(--- 3. يقتصّ من الجميع بشرط ردّ دية الخرم متمسكاً بعموم:«الأُذُنَ بِالأُذُنِ». وهو خيرة المحقّق، ولم يستبعده الماتن. ويؤيّده ما روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في مَن قطع أصابع رجل بالسيف حتّى سقطت وأتى آخر فأطار كف يده، فقال أبو جعفر عليه السلام: «اقطع يد قاطع الكف أصلًا ثم اعطه دية الأصابع».[1]
وهنا وجه آخر وهو:
4. الانتقال إلى الدية. ونسبه في الجواهر إلى غيرنا.[2]
والظاهر هو الوجه الثالث لما عرفت من العموم، غاية الأمر يرد دية الخرم الموجود في المجنيّ عليه دون الجاني. وإذا قلنا به في المقام فالنتيجة جريانه في أمثال ذلك في غير الأُذن أيضاً.
نعم لو قطع بعض الأُذن جاز الاقتصاص بمثله كما أشار إليه في آخر المسألة.
[1]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 285.
المسألة 19. لو قطع أُذنه فألصقها المجنيّ عليه والتصقت فالظاهر عدم سقوط القصاص، ولو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين، وقيل يأمر الحاكم بالإبانة لحمله الميّتة والنجس، وفي الرواية ضعف، ولو صارت بالإلصاق حيّة كسائر الأعضاء لم تكن ميّتة، وتصح الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم، وإلّا فالدية، ولو قطع بعض الأذن ولم يبنها فإن أمكنت المماثلة في القصاص ثبت وإلّا فلا، وله القصاص ولو مع إلصاقها [أي مع إلصاق المجنيّ عليه].^
^ في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو قطع أُذن شخص فألصقها المجنيّ عليه والتصقت، هل يسقط القصاص من الجاني أو لا؟
2. لو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت، هل يؤمر بالإبانة أو لا؟
3. لو قطع بعض الأُذن ولم يبنها.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى أمر، وهو أنّه نقل عن الشافعي أنّه يجب على الحاكم في الصورتين الأُوليين أن يجبره على قطعها؛ لأنّه حامل نجاسة، لأنّها بالبينونة صارت ميّتة فلا تصحّ صلاته ما دامت هي معه.[1]---)
[1]. الخلاف: 5/ 201، المسألة 72.
(--- والظاهر أنّه خلاف الفرض؛ لأنّ المفروض هو التحام المقطوع بالأصل لأجل السرعة في الالتصاق بحيث يجري الدم فيه فيعدّ جزءاً للحيّ، فلا يجوز لأحد إبانتها لأنّها صارت جزءاً له، ولو فرض أنّ أحداً قطع جزء من أمعائه ولكن أُلصقت بأمعائه إمعاء حيوان نجس العين فالتحمت فلا يحكم عليها بالميّتة، ولا أنّها جزء حيوان نجس العين؛ لأنّها بعد الالتحام تصير جزءاً من بدن الإنسان، فيحكم عليها بالطهارة، ونظيره عملية تبديل القلب المريض بقلب إنسان قد مات، وهو أمر شائع هذه الأيام.
ولذلك يقول المصنّف في المتن: ولو صارت بالإلصاق حيّة كسائر الأعضاء لم تكن ميّتة وتصحّ الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم، وإلّا فالدية.
إذا علمت هذا فلنرجع إلى دراسة الفروع:
الأوّل: لو قطع إذن إنسان فألصقها المجنيّ عليه والتصقت
فيقع الكلام في سقوط القصاص وعدمه، والظاهر عدم سقوطه؛ لأنّه جنى جناية وقطع أُذنه، فعليه أن يُعتدى عليه بالمثل. وأنّ إلصاق المجنيّ عليه وإن رفع الشين وصار مع الجاني متماثلين لكنّه لا يوجب سقوط القصاص لأجل جناية جَني عليه وقُطِع أُذنه، سواء بقي المجنيّ عليه على شينه أم لا.
وفي «الجواهر» لم ينقل الخلاف إلّامن الإسكافي لوجود المقتضي الّذي لا دليل على عدم اقتضائه بالإلصاق الطارئ.[1]---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 365.
(---
الفرع الثاني: لو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت
ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين، وهي رواية إسحاق بن عمّار.
روى الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: «أنّ رجلًا قطع من بعض أُذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى عليّ عليه السلام فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أُذنه فردّه على أذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى عليّ عليه السلام فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت، وقال عليه السلام:
إنّما يكون القصاص من أجل الشين»[1].
وقد وصف المصنّف الرواية بالضعف، ولكن لا ضعف فيها، فأمّا الحسن بن موسى الخشّاب فقد قال عنه النجاشي: من وجوه أصحابنا مشهور، كثير العلم والحديث.
ولو كان في الرواية ضعف فإنّما هو من جانب غياث بن كلوب البجلي، قال الطوسي في العدّة: إنّه من العامّة، ولكن عملت الطائفة بأخباره إذا لم يكن لها معارض من طريق الحق، وقال المجلسي في الوجيزة: ضعيف، وقيل: ثقة غير إمامي، له 64 رواية عن إسحاق بن عمّار، فالضعف في السند غير ظاهر ولعلّه لأجل إسحاق بن عمّار حيث إنّ سيدنا كان يقول في وصفه: في النفس منه شيء، إنّما الكلام في العمل بالرواية، فلو عمل بالرواية فهو، وإلّا فلا---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 23 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
(--- وجه لإبانة ما أُلصق بعد تحقّق القصاص، خصوصاً إذا قام المجنيّ عليه بمثل ما قام به الجاني، إذ عندئذٍ يكونان متماثلين بعد تحقّق القصاص.
ولكن الظاهر من الرياض أنّ ضعف الخبر- على فرض وجوده- منجبر بعمل الأصحاب فترك الرواية أمر مشكل. اللّهمّ إلّاأن يفرّق بين حقوق الناس وحقوق اللَّه، بأنّ إجراء القصاص في الأوّل لأجل الانتقام، وقد حصل بالقطع وحصل الإيذاء، بخلاف الثاني فإنّ الغاية من قطع يد السارق إيجاد الشين لغاية عبرة الآخرين فلا يجوز له الإلصاق.
وهنا فرع آخر ذكره المحقّق وهو أنّه لو قطعت أُذن إنسان فاقتصّ من الجاني، ثم ألصقها المجنيّ عليه، كان للجاني إزالتها لتحقّق المماثلة في تشويه الخلقة.[1]
أقول: أوّلًا:الفرض بعيد جداً؛ لأنّ الفاصل الزماني- كما هو المفروض- يمنع عن الالتحام، كما هو المسموع من الأطباء.
وثانياً:إنّ استنباط حكم هذاالفرع من الرواية بعيد؛ لأنّ موردها القصاص من الجاني فيمنع من الإلصاق لحفظ الشين، بخلاف المقام فإنّ الاقتصاص من جانب المجنيّ عليه الذي ظلم، فلا يصح التعدّي من منع الظالم عن الإلصاق، إلى منع المظلوم عنه، فلاحظ.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 235- 236.
(---
الفرع الثالث: لو قطع بعض الأذن- شحمتها- ولم يبنها
فلو أمكنت المماثلة في القصاص ثبت وإلّا فلا، لما مرّ من أنّ موضع القصاص عبارة عمّا إذا تمكّن المقتصّ من الاستيفاء بالمثل، وإلّا لو تعسّر فينتقل إلى الدية أو الحكومة.
ولو افترضنا أنّه قطعها فتعلّقت بجلدة ثم ألصقها المجنيّ عليه، ثبت القصاص؛ لأنّ المماثلة في مقدار القطع ممكنة، فيندرج في جميع ما دلّ عليه، وإلى هذا يشير المصنّف بقوله: وله القصاص ولو مع إلصاقها، أي مع إلصاق المجنيّ عليه، كما مرّ في الفرع الأوّل.
المسألة 20. لو قطع أُذنه فأزال سمعه فهما جنايتان، ولو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء ففي القصاص إشكال، بل لا يبعد ثبوت ثلث الدية.^
^ في المسألة فرعان:
1. إذا قطع أُذنه فأزال سمعه.
2. لو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء. وإليك دراستهما.
الفرع الأوّل: لو قطع أُذنه فأزال سمعه
فلو قطع أُذنه فأزال سمعه، فقد جنى جنايتين: إحداهما: قطع العضو، والثانية: إذهاب السمع؛ فلو أراد الاقتصاص فيقتصّ بقطع الأُذن أوّلًا وبإذهاب السمع كما يأتي في إذهاب ضوء العين، فلو أراد الدية فيأخذ ديتين.
الفرع الثاني: لو قطع أُذناً مستحشفة
فلو كانت الأُذن المقطوعة مستحشفة- أي إذا كانت يابسة منقبضة[1]- شلّاء، فهل تقطع بها الصحيحة؟
قال العلّامة: وهل يستوي الصحيح والمستحشف؟ فيه إشكال كالأُذن[2].
والظاهر عدم الاقتصاص، لإلغاء الخصوصية من النصّ الوارد في اليد الشلّاء، فينتقل إلى الدية، وأمّا ما هو مقدار الدية؟ ففي «المبسوط»: عندنا 2
[1]. راجع كتاب« العين»: 3/ 96، مادة« حشف».
[2]. قواعد الأحكام: 3/ 640.
المسألة 21. يثبت القصاص في العين، وتقتصّ مع مساواة المحلّ، فلا تقلع اليمنى باليسرى ولا بالعكس، ولو كان الجاني أعور اقتصّ منه وإن عمي، فإنّ الحق أعماه، ولا يرُدّ شيءٌ إليه ولو كانت ديتها دية النفس إذا كان العور خلقة أو بآفة من اللَّه تعالى، ولا فرق بين كونه أعور خلقة أو بجناية أو آفة أو قصاص، ولو قلع أعور العين الصحيحة من أعور يقتصّ منه.^
(--- يجب على من قطعها بعد الشلل ثلث الدية لا تمام الدية.[1]
ولعلّ الوجه في ذلك قياسها باليد الشلّاء[2].
^القصاص في العين
في المسألة فروع:
الأوّل: جواز الاقتصاص في العين مع المساواة في المحلّ.
الثاني: إذا كان الجاني أعور، فهل يقتصّ من عينه الصحيحة؟
الثالث: إذا كان الجاني والمجنيّ عليه أعورين.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: يدلّ على جواز القصاص في العين قوله سبحانه:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»وكذا الروايات الواردة حول الاقتصاص في العين، ولكن يشترط---)
[1]. المبسوط: 7/ 125.
[2]. لاحظ: الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.