشرط ردّ ما فضل من قيمته، وقد عرفت أنّ الرواية من حيث السند والدلالة لا تخلو من إشكال، ولذلك تردّد في المتن.
وهنا احتمال ثالث وهو القصاص من الكف أخذاً بإطلاق قوله سبحانه:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، وأمّا المخصّص فإنّما هو فيما إذا كان مجموع اليد شلّاء لا شيئاً من أصابعه، وقد مرّ في رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل قطع يد رجل شلّاء قال: «عليه ثلث الدية»، فالإطلاق محكّم---)
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 632.
[2]. الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
(--- والمخصّص يختصّ باليد الشلّاء لا اليد الصحيحة وبعض أصابعها شلّاء.
وفي مقام المحاسبة فقد جعل الجاني المقطوع، فاقد اليد، فعليه أن يقتصّ فيجعله مثله، ولأجل ذلك تردّد المصنّف ولم يفت بشيء.
الفرع الثالث: لو اختلفت اليدان من حيث القوة والضعف
إذا اختلفت اليدان من حيث الضعف والقوّة، والبطش ونحوه، فهل يمنع ذلك من القصاص أو لا؟
اتّفقت كلمتهم على عدم الفرق. قال العلّامة في «القواعد»: ولا يشترط تساوي خلقة اليد ومنافعها، فتقطع يد الباطش القويّ بيد الطفل الصغير، والشيخ الفاني والمريض المشرف والكسوب لغيره، والصحيحة بالبرصاء.[1]
وقال في «المسالك»: وإن اتّحد الجنس لم يؤثر التفاوت في الصغر والكبر والطول والقصر، والقوّة والضعف، والضخامة والنحافة، كما لا تعتبر مماثلة النفسين في هذه الأُمور، والسرّ في ذلك أنّ مماثلة النفوس والأطراف في ذلك لا يكاد يتّفق، وفي اشتراطها إبطال مقصود القصاص.[2]
مضافاً إلى إطلاق قوله تعالى:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، خرجت اليد الشلّاء إذا قطعت يداً صحيحة.
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 632.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 270.
المسألة 6. يعتبر التساوي في المحل مع وجوده، فتقطع اليمين باليمين واليسار باليسار. ولو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره.
ولو لم يكن له يد أصلًا قطعت رجله على رواية معمول بها، ولا بأس به، وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في اليد اليسرى أو هما سواء؟ وجهان. ولو قطع اليسرى ولم تكن له اليسرى، فالظاهر قطع اليمنى على إشكال، ومع عدمهما قطع الرجل. ولو قطع الرجل من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟ فيه وجه لا يخلو من إشكال. والتعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب وغيرها مشكل، وإن لا يخلو من وجه سيّما اليسرى من كلّ باليمنى.^
^ في المسألة فروع:
1. اعتبار التساوي في المحل مع وجوده، فاليمين باليمين ... إلخ.
2. عدم اعتبار التساوي فلو لم يكن له يمين، قطعت يساره.
3. ولو لم تكن له يدان قطعت رجله على رواية.
4. إذا قطع من ليس له يدان، اليد اليمنى، فهل تتعيّن الرجل اليمنى أو لا؟
وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في قطع اليد اليسرى؟
5. لو قطع اليد اليسرى ولم تكن له يُسرى، تقطع اليمين ومع عدمهما تقطع الرِّجْل.---)
(--- 6. لو قطعَ الرجلَ من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟
7. التعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب، كقلع العين اليسرى ممّن قلع اليمنى ولا يمنى له.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: اعتبار التساوي في المحلّ مع وجوده
لا مع عدمه، فهو أمرٌ اتّفقوا عليه، فلو كان للرجل يدان فقطع يمين رجل، تقطع يمينه لا يساره، وهكذا بالعكس، ولو كان له رجلان وقطع الرجل اليمنى تقطع اليمنى منه لا اليسرى.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قطع يمين غيره قطعت يمينه بلا خلاف، فإن لم يكن له يمين قطعت يساره عندنا.[1]
الفرع الثاني: إذا لم يكن المماثل موجوداً
فالمشهور أنّه لو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره، ولو لم يكن له يمين ويسار أصلًا قطعت رجله.
قال الشيخ: فإن لم يكن له يمين قطعت يساره عندنا، فإن لم يكن له يسار قطعت رجله اليمنى، فإن لم تكن له قطعت رجله اليسرى. وقال جميع الفقهاء:
إن لم يكن يمين يسقط القصاص؛ وقال شريك: يقطع اليمين باليمين، فإن---)
[1]. الخلاف: 5/ 193- 194، المسألة 59.
(--- لم يكن له يمنى قطعت اليسرى، وكذلك تقطع اليسرى باليسرى، فإن لم تكن له قطعت اليمنى.[1]
وقال في «النهاية»: من قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فإن لم يكن له يمين وكانت له يسار، قطعت به، وإن لم يكن له يدان قطعت رجله باليد، فإن لم يكن له يدان ورجلان كان عليه الدية لا غير ويسقط القصاص.[2]
وقال العلّامة في «القواعد»: التساوي في المحلّ: وتقطع اليمنى بمثلها، وكذا اليسرى، والإبهام بمثلها، لا بالسبّابة وغيرها، وكذا باقي الأصابع؛ ولو لم يكن له يمين قطعت يسراه، فإن لم يكن يسار أيضاً قطعت رجله اليمنى، فإن فقدت فاليسرى[3].
ولا يخفى أنّ العبارات لا تشمل ما إذا قطع اليسرى وليس له اليسرى فهل تقطع اليمنى كما عليه شريك؟ وسيأتي الكلام فيه في الفرع الرابع.
ومستند الحكم رواية حبيب السجستاني قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين.
فقال: «يا حبيب تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلًا، وتقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل». قال: فقلت: إنّ علياً عليه السلام إنّما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.---)
[1]. الخلاف: 5/ 193- 194، المسألة 59.
[2]. النهاية: 771- 772.
[3]. قواعد الأحكام: 3/ 633.