المسألة 8. يعتبر في الشجاج التساوي بالمساحة طولًا وعرضاً، قالوا ولا يعتبر عمقاً ونزولًا، بل يعتبر حصول اسم الشجّة، وفيه تأمّل وإشكال والوجه التساوي مع الإمكان، ولو زاد من غير عمد فعليه الأرش، ولو لم يمكن إلّابالنقص لا يبعد ثبوت الأرش في الزائد على تأمّل، هذا في الحارصة والدامية والمتلاحمة، وأمّا في السمحاق والموضحة فالظاهر عدم اعتبار التساوي في العمق، فيقتصّ المهزول من السمين إلى تحقّق السمحاق والموضحة.^
^ قبل الخوض في بيان الأحكام نبيّن بعض المصطلحات:
في معنى الشجاج وأنواعه
الشجاج،هو الجرح المختصّ بالرأس والوجه، وهو على أنواع:
أ. الحارصة:وهي الّتي تسلخ الجلد من غير إدماء، ولا تأخذ من اللحم شيئاً.
ب. الدامية:وهي الّتي تدخل اللحم يسيراً ويخرج منها الدم.
ج. المتلاحمة:وهي الّتي تدخل اللحم كثيراً ولكن لا تبلغ السمحاق.
د. السمحاق:وهي الّتي تقطع اللحم وتبلغ الجلد الرقيق الّذي يغشّي العظم، وهو بين اللحم والعظم.
ه. الموضحة:وهي الّتي تقطع الجلد الّذي يغشّي العظم وتوضحه.
هذه هي المصطلحات الواردة في المسألة، وربّما يكون لبعض---)
(--- الموارد مصطلحان كما يظهر من مراجعة المعاجم، وسيوافيك بيان سائر المصطلحات في المسألة التالية.
واعلم أنّ هذه الجراحات الخمس يجوز فيها القصاص، بخلاف ما يأتي فإنّه يتعيّن فيه الأرش أو الدية.
ثمّ إنّ المشهور اعتبار التساوي في الجميع طولًا وعرضاً ولا يعتبر التساوي في العمق. قال المحقّق: ويعتبر التساوي في المساحة في الشجاج طولًا وعرضاً ولا يعتبر نزولًا، بل يعتبر حصول اسم الشجّة.[1]
وقد عُلّل ذلك باختلاف الرؤوس في السمن والضعف وغلظ الجلد ورقّته، فيقطع النظر عنه كما يقطع النظر عن الصغر والكبر في الأطراف فتقطع اليد الصغيرة باليد الكبيرة ومثلها الرجل، وعلى كلّ تقدير يكفي اسم الشجّة عند القصاص. ونقل عن بعض الشافعية اعتبار التساوي في العمق أيضاً.[2]وأمّا المصنّف فقد فصّل بين الثلاثة الأُولى وبين الأخيرين، أعني: السمحاق والموضحة.
وجهه: أنّ السمن والهزال أو غلظة الجلد ورقّته لا يمنع من اعتبار التساوي في العمق ولا يلزم منه التجاوز عن الحدّ؛ لأن الشجاج في الحارصة لا يتجاوز الجلد وفي الدامية والمتلاحمة لا يتجاوز اللحم، فلا مانع من---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 234.
[2]. الحاوي الكبير: 12/ 156.
(--- اعتبار التساوي، بخلاف الجراحات الأُخرى، أعني: السمحاق وهي الّتي تقطع اللحم وتبلغ الجلد الرقيق الّذي بين اللحم والعظم ويغشّي العظم. فإنّ اختلاف الرؤوس يمنع عن اعتبار التساوي في العمق، فلو كان المجنيّ عليه لحميّاً دون الجاني فاعتبار المساواة في العمق ربّما يوجب تجاوز الجناية إلى خرق الجلد، وهكذا الموضحة فإنّ اعتبار التساوي ربما يوجب الدخول في العظم، فلذلك اعتبر المصنّف التساوي في الثلاثة الأُولى دون الأخيرتين.
وهناك نكتة نلفت نظر الدارس إليها وهي: أنّ الشجاج يطلق على الجرح في الرأس والوجه، واعتبار العمق في الرأس يحتاج إلى دقّة لعدم وجود اللحم الغليظ في الرأس، نعم اعتباره في الوجه واضح. واللَّه العالم.
المسألة 9. لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أو طرف، وكذا فيما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ونقيصة كالجائفة والمأمومة، ويثبت في كلّ جرح لا تغرير في أخذه بالنفس وبالطرف وكانت السلامة معه غالبة فيثبت في الحارصة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة، ولا يثبت في الهاشمة ولا المنقّلة ولا لكسر شيء من العظام، وفي رواية صحيحة إثبات القود في السن والذراع، إذا كسرا عمداً، والعامل بها قليل.^
^في معنى الهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة
لنذكر المصطلحات الواردة في هذه المسألة ثم نتطرّق إلى دراسة المسألة:
1. الهاشمة وهي الّتي تهشم العظم وتكسره.
2. المنقّلة وهي التي تنقل العظم من الموضع الّذي خلقه اللَّه تعالى فيه إلى موضع آخر.
3. المأمومة وهي التي تبلغ أُمّ الدماغ.
4. الجائفة وهي الّتي تصل الجوف بطعنة أو رمية ولا تختصّ بما يدخل جوف الدماغ، بل تعم الداخل في الصدر والبطن.
في المسألة فرعان:
1. لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أوطرف أو ما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة.
2. يثبت القصاص في غير هاتين الصورتين إذا كانت السلامة فيه---)
(--- غالبة.
وإليك بيان الفرعين:
الفرع الأوّل: هل يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أو طرف؟
إذا كان هناك تزاحم بين استيفاء الحق وبقاء نفس المجنيّ عليه، يقدّم ا لثاني على الأوّل؛ لأنّ الثاني لا بدل له بخلاف الأوّل، وقد قرّر في باب التزاحم أنّه إذا كان في المقام تزاحم بين شيئين: أحدهما له بدل والآخر لا بدل له، يقدّم الثاني على الأوّل. مثلًا: إذا كان له ماء واحد وهو بحاجة إلى الطهارة الخبثية في الثوب والبدن، والطهارة الحدثية في النفس، تقدّم الأُولى على الثانية؛ لأنّ للطهارة الحدثية بدلًا وهو التيمّم، دون الخبثية.
وعلى هذا فلو كان في القصاص مظنّة تغرير بنفس أو بطرف ينتقل إلى الدية أو الأرش.
ومنه يُعلم ما إذا لم يكن فيه تغرير بالنفس والطرف ولكن لا وثوق فيه باستيفاء المثل.
وعلى هذا فلا قصاص في الجائفة والمأمومة؛ لأنّ فيهما تغريراً بالنفس، كما لا قصاص في الهاشمة ولا في المنقّلة ولا في كسر شيء من العظام؛ لأنّ فيهما تغريراً بالطرف حيث لا وثوق باستيفاء المثل.
ويؤيّد ذلك ما في مقطوعة أبان: «الجائفة ما وقعت في الجوف ليس لصاحبها قصاص إلّاالحكومة، والمنقّلة تنقل منها العظام، وليس فيها قصاص إلّاالحكومة، وفي المأمومة ثلث الدية ليس فيها قصاص، إلّا---)
(--- الحكومة»[1].
الفرع الثاني: هل يثبت القصاص إذا كانت السلامة غالبة؟
يثبت القصاص فيما ليس فيه تغرير بنفس أو بطرف، وكان الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة أمراً ممكناً، وذلك كالحارصة والدامية والمتلاحمة والسمحاق والموضحة.
واستدلّ على ذلك بما رواه إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللطمة- إلى أن قال:- وأمّا ما كان من جراحات في الجسد فإنّ فيها القصاص، أو يقبل المجروحُ ديةَ الجراحة فيعطاها»[2].
نعم نقل عن الشيخين وغيرهما إثبات القود في السنّ والذراع إذا كُسرا عمداً. وقد استدلّوا على ذلك بصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
سألته عن السنّ والذراع يكسران عمداً، لهما أرش، أو قود؟ فقال: «قود»، قال:
قلت: فإن أضعفوا الدية؟ قال: «إن أرضوه بما شاء فهو له»[3].
وقد حملها السيد الخوئي على ما لا يرجى صلاحه، وإلّا فيردّ علمها إلى أهله.[4]
وعلى كلّ تقدير فهذه الرواية لم يعمل بها أكثر الفقهاء، وبعيدة عن مرونة أحكام الإسلام.
[1]. الوسائل: 19، الباب 16 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1؛ ولاحظ الحديث 2.
[2]. الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 5.
[3]. الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 4.
[4]. مباني تكملة المنهاج: 2/ 158 كذا ما في المصدر، ولعلّ الصحيح: ما يُرجى صلاحه واندماله.
المسألة 10. هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية؟ قيل: لا، لعدم الأمن من السراية الموجبة لدخول الطرف في النفس، والأشبه الجواز، وفي رواية: لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ، وفي دلالتها نظر، والأحوط الصبر سيّما فيما لا يؤمن من السراية. فلو قطع عدة من أعضائه خطأ هل يجوز أخذ دياتها ولو كانت أضعاف دية النفس، أو يقتصر على مقدار دية النفس حتّى يتّضح الحال، فإن اندملت أخذ الباقي وإلّا فيكون له ما أخذ لدخول الطرف في النفس؟ الأقوى جواز الأخذ ووجوب الإعطاء، نعم لو سرت الجراحات يجب إرجاع الزائد على النفس.^
^ في المسألة فرعان أحدهما في القصاص، والآخر في الدية ولم يعلم وجه الجمع بينهما.
1. هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية؟
2. لو قطع عدّة من أعضاء رجل خطأً، هل يجوز أخذ دياتها ولوكان أضعاف دية النفس؟
وإليك دراسة الفرعين:
الأوّل: هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية، أو لا؟
وموضوع هذا الفرع هو الجناية العمدية، وقد ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى عدم الجواز معلّلًا بأنّه لا يؤمن من السراية الموجبة---)
(--- لدخول قصاص الطرف في قصاص النفس، وقال في «الخلاف» بالجواز مع استحباب الصبر، ووصفه في الشرائع بكونه أشبه.[1]
وإليك كلام الشيخ في كتابيه: قال في «المبسوط»: يجوز القصاص في الموضحة قبل الاندمال عند قوم، وقال قوم لا يجوز إلّابعد الاندمال، وهو الأحوط عندنا، لأنّها ربّما صارت نفساً.[2]
وقال في «الخلاف»: إذا قطع يد رجل، كان للمجنيّ عليه أن يقتصّ من الجاني في الحال والدم جار، ولكنّه يستحب له أن يصبر لينظر ما يكون منها من اندمال أو سراية.[3]
فقد استدلّ للقول الأوّل بوجهين:
1. إمكان السراية الموجب لدخول الطرف في النفس، فيقع الاستيفاء السابق بغير حقّ.
2. ما في موثّقة إسحاق عن جعفر عليه السلام: «أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول: لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ»[4]. وفيها احتمالات:
1. ما إذا علم حدّ الجناية وعدم سرايتها إلى النفس، فهو خارج عن مصب الرواية، لعدم ترتّب الأثر على الصبر، فيقتص من الجاني قبل الاندمال.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 235.
[2]. المبسوط: 7/ 75.
[3]. الخلاف: 5/ 196، المسألة 65.
[4]. الوسائل: 19، الباب 42 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.