المسألة 14. لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له، فهو عمد إن أراد بذلك قتله، وإلّا فليس بعمد بل شبهه، من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا، ولو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به.^
^ يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: في حقيقة السحر ومراتبه
اختلفت كلمات العلماء في وجود الموضوع لهذه المسألة.
نقل المحقّق عن الشيخ أنّه لا حقيقة للسحر، وفي الأخبار ما يدلّ على أنّ له حقيقة، ثمّ أضاف وقال: لعلّ ما ذكره الشيخ قريب، غير أنّ البناء على الاحتمال أقرب.[1]
وربّما يستدلّ على أنّه لا حقيقة للسحر بقوله سبحانه:«سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ»[2]، وقوله تعالى:«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى»[3]، فإنّ الآيتين تدلّان على عدم الحقيقة للسحر في الخارج، وإنّما يتصرّف الساحر في أعين الناس.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ للسحر مراتب: مرتبة منه تصرّف في---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 197.
[2]. الأعراف: 116.
[3]. طه: 66.
(--- الباصرة والآيات ناظرة إليها. ففي هذه المرتبة ليست للسحر حقيقة في الخارج، لكن له حقيقة في مرحلة البصر والخيال، والخيال خيال بالنسبة إلى الخارج، وأمّا في حدّ نفسه فله واقعية. ولعلّ عمل سحرة فرعون كان من هذا القبيل: كانوا يتصرفون في أبصارهم أو خيالهم فيتخيّلون الحبال الملتوية، أفاعي ملتوية لأجل حركتها فيما بينهم.
ومرتبة أُخرى لها تأثير في الخارج كما يشير إليه قوله سبحانه:«فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ»[1]، حيث ينسب التفرقة بين الزوج والزوجة إلى السحرة.
وعلى ما ذكرنا فللسحر واقعية غير أنّ له مراتب:
منها:ما يُري غير الواقع واقعاً، ويتصرّف في الأعين والأبصار، وربّما يوجد فيه الخوف. ومنها: ما له أثر في خارج النفس المسحورة، كما يظهر من الآية، ومن البعيد أن لا يكون لهذا العلم حقيقة وقد كان له مدارس في مصر وأساتذة وتلامذة حتّى وصفوا موسى بأنّه كبيرهم الّذي علم الآخرين السحر.[2]
وممّا يدلّ على أنّ له واقعية ما قاله الصدوق: إنّه روي أنّ توبة الساحر أن يحل ولا يعقد.[3]---)
[1]. البقرة: 102.
[2]. طه: 71.
[3]. الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب بقية الحدود، الحديث 2.
(--- ومن الغرائب ما نقله الشيخ في المكاسب المحرّمة أنّ من أقسام السحر هو الاستعانة بالنسب الرياضية التي تسمّى بعلم الحيل وجرّ الأثقال.[1]مع أنّها من شعب علم الفيزياء. اللّهم إلّاإذا أُريد- كما هو ظاهر قوله «الاستعانة»- أنّ الساحر يستعين بهذه العلوم، لا أنّها من مقولة السحر، فلاحظ.
الثاني: لو سحره فقتل
ذكر المصنّف في المتن فروعاً ثلاثة:
1. لو سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له وأراد بذلك قتله، فحكمه واضح؛ لأنّ قصد القتل كاف في الحكم بالقود، وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل.
2. تلك الصورة ولكن لم يُرد بذلك قتله، فهو ليس بعمد بل شبهه، وإنّما يوصف بشبه العمد إذا لم تكن الآلة قاتلة، وهو المفروض في المتن بشهادة الفرع الثالث.
3. لو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به، وذلك لكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد. ولذلك لو أخّر الثاني وقدّم الثالث كان أوضح حتى يذكر القتل العمدي بكلا قسميه معاً.
هذا ما يرجع إلى المتن، ولابدّ من الالتفات إلى الأمرين التاليين:
الأوّل:لا يخفى ما في المتن من التنافي حيث ابتدأ كلامه بقوله: (لو
[1]. المكاسب المحرّمة، مبحث السحر، ص 33، الطبعة القديمة.
سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له)، فقد فرض فيه السببية.---)
(--- وفي الوقت نفسه يقول في الذيل: (من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا) إذ لو لم يكن له واقعية كيف يكون سبباً للقتل؟!
والعجب أنّ هذا النوع من التنافي يوجد في كلام المحقّق أيضاً، حيث يقول:«فلو سحره فمات لم يوجب قصاصاً ولا دية على ما ذكره الشيخ»وليس ما ذكره إلّاأنّه لا حقيقة للسحر، ومع ذلك أنّه رتّب قوله: «فمات» على قوله:
«فلو سحره» فلو لم يكن له واقعية فما معنى هذا الترتّب؟!
الثاني:أنّ الميزان هنا هو قصد الساحر، وأمّا الآلة- أعني: كون السحر قاتلًا أو لا- فهي مجهولة لا يمكن كشفها، ولذلك يكون الفرع الثالث منظوراً فيه.
وعلى كلّ تقدير فهل يمكن معرفة قصد الساحر بالبيّنة؟ فقد ناقش فيه الشهيد الثاني فقال بأنّ الشاهد لا يعرف قصد الساحر ولا شاهد تأثير السحر.[1]
ثمّ إنّ هنا كلاماً نلفت نظر القارئ إليه وهو أنّ الموضوع للقود والدية هو الأسباب الطبيعية الدارجة في المجتمع، لا الأسباب الخارجة عن العادة، كما هو في السحر، نظيره ما إذا دعا رجل على شخص لأن يقتله اللَّه سبحانه، فقتل فلا يقاد، ولا يقتل.
اللهم إلّاإذا ادّعي أنّ الملاك للقود والدية هو السببية واستناد الفعل---)
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 77.
(--- إلى الشخص، والمفروض أنّه موجود. وهنا فرق بين السحر المبغوض، والدعاء على الغير إذا استجيب فإنّ الاستجابة دليل المحبوبية.
فإن قلت: قد ورد في الروايات: «أنّ ساحر المسلمين يقتل».[1]
فذلك محمول على قتله حدّاً لفساده، لا قوداً. ولا صلة له للمقام. نعم لو اجتمع السببان قدّمت حقوق الناس، ولو عفا يُقتل حدّاً.
[1]. الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب بقية الحدود، الحديث 1.
المسألة 15. لو جنى عليه عمداً فسرت فمات، فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك؛ وأمّا لو كانت ممّا لا تسري ولا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل، ففيه إشكال، بل الأقرب عدم القتل بها وثبوت دية شبه العمد.^
^لو جنى عليه فسرت الجناية ومات
في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو جنى عليه عمداً وكانت الجناية ممّا تسري غالباً، فسرت، فمات.
2. إذا جنى عليه عمداً ولم تكن الجناية ممّا تسري، ولكن قصد الموت وسرت اتّفاقاً، فمات.
3. لو كانت الجناية ممّا لا تسري ولم يقصد الجاني القتل، فمات.
أمّا الفرع الأوّل: ففيه القود؛ لكون الجناية سارية غالباً، وبالتالي الفعل ممّا يقتل.
وأمّا الفرع الثاني:ففيه القود أيضاً؛ لكونه قاصداً القتل، وإن لم تكن الجناية سارية وقد سرت اتّفاقاً.
وأمّا الفرع الثالث- أعني: ما إذا كانت الجناية لا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل، وإنّما قصد الفعل وانتهى إلى القتل-: فقد استشكل فيه أوّلًا، وجه الإشكال ما تقدّم في المسألة الثامنة من احتمال استناد الموت إلى الجناية وما أعقبت، وكلاهما من فعل الجاني، لكنّه تقدّم ضعفه هناك، ولذلك استقرب ثانياً كونه شبه العمد؛ وذلك لأنّ الآلة لم تكن ممّا تقتل ولم يقصد الجاني القتل.
المسألة 16. لو قدّم له طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات، فعليه القود، ولا أثر لمباشرة المجني عليه؛ وكذا الحال لو كان المجني عليه غير مميّز، سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه، أو أهداه أو خلطه بطعام الآكل.^
2. انضمام عمل المجني عليه إلى فعل الجاني
^ قد تقدّم أنّ للتسبيب مراتب أربع، وقد مرت الأُولى منها- أعني:
استقلال الجاني في الجناية والإتلاف- والثاني منها: انضمام عمل المجني عليه إلى عمل الجاني فيؤثران في موته. وسيوافيك الكلام فيه إلى نهاية المسألة الثالثة والعشرين.
لو قدّم طعاماً مسموماً فأكله الجاهل ومات
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المسألة فرعين:
1. لو قدّم طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً فأكل الجاهل ومات.
2. لو قدّم طعاماً مسموماً إلى غير المميّز.
أمّا الأوّل:فلا شكّ أنّ عليه القود إمّا لأجل أنّ الآلة قتالة، أو لأنّه قصد قتله والمفروض أنّ الآكل غير عالم بالحال، وهذا يكفي في ثبوت القصاص.
وإن شئت قلت: السبب أقوى من المباشر ولا أثر لمباشرة المجني---)
(--- عليه.
وأمّا الفرع الثاني:فنفس الصورة ولكن المجني عليه غير مميّز، من غير فرق بين خلطه بطعام نفسه وتقديمه إليه أو أهدائه إلى بيته أو خلطه بطعام الآكل، وربّما يتصوّر أنّ الآكل هو القاتل لا المقدّم، أجاب عنه في الشرائع: «بأنّ حكم المباشرة سقط بالغرور».[1]وعليه العقلاء في عامّة المحاكم.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 197.