المسالة 24. لو أذهب الضوء دون الحدقة اقتصّ منه بالمماثل بما أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة، فيرجع إلى حذّاق الأطباء ليفعلوا به ما ذكر. وقيل في طريقه: يطرح على أجفانه قطن مبلول ثم تحمى المرآة وتقابل بالشمس ثم يفتح عيناه ويكلّف بالنظر إليها حتّى يذهب النظر وتبقى الحدقة. ولو لم يكن إذهاب الضوء إلّابإيقاع جناية أُخرى كالتسميل ونحوه، سقط القصاص وعليه الدية.^
^لو أذهب ضوء العين دون الحدقة
تشتمل المسألة على أمرين:
1. حكم من جنى جناية صارت نتيجتها ذهاب ضوء العين دون الحدقة، على نحو تكون العين قائمة تفتح وتغلق لكنه لا يرى بها شيئاً.
ومن المعلوم أنّه إذا تمكّن المجنيّ عليه من الاقتصاص بالمثل يتعيّن له ذلك، بشرط أن لا يتجاوز إلى عضو آخر.
2. ما هي الطريقة المتّبعة لاستيفاء هذا النوع من الاقتصاص دون أن يتجاوز إلى غيره؟
قال المحقّق: يُطرح على الأجفان قطن مبلول، ويقابل بمرآة محماة مواجهة للشمس حتّى تذهب الباصرة، وتبقى الحدقة.[1]
وقد استند في ذلك إلى رواية رفاعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنَّ---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 236.
(--- عثمان أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه فأنزل الماء فيها وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً، فقال له: أعطيك الدية، فأبى، قال: فأرسل بهما إلى عليّ عليه السلام وقال: احكم بين هذين، فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتّى أعطوه ديتين، قال: فقال: ليس أُريد إلّاالقصاص، قال: فدعا علي عليه السلام بمرآة فحماها، ثمّ دعا بكرسف فبله، ثم جعله على أشفار عينيه وعلى حواليها، ثم استقبل بعينه عين الشمس، قال: وجاء بالمرآة، فقال: انظر، فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة وذهب البصر».[1]
وفي السند سليمان بن الدهان له رواية واحدة في «الكافي» عن ابن فضّال (الحسن بن علي بن فضال) الذي هو من أصحاب الإجماع وهي هذه الرواية. ويظهر من «الخلاف» العمل بها لكن بشكل آخر قال: فإنّه يبل قطن ويترك على الأشفار ويقرب مرآة محماة بالنار إلى عينه فإنّ الناظر يذوب وتبقى العين صحيحة[2]، والظاهر من عبارته أنّ النظر إلى المرآة المحماة يكفي في إذهاب النور، من دون حاجة إلى الشمس.
وأمّا المتن فالإذهاب رهن أُمور:
1. إحماء المرآة.
2. جعلها في مقابل الشمس ليعكس عليها ضوؤها وحرارتها.
3. تكليف الجاني بالنظر إلى المرآة. أي في المرآة التي تقابل---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
[2]. الخلاف: 5/ 175، المسألة 38.
(--- الشمس، حتى تكون حرارة المرآة من جانب، وحرارة الشمس المنعكسة منها من جانب آخر، سببين لإذهاب النور.
ولو لم يكن إذهاب الضوء إلّابقلع العين ونحوه سقط القصاص وعليه الدية؛ لأنّه يستلزم الاعتداء على الجاني، والتسميل عبارة عن قلعها بالشوك أو بآلة حديدية.
نعم هذه الطريقة هي الوسيلة المتبعة (والممكنة) في عصر الإمام عليه السلام ولا أظن تعيّنها، فإذا أمكن إذهاب الضوء بالطرق الحديثة، فلا مانع من الاستيفاء بها.
المسألة 25. تقتصّ العين الصحيحة بالعمشاء، والحولاء، والخفشاء، والجهراء، والعشياء.^
^الاقتصاص من العين الصحيحة بالعمشاء والحولاء وغيرهما
قد مرّ أنّه لا يجوز الاقتصاص من الصحيحة بالعمياء؛ لأنّ الاختلاف بينهما جوهري، فالأُولى تبصر بخلاف الثانية، وأمّا الاختلاف بين الصحيحة والخمسة التالية: الحولاء، والعمشاء، والخفشاء، والجهراء والعشياء، بالكمال والنقص فتقلع كلّ منهما بالأُخرى، لكون التفاوت في مقدار الانتفاع، ويمكن أن لا يكون بينهما اختلاف في الانتفاع وإنّما التفاوت في المظهر الخارجي للعين.
أمّا الحول فهو اعوجاج في العين.
والعمش خلل في الأجفان يقتضي سيلان الدمع غالباً.
والخفش عدم حدّة في البصر بحيث لا يرى من بُعد أو في الليل.
والجهر عدم البصر نهاراً ضد العشو الّذي هو ضد البصر ليلًا، فيندرج الجميع تحت قوله تعالى:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ».[1]إلّاأن يقال بعدم كون الآية في مقام البيان كما مرّ سابقاً.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 371؛ ولاحظ: قواعد الأحكام: 3/ 639.
المسألة 26. في ثبوت القصاص لشعر الحاجب والرأس واللحية والأهداب ونحوها تأمّل، وإن لا يخلو من وجه، نعم لو جنى على المحلّ بجرح ونحوه يقتصّ منه مع الإمكان.^
^القصاص في الشعر
إذا جنى على شعر الحاجب والرأس واللحية والأهداب ففي المسألة قولان:
1. القصاص إذا لم ينبت والدية إذا نبت.
2. القصاص مطلقاً وهو الظاهر من المتن.
أمّا القول الأوّل: فقد اختاره المحقّق والعلّامة في كتابيه.
قال المحقّق: ويثبت (القصاص) في الحاجبين وشعر الرأس واللحية، فإن نبت فلا قصاص.[1]
ومراد المحقّق من الحاجبين الشعر النابت على العظم، ولذلك لم يقل:
وشعر الحاجبين، بخلاف المتن فإنّه استعمل الحاجب في العظم وأضاف لفظ الشعر إليه وقال: شعر الحاجب، والنتيجة واحدة، فإنّ المراد إذهاب الشعر لا الجناية في العظم، وعلى هذا فقد فصّل المحقّق بين الإنبات وعدمه فلا قصاص في الأوّل بخلاف الثاني، فإنّه يكشف عن الجناية في المنبت فصارت سبباً لعدم الإنبات.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 236.
(--- وقال العلّامة في «التحرير»: يثبت القصاص في الحاجبين وشعر الرأس واللحية، فإن نبت فلا قصاص، وليثبت فيه الأرش، وكذا في باقي الشعر يثبت فيه الأرش دون القصاص.[1]
وقال في «القواعد»: ويثبت القصاص في الأهداب، والأجفان، وشعر الرأس واللحية على إشكال ينشأ من أنّه لم يفسد المنبت، فالشعر يعود وإن أفسده، فالجناية على البشرة، والشعر تابع فإن نبت فلا قصاص.[2]
وهذه الكلمات ترمي إلى أمر واحد وهو عدم القصاص إن نبت (والأرش فقط)، والقصاص فيما إذا لم ينبت.
وأمّا القول الثاني: فالظاهر من المتن أنّه لا يخلو عن وجاهة فرجح ثبوت القصاص مطلقاً نبت أم لم ينبت حيث قال: وإن كان لا يخلو من وجه. وجهه: أنّ حلق الشعر مطلقاً جناية على الفرد فيقتصّ منه سواء نبت أم لم ينبت، فإنّ حلق الشعر أو قطعه يورث التشوّه في الوجه، فإنّ إنباته بعد شهور لا يوجب عدم ثبوت القصاص.
والقول الثاني لا يخلو عن قوة، لأنّ كلّ تجاوز على الإنسان في الخلقة ففيه القصاص إلّاما أخرجه الدليل، كما سبق.
إلى هنا تبيّن أنّ في المسألة قولين:
1. القصاص إذا لم ينبت والدية إذا نبت.---)
[1]. تحرير الأحكام: 5/ 512، المسألة 7152.
[2]. قواعد الأحكام: 3/ 639.
(--- 2. القصاص مطلقاً نبت أو لا.
هذا كلّه مع قطع النظر عن الروايات والظاهر ممّا ورد انتفاء القصاص مطلقاً وثبوت الدية إذا لم ينبت، وإليك ما ورد:
1. ما رواه مسمع عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة، فإذ نبتت فثلث الدية»[1].
والرواية ظاهرة في عدم القصاص، وقد فرّقت بين نبات اللحية وعدم نباتها، غير أنّ الرواية ضعيفة ففي السند محمد بن الحسن بن شمّون، قال عنه النجاشي: أبو جعفر، بغدادي، واقف ثم غلا، وكان ضعيفاً جدّاً فاسد المذهب، وأُضيفت إليه أحاديث في الوقف، عاش مائة وأربع عشرة سنة.
وفيه- أيضاً- عبداللَّه بن عبدالرحمن الأصمّ، قال عنه النجاشي:
المسمعي، بصريٌّ، ضعيف، غال، ليس بشيء.
قال العلّامة: له كتاب في الزيارات يدلّ على خبث عظيم ومذهب متهافت، وكان من كذّابة أهل البصرة.
وعلى هذا فلا يحتجّ بمثل هذه الرواية.
فإن قلت:قد رواها الصدوق بسنده عن السكوني.
قلت:في طريق الفقيه والفهرست إليه الحسين بن يزيد النوفلي، وقد حكم في جامع الرواة بضعف الطريق.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
(--- نعم صحّحه السيد الخوئي في معجم الرجال على طريقته حيث إنّ الحسين بن يزيد النوفلي من رجال «كامل الزيارات».
وبما أنّ الضابطة الّتي اعتمد عليها السيد الخوئي غير ثابتة عندنا كما أوضحنا حالها في كتابنا «كلّيات في علم الرجال»، فالرواية ضعيفة.
2. ما رواه سلمة بن تمّام، قال: أهرق رجل قدراً فيها مرق على رأس رجل فذهب شعره، فاختصموا في ذلك إلى علي عليه السلام فأجّله سنة فجاء فلم ينبت شعره، فقضى عليه بالدية[1]. وهذه الرواية كالرواية المتقدّمة تدل على التفصيل بين الإنبات وعدمه، فالدية في الثاني.
والسند لا يخلو من ضعف، ففيه منهال بن خليل وهو لم يوثّق وإن ورد في أسانيد كامل الزيارات. كما أنّ فيه سلمة بن تمّام، وهو لم يوثّق.
3. مرسلة علي بن خالد، عن بعض رجاله، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: قلت:
الرجل يدخل الحمّام فيصبّ عليه صاحب الحمام ماءً حاراً فيمتعط شعر رأسه فلا ينبت؟ فقال: «عليه الدية كاملة»[2].
والظاهر أنّ الحكم بالدية لعدم كون الجناية عن عمد، بل عن خطأ حيث إنّ صاحب الحمّام تصوّر أنّ الماء ليس بالحدّ الّذي يمتعط الشعر به، وأراد بصبّ الماء عليه تكريمه، وكان التكريم بهذا النحو أمراً رائجاً في العصور السابقة، أو أراد غسله بالصابون وغيره، فلا منافاة بين كونه صاحب---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3.
[2]. الوسائل: 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2. يقال: معط الشعر: سقط.