(--- والمخصّص يختصّ باليد الشلّاء لا اليد الصحيحة وبعض أصابعها شلّاء.
وفي مقام المحاسبة فقد جعل الجاني المقطوع، فاقد اليد، فعليه أن يقتصّ فيجعله مثله، ولأجل ذلك تردّد المصنّف ولم يفت بشيء.
الفرع الثالث: لو اختلفت اليدان من حيث القوة والضعف
إذا اختلفت اليدان من حيث الضعف والقوّة، والبطش ونحوه، فهل يمنع ذلك من القصاص أو لا؟
اتّفقت كلمتهم على عدم الفرق. قال العلّامة في «القواعد»: ولا يشترط تساوي خلقة اليد ومنافعها، فتقطع يد الباطش القويّ بيد الطفل الصغير، والشيخ الفاني والمريض المشرف والكسوب لغيره، والصحيحة بالبرصاء.[1]
وقال في «المسالك»: وإن اتّحد الجنس لم يؤثر التفاوت في الصغر والكبر والطول والقصر، والقوّة والضعف، والضخامة والنحافة، كما لا تعتبر مماثلة النفسين في هذه الأُمور، والسرّ في ذلك أنّ مماثلة النفوس والأطراف في ذلك لا يكاد يتّفق، وفي اشتراطها إبطال مقصود القصاص.[2]
مضافاً إلى إطلاق قوله تعالى:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، خرجت اليد الشلّاء إذا قطعت يداً صحيحة.
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 632.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 270.
المسألة 6. يعتبر التساوي في المحل مع وجوده، فتقطع اليمين باليمين واليسار باليسار. ولو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره.
ولو لم يكن له يد أصلًا قطعت رجله على رواية معمول بها، ولا بأس به، وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في اليد اليسرى أو هما سواء؟ وجهان. ولو قطع اليسرى ولم تكن له اليسرى، فالظاهر قطع اليمنى على إشكال، ومع عدمهما قطع الرجل. ولو قطع الرجل من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟ فيه وجه لا يخلو من إشكال. والتعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب وغيرها مشكل، وإن لا يخلو من وجه سيّما اليسرى من كلّ باليمنى.^
^ في المسألة فروع:
1. اعتبار التساوي في المحل مع وجوده، فاليمين باليمين ... إلخ.
2. عدم اعتبار التساوي فلو لم يكن له يمين، قطعت يساره.
3. ولو لم تكن له يدان قطعت رجله على رواية.
4. إذا قطع من ليس له يدان، اليد اليمنى، فهل تتعيّن الرجل اليمنى أو لا؟
وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في قطع اليد اليسرى؟
5. لو قطع اليد اليسرى ولم تكن له يُسرى، تقطع اليمين ومع عدمهما تقطع الرِّجْل.---)
(--- 6. لو قطعَ الرجلَ من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟
7. التعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب، كقلع العين اليسرى ممّن قلع اليمنى ولا يمنى له.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: اعتبار التساوي في المحلّ مع وجوده
لا مع عدمه، فهو أمرٌ اتّفقوا عليه، فلو كان للرجل يدان فقطع يمين رجل، تقطع يمينه لا يساره، وهكذا بالعكس، ولو كان له رجلان وقطع الرجل اليمنى تقطع اليمنى منه لا اليسرى.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قطع يمين غيره قطعت يمينه بلا خلاف، فإن لم يكن له يمين قطعت يساره عندنا.[1]
الفرع الثاني: إذا لم يكن المماثل موجوداً
فالمشهور أنّه لو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره، ولو لم يكن له يمين ويسار أصلًا قطعت رجله.
قال الشيخ: فإن لم يكن له يمين قطعت يساره عندنا، فإن لم يكن له يسار قطعت رجله اليمنى، فإن لم تكن له قطعت رجله اليسرى. وقال جميع الفقهاء:
إن لم يكن يمين يسقط القصاص؛ وقال شريك: يقطع اليمين باليمين، فإن---)
[1]. الخلاف: 5/ 193- 194، المسألة 59.
(--- لم يكن له يمنى قطعت اليسرى، وكذلك تقطع اليسرى باليسرى، فإن لم تكن له قطعت اليمنى.[1]
وقال في «النهاية»: من قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فإن لم يكن له يمين وكانت له يسار، قطعت به، وإن لم يكن له يدان قطعت رجله باليد، فإن لم يكن له يدان ورجلان كان عليه الدية لا غير ويسقط القصاص.[2]
وقال العلّامة في «القواعد»: التساوي في المحلّ: وتقطع اليمنى بمثلها، وكذا اليسرى، والإبهام بمثلها، لا بالسبّابة وغيرها، وكذا باقي الأصابع؛ ولو لم يكن له يمين قطعت يسراه، فإن لم يكن يسار أيضاً قطعت رجله اليمنى، فإن فقدت فاليسرى[3].
ولا يخفى أنّ العبارات لا تشمل ما إذا قطع اليسرى وليس له اليسرى فهل تقطع اليمنى كما عليه شريك؟ وسيأتي الكلام فيه في الفرع الرابع.
ومستند الحكم رواية حبيب السجستاني قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين.
فقال: «يا حبيب تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلًا، وتقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل». قال: فقلت: إنّ علياً عليه السلام إنّما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.---)
[1]. الخلاف: 5/ 193- 194، المسألة 59.
[2]. النهاية: 771- 772.
[3]. قواعد الأحكام: 3/ 633.
(--- فقال: «إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللَّه (كما في السرقة)، فأمّا ما يجب من حقوق المسلمين فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في القصاص، اليد باليد إذا كانت للقاطع يدان، والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد».
فقلت له: أو ما تجب عليه الدية وتترك له رجله؟
فقال: «إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثمّ تجب عليه الدية، لانّه ليس له جارحة يقاصّ منها».[1]
قال الشهيد الثاني في «المسالك»: والرواية صحيحة السند إلى حبيب المذكور وحينئذٍ فإطلاق جماعة من الأصحاب صحّة الرواية مدخول أو محمول على الصحّة الإضافية، وهذا هو السرّ في نسبة المصنّف الحكم إلى الرواية، وقد عمل بمضمونها الشيخ والأكثر.[2]
وحبيب، هو حبيب بن المعلّى السجستاني ذكره الطوسي في رجال السجاد والباقر والصادق عليهم السلام، وقال الكشّي: كان أوّلًا شاريّاً (من الخوارج) ثم دخل في هذا المذهب، وكان من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السلام منقطعاً إليهما؛ روى عنه هشام بن سالم في الكتب الأربعة، وذكره العلّامة في القسم الأوّل، وحسّنه في الوجيزة، ونقل الوحيد توثيقه عن المجلسي، ونقل عن الأصحاب وصفهم حديثه بالصحّة.[3]---)
[1]. الوسائل: 19، باب 12 من أبواب القصاص في الطرف، الحديث 2.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 271.
[3]. الموسوعة الرجالية الميسّرة، برقم 1370.
(--- فلم يردّ الرواية جمهور الأصحاب، نعم خالف ابن إدريس والشهيد الثاني.
أمّا ابن إدريس فقد عمل ببعض الرواية حيث حكم بالدية بعد قطع اليدين لمن بقي[1].
وأمّا الشهيد الثاني فقد استدلّ بأنّ قطع الرجل باليد على خلاف الأصل فلابدّ له من دليل صالح، وهو منفيّ، وفي قوله تعالى:«أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»ما يدلّ على اعتبار المماثلة والرجل ليست مماثلة لليد.
نعم يمكن تكلّف مماثلة اليد وإن كانت يسرى لليمنى، لتحقّق أصل المماثلة في الحقيقة وإن تغايرا من جهة.[2]
الفرع الثالث: لو لم تكن له يدان هل تقطع رجله؟
إذا لم يكن له يدان وقطع اليد اليمنى قطعت رجله، لما مرّ في رواية السجستاني من قوله: «والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يدان».
الفرع الرابع: لو قطع مَن ليس له يدان اليد اليمنى
إذا قطع من لم يكن له يدان، اليد اليمنى، فهل يتعين قطع الرجْل اليمنى أو يجوز قطع الرِجْل اليسرى عندئذٍ. وبعبارة أُخرى: فهل تقدم الرجْل اليمنى على اليسرى في قطع اليد اليمنى؟---)
[1]. السرائر: 3/ 396- 397.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 272.
(---أقول:إنّ الترتيب في الرجلين لم يرد في الرواية وإنّما ذكره في «الخلاف»، وفي المتن فيه وجهان ومقتضى إطلاق الرواية عدم اعتبار المماثلة من هذه الجهة حيث قال: «والرجل باليد إذا لم تكن للقاطع يد» ورعاية الترتيب أحوط.
الفرع الخامس: لو قطع اليد اليسرى مَن لم تكن له يسرى
إذا قطع اليد اليسرى ولم تكن له يد يُسرى فهل تقطع اليمنى لأجل اليسرى؟ فقد عرفت أنّه لم يأت في كلام الأصحاب لكن في «الجواهر» يمكن استفادته من النص والفتوى.
ولعلّ وجهه أنّه إذا لم يقتصّ من اليد اليمنى، فإمّا أن ينتقل إلى الدية أو إلى الرجل؛ والأوّل خلاف ما في الرواية حيث جاء في رواية حبيب قوله: «إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثمّ تجب عليه الدية؛ لأنّه ليس له جارحة يقاصّ منها». ومثله الثاني لقوله فيها: «اليد باليد إذا كانت للقاطع يد، والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد»، والمفروض وجود اليد في المقام. نعم مع عدمهما يقطع الرجل كما مرّ.
الفرع السادس: لو قطع الرِّجل مَن لا رجل له
لو قطع الرِّجْلَ، من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟ قال صاحب الجواهر: يمكن قطع اليد بالرجل إذا لم يكن له رجلان، عكس الأُولى---)
(--- لفحوى الخبر المذكور، بل لعلّ التعليل فيه ظاهر في ذلك.[1]ولعل مراده من التعليل هو قوله:«فثم تجب عليه الدية لأنّه ليس له جارحة يقاصّ منها»والمفروض وجود اليد اليمين.
الفرع السابع: في حكم سائر الأعضاء
فهو التعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب، مثلًا إذا قلع عينه اليمنى ولا يمنى له فهل تقلع اليسرى، وهكذا في الأُذن والحاجب؟
أقول:إنّ ما جاء في الرواية على خلاف القاعدة فيقتصر بما ورد فلا يجري في العينين فلا تقطع اليمين باليسرى مع عدمها وبالعكس، اللّهم إلّاأن يتمسّك بإطلاق قوله تعالى:«العين بالعين»وأنّ الترتيب مختصّ بصورة الإمكان. ولذلك قال في المتن: «وإن لا يخلو من وجه سيّما اليسرى من كلٍّ باليمنى»، نعم لو لم يكن له عين فلا ينتقل إلى الاذن، بل اللازم الدية؛ وذلك لأنّ ما في الرواية من أنّ الانتقال إلى الدية فيما إذا لم يكن للقاطع جارحة يقاصّ منها فالمراد الجارحة المماثلة، لا مطلق الجارحة. وأمّا الانتقال من اليد إلى الرجل فقد خرج بالدليل مضافاً إلى اشتراك اليد والرجل في التعدّي والبطش، فأين هذا من العين والأُذن.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 353.