المسألة 22. لو قلع ذو عينين عين أعور اقتصّ له بعين واحدة، فهل له مع ذلك الردّ بنصف الدية؟ قيل: لا، والأقوى ثبوته، والظاهر تخيير المجنيّ عليه بين أخذ الدية كاملة وبين الاقتصاص وأخذ نصفها، كما أنّ الظاهر أنّ الحكم ثابت فيما تكون لعين الأعور دية كاملة، كما كان خلقة أو بآفة من اللَّه، لا في غيره مثل ما إذا قلع عينه قصاصاً.^
^لو قلع ذو عينين عين أعور
في المسألة فروع:
الأوّل:للأعور الاقتصاص من ذي العينين، قال المحقّق: لو قلع ذو العينين العين الصحيحة من أعور، اقتصّ له بعين واحدة إن شاء، وهل له مع ذلك نصف الدية؟ قيل: لا، لقوله تعالى:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، وقيل: نعم، تمسّكاً بالأحاديث، والأوّل أولى.[1]
لا شكّ أنّ للأعور الاقتصاص من ذي العينين بعين واحدة، لقوله سبحانه:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، إنّما الكلام في أمر آخر وهو أنّ هذه الجناية سببت عمى الأعور، بخلاف قصاص الأعور من الصحيح- الذي مرّ الكلام فيه في المسألة السابقة- إذ أنّه تبقى له عين صحيحة، فصار ذلك سبباً لبحث أمر آخر وهو الفرع الآتي.
الفرع الثاني:هل يثبت مع القصاص وجوب ردّ نصف الدية إلى الأعور لأجل صيرورته أعمى أو لا؟---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 236.
(---قيل: لا، متمسّكاً بإطلاق الآية- أعني:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»- مطلقاً، سواء كان المجنيّ عليه أعور أو غيره.
يلاحظ عليه:بأنّ الآية في مقام بيان أنّ كلّ عضو في مقابل نفس العضو فالعين في مقابل العين لا الأُذن، وأمّا عدم وجوب شيء آخر فلا تدلّ عليه.
وقيل:نعم يردّ نصف الدية مضافاً إلى القصاص بالعين الواحدة متمسّكاً بالأحاديث.
والأوّل هو خيرة المحقّق، وأمّا الثاني فهو خيرة كثير من الأصحاب، وقد نقله في الجواهر عن: النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع والإيضاح وغاية المراد والمختصر وظاهر المقنع والمهذب البارع،[1]استناداً إلى الروايتين التاليتين:
1. صحيح محمد بن قيس، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعور أُصيبت عينه الصحيحة ففقئت، أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفى عن عين صاحبه»[2].
2. خبر عبد اللَّه بن الحكم عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور؟ فقال: «عليه الدية كاملة، فإن شاء الّذي فقئت عينه أن يقتصّ من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم، فعل، لأنّ له الدية كاملة وقد أخذ نصفها بالقصاص»[3].---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 368.
[2]. الوسائل: 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 4.
(--- ويؤيّد ذلك صحيح الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «في عين الأعور الدية كاملة»[1].
ويؤيّده أيضاً خبر[2]أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «في عين الأعور الدية»[3].
ومن المعلوم أنّ الاقتصاص بعين واحدة استيفاء لنصف الدية، ولا يمكن رد النصف الثاني إلّابالاقتصاص من العين الأُخرى وهو اعتداء فينتقل إلى الدية، وبذلك يعلم قوّة ما في المتن حيث قال: والأقوى ثبوته.
الفرع الثالث:لو قلنا بوجوب ردّ نصف الدية فهل يتعيّن الاقتصاص بعين واحدة وردّ نصف الدية، أو يتخيّر المجنيّ عليه بين هذا وأخذ دية كاملة؟
والثاني هو الأقوى لرواية محمد بن قيس الماضية.
الفرع الرابع:ما ذكر من ردّ نصف الدية يختصّ بما إذا كانت العين عوراء خلقة أو ذهبت بآفة من جهة اللَّه، لا فيما إذا قلعت قصاصاً. قال الشيخ: في العين العوراء إذا كانت خلقة أو ذهبت بآفة من جهة اللَّه، الدية كاملة.[4]
وذلك لأنّ منصرف قوله: «في عين الأعور الدية كاملة» هو ما إذا كانت كذلك خلقة أو بآفة سماوية، لا ما إذا أُدب بقلع إحدى عينيه، إذ ليس في قلعها إلّا نصف الدية.
[1]. الوسائل: 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
[2]. لمكان علي بن أبي حمزة في السند.
[3]. الوسائل: 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3.
[4]. الخلاف: 5/ 235- 236، المسألة 22.
مسألة 23. لو قلع عيناً عمياء قائمة فلا يقتص منه، وعليه ثلث الدية.^
^لو قلع عيناً عمياء قائمة
كان الموضوع في السابق في الجناية على العين الصحيحة من الأعور بخلاف المقام فإنّ البحث في الجناية على العين العمياء منه، ثم إنّ العين القائمة كناية عن وجود جهاز في العين، دون نورها، احترازاً عمّا إذا لم يكن فيها جهاز، كما في المكفوفة منها، فتدبّر.
قال صاحب الجواهر: لو قلع عيناً عمياء قائمة، فلا قصاص لها من عين صحيحة، اتّفاقاً، لنقصها.[1]
وجهه ما تقدّم من اشتراط المماثلة بين العضوين، فالعين الباصرة الّتيترى كلّ شيء ليست مماثلة لعين قائمة ولكن لاترى شيئاً، ولأجل ذلك ينتقل إلى الدية.
إنّما الكلام في أنّ ديتها ثلث الدية أو الربع، وهذا ما يبحث عنه في كتاب الديات، وقد أحال إليه أيضاً صاحب الجواهر. واختار المصنّف القول بالثلث، ونحن نحيل القارئ إلى محلّه.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 371.
المسالة 24. لو أذهب الضوء دون الحدقة اقتصّ منه بالمماثل بما أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة، فيرجع إلى حذّاق الأطباء ليفعلوا به ما ذكر. وقيل في طريقه: يطرح على أجفانه قطن مبلول ثم تحمى المرآة وتقابل بالشمس ثم يفتح عيناه ويكلّف بالنظر إليها حتّى يذهب النظر وتبقى الحدقة. ولو لم يكن إذهاب الضوء إلّابإيقاع جناية أُخرى كالتسميل ونحوه، سقط القصاص وعليه الدية.^
^لو أذهب ضوء العين دون الحدقة
تشتمل المسألة على أمرين:
1. حكم من جنى جناية صارت نتيجتها ذهاب ضوء العين دون الحدقة، على نحو تكون العين قائمة تفتح وتغلق لكنه لا يرى بها شيئاً.
ومن المعلوم أنّه إذا تمكّن المجنيّ عليه من الاقتصاص بالمثل يتعيّن له ذلك، بشرط أن لا يتجاوز إلى عضو آخر.
2. ما هي الطريقة المتّبعة لاستيفاء هذا النوع من الاقتصاص دون أن يتجاوز إلى غيره؟
قال المحقّق: يُطرح على الأجفان قطن مبلول، ويقابل بمرآة محماة مواجهة للشمس حتّى تذهب الباصرة، وتبقى الحدقة.[1]
وقد استند في ذلك إلى رواية رفاعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنَّ---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 236.
(--- عثمان أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه فأنزل الماء فيها وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً، فقال له: أعطيك الدية، فأبى، قال: فأرسل بهما إلى عليّ عليه السلام وقال: احكم بين هذين، فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتّى أعطوه ديتين، قال: فقال: ليس أُريد إلّاالقصاص، قال: فدعا علي عليه السلام بمرآة فحماها، ثمّ دعا بكرسف فبله، ثم جعله على أشفار عينيه وعلى حواليها، ثم استقبل بعينه عين الشمس، قال: وجاء بالمرآة، فقال: انظر، فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة وذهب البصر».[1]
وفي السند سليمان بن الدهان له رواية واحدة في «الكافي» عن ابن فضّال (الحسن بن علي بن فضال) الذي هو من أصحاب الإجماع وهي هذه الرواية. ويظهر من «الخلاف» العمل بها لكن بشكل آخر قال: فإنّه يبل قطن ويترك على الأشفار ويقرب مرآة محماة بالنار إلى عينه فإنّ الناظر يذوب وتبقى العين صحيحة[2]، والظاهر من عبارته أنّ النظر إلى المرآة المحماة يكفي في إذهاب النور، من دون حاجة إلى الشمس.
وأمّا المتن فالإذهاب رهن أُمور:
1. إحماء المرآة.
2. جعلها في مقابل الشمس ليعكس عليها ضوؤها وحرارتها.
3. تكليف الجاني بالنظر إلى المرآة. أي في المرآة التي تقابل---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
[2]. الخلاف: 5/ 175، المسألة 38.
(--- الشمس، حتى تكون حرارة المرآة من جانب، وحرارة الشمس المنعكسة منها من جانب آخر، سببين لإذهاب النور.
ولو لم يكن إذهاب الضوء إلّابقلع العين ونحوه سقط القصاص وعليه الدية؛ لأنّه يستلزم الاعتداء على الجاني، والتسميل عبارة عن قلعها بالشوك أو بآلة حديدية.
نعم هذه الطريقة هي الوسيلة المتبعة (والممكنة) في عصر الإمام عليه السلام ولا أظن تعيّنها، فإذا أمكن إذهاب الضوء بالطرق الحديثة، فلا مانع من الاستيفاء بها.
المسألة 25. تقتصّ العين الصحيحة بالعمشاء، والحولاء، والخفشاء، والجهراء، والعشياء.^
^الاقتصاص من العين الصحيحة بالعمشاء والحولاء وغيرهما
قد مرّ أنّه لا يجوز الاقتصاص من الصحيحة بالعمياء؛ لأنّ الاختلاف بينهما جوهري، فالأُولى تبصر بخلاف الثانية، وأمّا الاختلاف بين الصحيحة والخمسة التالية: الحولاء، والعمشاء، والخفشاء، والجهراء والعشياء، بالكمال والنقص فتقلع كلّ منهما بالأُخرى، لكون التفاوت في مقدار الانتفاع، ويمكن أن لا يكون بينهما اختلاف في الانتفاع وإنّما التفاوت في المظهر الخارجي للعين.
أمّا الحول فهو اعوجاج في العين.
والعمش خلل في الأجفان يقتضي سيلان الدمع غالباً.
والخفش عدم حدّة في البصر بحيث لا يرى من بُعد أو في الليل.
والجهر عدم البصر نهاراً ضد العشو الّذي هو ضد البصر ليلًا، فيندرج الجميع تحت قوله تعالى:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ».[1]إلّاأن يقال بعدم كون الآية في مقام البيان كما مرّ سابقاً.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 371؛ ولاحظ: قواعد الأحكام: 3/ 639.