(--- هذا كلّه في الشجّة، وأمّا في غيرها فيلاحظ العمق، وبما أنّ سياق كلامهما في الشجّة فلم يذكرا العمق. وقد مرّ الكلام في اعتبار العمق فيه فلاحظ.
ثم إنّ تعيين الحدود على النحو المذكور شيء جميل بالنسبة إلى العصور السابقة، وأمّا اليوم فيمكن الوصول إلى مقدار الجرح عرضاً وطولًا وعمقاً عن طريق الأجهزة الحديثة.
3. إذا شقّ على الجاني الاستيفاء دفعة يجوز الاستيفاء بدفعات بشرط رضا المجنيّ عليه؛ ولأنّ ذلك يورث التأخير في القصاص ولا يجوز تأخير الحدّ المطالَب فلا يجوز بلا رضاه، وكون القصاص دفعة شاقاً على الجاني لا يسوّغ التأخير.
المسألة 12. لو اضطرب الجاني فزاد المقتصّ في جرحه لذلك، فلا شيء عليه؛ ولو زاد بلا اضطراب أو بلا استناد إلى ذلك، فإن كان عن عمد يقتصّ منه، وإلّا فعليه الدية أو الأرش. ولو ادّعى الجاني العمد وأنكره المباشر فالقول قوله، ولو ادّعى المباشر الخطأ وأنكر الجاني قالوا:
القول قول المباشر، وفيه تأمّل.^
^لو اضطرب الجاني فزاد المقتصّ في جراحه
في المسألة فرعان:
1. إذا زاد المقتصّ في جرحه فلا يخلو من صورتين:
الأُولى:أن تكون الزيادة مستندة لاضطراب الجاني، ومن المعلوم أنّه لا شيء على المقتصّ، لاستنادها إلى إضطراب الجاني.
الثانية:أن تكون الزيادة مستندة إلى المقتصّ فهو بين عمد فيقتصّ منه، وخطأ فيطالب بالدية أو الأرش.
2. لو اختلف الجاني والمباشر فقد ذكر المصنّف له صورتين:
الأُولى:أن يدّعي الجاني العمد وينكره المباشر، فقال: القول قول المباشر.
ووجهه: هو أنّ الجاني يدّعي شيئاً بعنوان الزيادة العمدية على المباشر وهو ينكره، فالقول قوله بيمينه.
الثانية:لو ادّعى المباشر الخطأ وأنكر الجاني، فالمشهور أنّ هذه---)
(--- الصورة كالصورة السابقة حيث يقدّم قول المباشر، ولكن المصنّف تأمّل فيها.
أمّا وجه قول المشهور فهو انطباق ما هو الملاك في تشخيص المدّعي عن المنكر على الجاني والمباشر، حيث إنّ الميزان هو أنّ المدّعي هو من لو تَرك لتُرِك، وهو في المقام كذلك؛ لأنّ الجاني لو انصرف عن دعواه، لترك الأمر حيث إنّ المباشر يعترف بالخطأ، وبالتالي بالدية أو الأرش.
وأمّا وجه تأمّل المصنّف فهو أنّ المباشر يدّعي الزيادة عن خطأ، والجاني ينكره ولكن لا يدّعي شيئاً.
يلاحظ عليه:أنّ المباشر وإن كان يدّعي الزيادة عن خطأ، والجاني ينكره ولا يدّعي في الظاهر شيئاً ولكن الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر، هو نتيجة الدعوى، فإن الجاني وإن كان يرد ادّعاء المباشر- أعني: الزيادة الخطأية- ولكنّه لغاية إثبات الزيادة العمدية، وإلّا فلو لم يكن لتلك الغاية لم يكن هناك أي دعوى، وعلى ذلك فالميزان هو ما قلنا من أنّ المدّعي عبارة عمّن لو تُرك لتَرك، فالجاني لو ترك لترك النزاع.
وقد مرّ الكلام في نظير المقام سابقاً، فلاحظ.
المسألة 13. يؤخّر القصاص في الطرف عن شدّة الحر والبرد وجوباً إذا خيف من السراية، وإرفاقاً بالجاني في غير ذلك؛ ولو لم يرض في هذا الفرض المجنيُّ عليه، ففي جواز التأخير نظر.^
^تأخير القصاص في الطرف بسبب شدة الحر والبرد
يؤخّر استيفاء القصاص في الأطراف من شدّة الحر والبرد إلى اعتدال النهار وجوباً، خوفاً من السراية إلى النفس، واستحباباً إرفاقاً بالجاني.
إنّما الكلام فيما لو لم يرض المجنيّ عليه بالتأخير، فهل يجوز التأخير أو لا؟
وقد تنظّر فيه المصنّف، وجهه: ما دلّ على عدم جواز تأخير الحدّ المطالَب. والظاهر جوازه؛ لأنّ المتبادر من التأخير هو التسامح والمماطلة، لا تأخيره بضع ساعات لصالح الجاني.
هذا كلّه في اقتصاص الطرف، وأمّا في إزهاق النفس فالظاهر عدم الفرق بين الحرّ والبرد وحالة الاعتدال.
المسألة 14. لا يقتصّ إلّابحديدة حادّة غير مسمومة ولا كالّة، مناسبة لاقتصاص مثله، ولا يجوز تعذيبه أكثر ممّا عذبه، فلو قلع عينه بآلة كانت سهلة في القلع لا يجوز قلعها بآلة كانت أكثر تعذيباً، وجاز القلع باليد إذا قلع الجاني بيده أو كان القلع بها أسهل، والأولى للمجنيّ عليه مراعاة السهولة، وجاز له المماثلة، ولو تجاوز واقتصّ بما هو موجب للتعذيب وكان أصعب ممّا فعل به فللوالي تعزيره، ولا شيء عليه، ولو جاوز بما يوجب القصاص اقتصّ منه، أو بما يوجب الأرش أو الدية أُخذ منه.^
^الاقتصاص يكون بالآلة الحادّة غير المسمومة ولا الكالّة
الأساس في هذه المسألة هو حرمة التعذيب الزائد، فقوله سبحانه:«الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»إلى آخر الآية[1]وإن كان مطلقاً لكنّه من المعلوم أنّ التعذيب الزائد يخالف الاعتداء بالمثل، فيجب أن يكون الاستيفاء في الطرف مثل الاستيفاء بالنفس.
وعلى هذا فلا يجوز تعذيبه أكثر ممّا عذبه، وتترتّب عليه الفروع التالية:
1. لو قلع عينه بآلة كانت سهلة في القلع لا يجوز قلعها بآلة كانت أكثر تعذيباً.
2. لو قلع الجاني عينه بيده، يجوز للمجنيّ عليه قلعها باليد.
3. لو كان القلع بآلة أسهل، يجب على المجنيّ عليه مثله.---)
[1]. المائدة: 45.
(--- هذا كلّه حسب القواعد، لكن مراعاة الإرفاق والسهولة أفضل من المماثلة في التعذيب وأقرب إلى روح التسامح في الإسلام، إذ في العفو لذة غير موجودة في القصاص.
4. لو تجاوز واقتصّ بما يوجب التعذيب فهنا وجوه، فإن كان أصعب ممّا فعل به، فللوالي تعزيره، بشرط أن لا يوجب القصاص، وإلّا اقتصّ منه إذا كان قابلًا للقصاص، أو ينتقل إلى الأرش والدية إذا لم يكن كذلك.
ثمّ إنّ الأولى للمصنّف أن يبتدئ المسألة بقوله: «لا يجوز تعذيب المجنيّ عليه أكثر ممّا عذّبه»، وأمّا ما تقدّمه فليس أمراً لازم الذكر في المقام، وقد مرّ التنويه عليه في مبحث القول في كيفية الاستيفاء عند قصاص النفس (المسألتين: 10 و 11) فلاحظ. وكون المورد في السابق، قصاص النفس وفي المقام قصاص الطرف، لا يبرّر التكرار.
المسألة 15. لوكان الجرح يستوعب عضو الجاني مع كونه أقل في المجنيّ عليه لكبر رأسه مثلًا كأن يكون رأس الجاني شبراً ورأس المجنيّ عليه شبرين وجنى عليه بشبر يقتصّ الشبر، وإن استوعبه.
وإن زاد [الجرح] على العضو كأن جنى عليه في الفرض بشبرين لا يتجاوز عن عضو بعضو آخر، فلا يقتصّ من الرقبة أو الوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض، ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر وإلّا فالحكومة؛ وكذا لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من [ذلك] العضو، ولو انعكس وكان عضو المجنيّ عليه صغيراً فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه مثلًا لا يستوعب في القصاص رأس الجاني، بل يقتصّ بمقدار شبر، وإن كان الشبر نصف مساحة رأسه.^
^لو تعلّق القصاص بمقدار الجراحة طولًا وعرضاً وعمقاً
أساس هذه المسألة هو أنّ موضوع القصاص تارة يكون هو العضو، كما في قوله:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ»[1]،لا مقدار الجناية، ففي هذا النوع لا يلاحظ كبر العضو وصغره من المجنيّ عليه والجاني، بل يجري القصاص، سواء أكان العضوان متساويين أم مختلفين.
وأُخرى يكون موضوع القصاص مقدار الجراحة من حيث الطول---)
[1]. المائدة: 45.
(--- والعرض والعمق، كما في المقام، فإنّ القصاص في الشجّة إنّما هو بهذا الملاك، فتترتّب على ذلك، الفروع التالية:
1. لو كان رأس المجنيّ عليه شبرين، ورأس الجاني شبراً- مثلًا- وكان طول الجراحة شبراً واحداً، فحينئذٍ يقتصّ بالشبر وان استوعب تمام رأس الجاني.
2. نفس الفرض السابق ولكن جنى عليه بشبرين فعندئذٍ لا يتجاوز من الرأس إلى الرقبة والوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر، وإلّا فالحكومة.
وجهه: أنّ موضع الجناية هو الرأس فليس للمجنيّ عليه أن يتجاوز من الرأس إلى غيره، كالناصية والأُذن أو الوجه فإنّها ليست من الرأس، غاية الأمر يجمع بين الحقّين وهو أنّه يقتصّ من الرأس بما أمكن وأمّا الزائد فيرجع فيه على الجاني بالدية إن كان فيه دية مقدّرة، وإلّا فالحكومة (الأرش)، وكذلك لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من ذلك العضو كما إذا كانت الجناية طولياً في عرض قليل تستغرق رأس الجاني ويزيد فلا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من ذلك العضو بإيجاد جرح في جانب آخر من الرأس.[1]
نعم روى الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن الموضحة في الرأس كما هي في الوجه؟ فقال: «الموضحة والشجاج في---)
[1]. ثمّ إنّ الأولى في كلام المصنّف حذف قوله:« وكذا» وتقديم قوله:« لا يجوز الخ» على قوله:« ويؤخذ للباقي».