(---
الفرع الثاني: لو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت
ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين، وهي رواية إسحاق بن عمّار.
روى الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: «أنّ رجلًا قطع من بعض أُذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى عليّ عليه السلام فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أُذنه فردّه على أذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى عليّ عليه السلام فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت، وقال عليه السلام:
إنّما يكون القصاص من أجل الشين»[1].
وقد وصف المصنّف الرواية بالضعف، ولكن لا ضعف فيها، فأمّا الحسن بن موسى الخشّاب فقد قال عنه النجاشي: من وجوه أصحابنا مشهور، كثير العلم والحديث.
ولو كان في الرواية ضعف فإنّما هو من جانب غياث بن كلوب البجلي، قال الطوسي في العدّة: إنّه من العامّة، ولكن عملت الطائفة بأخباره إذا لم يكن لها معارض من طريق الحق، وقال المجلسي في الوجيزة: ضعيف، وقيل: ثقة غير إمامي، له 64 رواية عن إسحاق بن عمّار، فالضعف في السند غير ظاهر ولعلّه لأجل إسحاق بن عمّار حيث إنّ سيدنا كان يقول في وصفه: في النفس منه شيء، إنّما الكلام في العمل بالرواية، فلو عمل بالرواية فهو، وإلّا فلا---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 23 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
(--- وجه لإبانة ما أُلصق بعد تحقّق القصاص، خصوصاً إذا قام المجنيّ عليه بمثل ما قام به الجاني، إذ عندئذٍ يكونان متماثلين بعد تحقّق القصاص.
ولكن الظاهر من الرياض أنّ ضعف الخبر- على فرض وجوده- منجبر بعمل الأصحاب فترك الرواية أمر مشكل. اللّهمّ إلّاأن يفرّق بين حقوق الناس وحقوق اللَّه، بأنّ إجراء القصاص في الأوّل لأجل الانتقام، وقد حصل بالقطع وحصل الإيذاء، بخلاف الثاني فإنّ الغاية من قطع يد السارق إيجاد الشين لغاية عبرة الآخرين فلا يجوز له الإلصاق.
وهنا فرع آخر ذكره المحقّق وهو أنّه لو قطعت أُذن إنسان فاقتصّ من الجاني، ثم ألصقها المجنيّ عليه، كان للجاني إزالتها لتحقّق المماثلة في تشويه الخلقة.[1]
أقول: أوّلًا:الفرض بعيد جداً؛ لأنّ الفاصل الزماني- كما هو المفروض- يمنع عن الالتحام، كما هو المسموع من الأطباء.
وثانياً:إنّ استنباط حكم هذاالفرع من الرواية بعيد؛ لأنّ موردها القصاص من الجاني فيمنع من الإلصاق لحفظ الشين، بخلاف المقام فإنّ الاقتصاص من جانب المجنيّ عليه الذي ظلم، فلا يصح التعدّي من منع الظالم عن الإلصاق، إلى منع المظلوم عنه، فلاحظ.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 235- 236.
(---
الفرع الثالث: لو قطع بعض الأذن- شحمتها- ولم يبنها
فلو أمكنت المماثلة في القصاص ثبت وإلّا فلا، لما مرّ من أنّ موضع القصاص عبارة عمّا إذا تمكّن المقتصّ من الاستيفاء بالمثل، وإلّا لو تعسّر فينتقل إلى الدية أو الحكومة.
ولو افترضنا أنّه قطعها فتعلّقت بجلدة ثم ألصقها المجنيّ عليه، ثبت القصاص؛ لأنّ المماثلة في مقدار القطع ممكنة، فيندرج في جميع ما دلّ عليه، وإلى هذا يشير المصنّف بقوله: وله القصاص ولو مع إلصاقها، أي مع إلصاق المجنيّ عليه، كما مرّ في الفرع الأوّل.
المسألة 20. لو قطع أُذنه فأزال سمعه فهما جنايتان، ولو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء ففي القصاص إشكال، بل لا يبعد ثبوت ثلث الدية.^
^ في المسألة فرعان:
1. إذا قطع أُذنه فأزال سمعه.
2. لو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء. وإليك دراستهما.
الفرع الأوّل: لو قطع أُذنه فأزال سمعه
فلو قطع أُذنه فأزال سمعه، فقد جنى جنايتين: إحداهما: قطع العضو، والثانية: إذهاب السمع؛ فلو أراد الاقتصاص فيقتصّ بقطع الأُذن أوّلًا وبإذهاب السمع كما يأتي في إذهاب ضوء العين، فلو أراد الدية فيأخذ ديتين.
الفرع الثاني: لو قطع أُذناً مستحشفة
فلو كانت الأُذن المقطوعة مستحشفة- أي إذا كانت يابسة منقبضة[1]- شلّاء، فهل تقطع بها الصحيحة؟
قال العلّامة: وهل يستوي الصحيح والمستحشف؟ فيه إشكال كالأُذن[2].
والظاهر عدم الاقتصاص، لإلغاء الخصوصية من النصّ الوارد في اليد الشلّاء، فينتقل إلى الدية، وأمّا ما هو مقدار الدية؟ ففي «المبسوط»: عندنا 2
[1]. راجع كتاب« العين»: 3/ 96، مادة« حشف».
[2]. قواعد الأحكام: 3/ 640.
المسألة 21. يثبت القصاص في العين، وتقتصّ مع مساواة المحلّ، فلا تقلع اليمنى باليسرى ولا بالعكس، ولو كان الجاني أعور اقتصّ منه وإن عمي، فإنّ الحق أعماه، ولا يرُدّ شيءٌ إليه ولو كانت ديتها دية النفس إذا كان العور خلقة أو بآفة من اللَّه تعالى، ولا فرق بين كونه أعور خلقة أو بجناية أو آفة أو قصاص، ولو قلع أعور العين الصحيحة من أعور يقتصّ منه.^
(--- يجب على من قطعها بعد الشلل ثلث الدية لا تمام الدية.[1]
ولعلّ الوجه في ذلك قياسها باليد الشلّاء[2].
^القصاص في العين
في المسألة فروع:
الأوّل: جواز الاقتصاص في العين مع المساواة في المحلّ.
الثاني: إذا كان الجاني أعور، فهل يقتصّ من عينه الصحيحة؟
الثالث: إذا كان الجاني والمجنيّ عليه أعورين.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: يدلّ على جواز القصاص في العين قوله سبحانه:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»وكذا الروايات الواردة حول الاقتصاص في العين، ولكن يشترط---)
[1]. المبسوط: 7/ 125.
[2]. لاحظ: الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
(--- اتّحاد المحلّ، أي اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى لا مع اختلافه، أخذاً بالمماثلة في الاعتداء.
الفرع الثاني:لو كان الجاني أعورَ (وهو الّذي ذهب حسُّ إحدى عينيه)، وكان المجنيّ عليه سالماً، فيقتصّ من عينه الصحيحة، وإن أوجب ذلك عماه، ولا يُعدّ ذلك ظلماً؛ فقد روى محمّد بن قيس، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أعور فقأ عين صحيح؟ فقال: «تفقأ عينه»، قال: قلت: يبقى أعمى؟ قال: «الحقّ أعماه».
وروى نظيره أيضاً أبان، عن رجل، عن أبي عبداللَّه عليه السلام[1].
ويجوز القصاص حتّى فيما لو كانت ديتها (لو جنى عليها أحد) دية النفس وذلك فيما لو كان العوار خلقة أو بجناية أو آفة سماوية ففيه دية النفس، مع أنّ الدية في إحدى العينين نصف الدية، ولكن لمّا كان العوار أمراً خارجاً عن اختياره وكانت الجناية على العين الصحيحة منه، قد سببت صيرورته أعمى، صارت ديتها دية النفس. وسيأتي الكلام فيه في كتاب الديات.[2]نعم لو كان العوار لأجل القصاص، فدية العين السالمة نصف دية النفس.
الفرع الثالث:لو كان الجاني والمجنيّ عليه كليهما أعور، فقلع أحدهما العين الصحيحة من الثاني، يقتصّ منه، وذلك لأنّه جعل المجنيّ عليه أعمى، فيجازى بمثله من دون ردّ شيء.
[1]. الوسائل: 19، الباب 15 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1، ولاحظ ذيل الحديث.
[2]. لاحظ: تحرير الوسيلة: 2/ 515: كتاب الديات، القول في الجناية على الأطراف، الثاني: العينان، المسألة 2 وفيها: في العين الصحيحة من الأعور الدية كاملة إن كان العور خلقة، أو بآفة من اللَّه تعالى. وسندرس المسألة في كتاب الديات بإذن اللَّه.
المسألة 22. لو قلع ذو عينين عين أعور اقتصّ له بعين واحدة، فهل له مع ذلك الردّ بنصف الدية؟ قيل: لا، والأقوى ثبوته، والظاهر تخيير المجنيّ عليه بين أخذ الدية كاملة وبين الاقتصاص وأخذ نصفها، كما أنّ الظاهر أنّ الحكم ثابت فيما تكون لعين الأعور دية كاملة، كما كان خلقة أو بآفة من اللَّه، لا في غيره مثل ما إذا قلع عينه قصاصاً.^
^لو قلع ذو عينين عين أعور
في المسألة فروع:
الأوّل:للأعور الاقتصاص من ذي العينين، قال المحقّق: لو قلع ذو العينين العين الصحيحة من أعور، اقتصّ له بعين واحدة إن شاء، وهل له مع ذلك نصف الدية؟ قيل: لا، لقوله تعالى:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، وقيل: نعم، تمسّكاً بالأحاديث، والأوّل أولى.[1]
لا شكّ أنّ للأعور الاقتصاص من ذي العينين بعين واحدة، لقوله سبحانه:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، إنّما الكلام في أمر آخر وهو أنّ هذه الجناية سببت عمى الأعور، بخلاف قصاص الأعور من الصحيح- الذي مرّ الكلام فيه في المسألة السابقة- إذ أنّه تبقى له عين صحيحة، فصار ذلك سبباً لبحث أمر آخر وهو الفرع الآتي.
الفرع الثاني:هل يثبت مع القصاص وجوب ردّ نصف الدية إلى الأعور لأجل صيرورته أعمى أو لا؟---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 236.
(---قيل: لا، متمسّكاً بإطلاق الآية- أعني:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»- مطلقاً، سواء كان المجنيّ عليه أعور أو غيره.
يلاحظ عليه:بأنّ الآية في مقام بيان أنّ كلّ عضو في مقابل نفس العضو فالعين في مقابل العين لا الأُذن، وأمّا عدم وجوب شيء آخر فلا تدلّ عليه.
وقيل:نعم يردّ نصف الدية مضافاً إلى القصاص بالعين الواحدة متمسّكاً بالأحاديث.
والأوّل هو خيرة المحقّق، وأمّا الثاني فهو خيرة كثير من الأصحاب، وقد نقله في الجواهر عن: النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع والإيضاح وغاية المراد والمختصر وظاهر المقنع والمهذب البارع،[1]استناداً إلى الروايتين التاليتين:
1. صحيح محمد بن قيس، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعور أُصيبت عينه الصحيحة ففقئت، أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفى عن عين صاحبه»[2].
2. خبر عبد اللَّه بن الحكم عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور؟ فقال: «عليه الدية كاملة، فإن شاء الّذي فقئت عينه أن يقتصّ من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم، فعل، لأنّ له الدية كاملة وقد أخذ نصفها بالقصاص»[3].---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 368.
[2]. الوسائل: 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 4.