(--- عليه، لئلّا يستوعب أنف الجاني لو كان صغيراً، وأنف المجنيّ عليه كبيراً، فالنصف من أنف الجاني أو مارنه بالنصف من ذلك من المجنيّ عليه، ساواه في المساحة أو زاد أو نقص، وبالجملة لا يراعى المساحة بين الأنفين وإنّما يراعى النسبة.[1]
واحتمل المصنّف في قطع بعض المارن كون المقيس عليه تمام الأنف لا تمام المارن فيقطع بحسابه، لئلّا يستوعب أنف الجاني إن كان صغيراً، ولعل التفاوت قليل.
ثم إنّ هنا سؤالًا وهو ما الفرق بين الشجاج والمقام حيث إنّ القصاص في الشجاج يقدّر بالطول والعرض- كما مرّ في المسألة 15- ولكنّه في قصاص الأنف يقدّر بالنسبة، أي نسبة المقطوع إلى أنف المجنيّ عليه.
والجواب هو كبر مساحة الرأس وصغر الأنف؛ لأنّ القصاص في الشجاج حسب المساحة لا يستوعب جميع رأس الجاني إلّانادراً، وهذا بخلاف المقام فإنّ صغر الأنف يكون مظنة للتجاوز عن الحدّ، خصوصاً إذا كان أنف المجنيّ عليه كبيراً وأنف الجاني أصغر، ولأجل ذلك كان الموضوع هنا هو النسبة لا مقدار المساحة.
[1]. كشف اللثام: 11/ 214.
المسألة 30. تقتصّ الشفة بالشفة مع تساوي المحلّ، فالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى، وتستوي الطويلة والقصيرة، والكبيرة والصغيرة، والصحيحة والمريضة ما لم يصل إلى الشلل، والغليظة والرقيقة. ولو قطع بعضها فبحساب المساحة كما مرّ، وقد ذكرنا حدّ الشفة في كتاب الديات.^
^القصاص في الشفة
الشفة عضو كسائر الأعضاء يقتصّ منها، وتشملها العمومات المعروفة، فتقتصّ الشفة بالشفة مع تساوي المحلّ فالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى من غير فرق بين الطويلة والقصيرة والكبيرة والصغيرة والغليظة والرقيقة والصحيحة والمريضة مالم يصل إلى الشلل، فلا يقتصّ من الصحيحة بالشلّاء منها، نظير عدم الاقتصاص من اليد الصحيحة بالشلّاء.
وأمّا لو قطع بعض الشفة فالاقتصاص يكون بحسب المساحة، وإن شئت قلت: حسب الطول والعرض. ووجهه ما ذكرناه في الرأس.
ومع ذلك يمكن إلحاق الشفة بالأنف في أنّ الاقتصاص يكون بحسب النسبة لا المساحة. لنفس الوجه المذكور في الأنف، فلاحظ.
ويأتي تعريف الشفة في كتاب الديات.
المسألة 31. يثبت القصاص في اللسان وبعضه ببعضه بشرط التساوي في النطق، فلا يقطع الناطق بالأخرس، ويقطع الأخرس بالناطق وبالأخرس، والفصيح بغيره، والخفيف بالثقيل، ولو قطع لسان طفل يقتصّ به إلّامع إثبات خرسه، ولو ظهر فيه علامات الخرس ففيه الدية.^
^القصاص في اللسان
أمّا ثبوت القصاص في اللسان فلأنّه عضو كسائر الأعضاء، فلا فرق بين كلّه وبعضه مع وجود سائر الشرائط.
قال العلّامة في «القواعد»: وكذا يثبت [القصاص] في اللسان، وبعضه مع التساوي في النطق، ولا يُقطع الناطق بالأخرس.[1]
وقال في «التحرير»: ثبت القصاص في اللسان إجماعاً بشرط التساوي في الصحّة.[2]
وعلى هذا تترتّب عليه الفروع التالية:
1. لا يقطع الناطق بالأخرس، لعدم التساوي.
2. يقطع الأخرس بالناطق، لكون لسان الجاني أدون.
3. يقطع الفصيح بغيره والخفيف بالثقيل، للتساوي في أصل النطق.
4. لو قطع لسان طفل يقتصّ به، إلّامع إثبات خرسه. وأصالة السلامة---)
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 641.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 523.
(--- في الخلقة تدلّ على أنّه غير أخرس، إلّاإذا ظهرت فيه أمارات الخرس، فمالم تظهر، ففيه القصاص، وبعد الظهور ففيه الدية.
وقد ذكرنا غير مرّة أنّ ما هو الأصل في الشيء يكون معتبراً في حال الشكّ، كأصالة الحرمة في اللحوم، وأصالة حرمة البيع في الوقف، وأصالة حرمة النظر إلى المرأة، إلى غير ذلك. فما لم يدلّ دليل على الخروج عن الأصل يكون معتبراً؛ وهكذا المقام فإنّ الأصل في الخلقة هو السلامة ولا يعدّ مثل ذلك تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية؛ لأنّ الأصل الحاكم في الطبيعة أمارة عقلائية على كون المورد من مصاديق العام ما لم يدلّ دليل على خروجه. وقد أوضحنا حاله في سائر بحوثنا الفقهية.
ومن الفروع الّتي لم يتطرّق المصنّف إلى ذكرها الفرع التالي:
5. ويؤخذ بعض الصحيح من اللسان ببعض لكن بالنسبة، كما عن العلّامة في «التحرير» قال: ويؤخذ بعض الصحيح ببعض، ويعتبر التقدير بالأجزاء لا بالمساحة، ويؤخذ بالنسبة.[1]
[1]. تحرير الأحكام: 5/ 523، المسألة 7162؛ ولاحظ: كشف اللثام: 11/ 214.
المسألة 32. في ثدي المرأة وحلمته قصاص، فلو قطعت امرأة ثدي أُخرى أو حلمة ثديها يقتصّ منها؛ وكذا في حلمة الرجل القصاص، فلو قطع حلمته يقتصّ منه مع تساوي المحلّ، فاليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، ولو قطع الرجل حلمة ثدي المرأة، فلها القصاص من غير ردّ.^
^القصاص في ثدي المرأة وحلمته
ثدي المرأة وحلمته من الأعضاء فيثبت فيه القصاص كغيرها بشرط وجود سائر الشرائط، وبالجملة فالأصل في قطع الأعضاء هو القصاص، إلّاإذا قام الدليل على عدم القصاص فيه، كما في صورة العظم أو ما كانت المماثلة أمراً غير ممكن، وعلى هذا تترتّب الفروع التالية:
1. لو تساوى الجاني والمجنيّ عليه في الجنسية كما لو قطعت امرأة ثدي أُخرى، أو حلمة ثديها، يقتصّ منها.
ولو قطع الرجل حلمة رجل، يقتصّ منه مع تساوي المحلّ، فاليمنى باليمنى واليسرى باليُسرى.
إنّما الكلام إذا اختلف الجاني والمجنيّ عليه في الجنس، فقد ذكر المصنّف له صورة واحدة، وهي ما يلي:
2. إذا قطع الرجل حلمة ثدي المرأة ففيها القصاص من غير ردّ.
وقوله: «من غير ردّ» دفع لتوهم أنّ لحلمة ثدي المرأة منفعة ليست في الرجل، فهل ذلك يوجب ردّ شيء من الرجل إلى المرأة، فدفع بقوله:---)
(--- لها القصاص من غير ردّ.
3. لو قطعت المرأة حلمة ثدي الرجل فيقتصّ منها بلا ردّ شيء؛ وذلك لأنّ الاختلاف بينهما ليس كالاختلاف بين اليد الصحيحة واليد الشلّاء أو العين الباصرة والعمياء.
المسألة 33. في السنّ قصاص بشرط تساوي المحلّ، فلا يقلع ما في الفك الأعلى بما في الأسفل ولا العكس، ولا ما في اليمين باليسار وبالعكس، ولا يقلع الثنيّة بالرباعية أو الطاحن أو الناب أو الضاحك وبالعكس، ولا تقلع الأصلية بالزائدة، ولا الزائدة بالأصلية، ولا الزائدة بالزائدة مع اختلاف المحلّ.^
^القصاص في الأسنان
السنّ هو العضو المعروف المنقسم في العادة إلى ثمان وعشرين، اثنا عشر منها في مقاديم الفم: ثنيّتان من فوق وهما وسطها، ورباعيتان خلفهما، ونابان خلفهما، ومثلها من أسفل فيكون المجموع اثنا عشر سناً. والمآخير ستة عشر، أربع ضواحك من كلّ جانب واحد، واثنتا عشر طواحن من كلّ جانب ثلاثة.
ففي الجميع القصاص بالنص، أي قوله سبحانه:«وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ»لكن بشرط التساوي في المحلّ، والتساوي في الأصالة والزيادة، ويترتّب عليه الفروع التالية:
1. لا يقلع ما في الفك الأعلى بما في الأسفل ولا العكس.
2. لا يقلع ما في اليمين باليسار وبالعكس.
3. ولا تقلع الثنيّة[1]، بالرباعية[2]والناب.---)
[1]. الثنيّة: هي أسنان مقدّم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل.
[2]. الرباعية: هي السن الّتي بين الثنيّة والناب.
(--- 4. ولا تقلع الثنيّة بالطاحن[1]، ولا الثنية بالناب[2]، ولا الثنيّة بالضاحك،[3]وبالعكس، للاختلاف في المحل.
5. لا تقلع الأصلية بالزائدة، وهي الّتي تنبت في جنب الأصلية من منبع واحد، ولا الزائدة بالأصلية ولا الزائدة بالزائدة مع اختلاف المحلّ.
ويظهر من الفاضل الاصفهاني في تفسير قول العلّامة: «ولا أصلية بالزائدة ولا بالعكس مع تغاير المحلّ»: جواز قلع الزائدة بالأصلية إذا اتحدا بأن نبتت مع الأصلية من منبت واحد جاز القصاص؛ لأنّه أخذ للناقص بدل الكامل.[4]
غير أنّ الظاهر من «التحرير» عدمه حيث قال: ولا بالعكس وإن اتحدّ المحلّ[5].
ولعلّ مبنى الوجهين على أنّ النبات من منبت واحد، هل يكفي في اتّحاد المحل أو لا؟
وحاصل الكلام:أنّ الشرط هو المماثلة، وهي أمر عرفي، فاقتصاص الزائدة بالزائدة، والأصلية بالأصلية جائز بحكم المماثلة، إنّما الكلام فيما إذا كان له سنان يُعدّ أحدهما أصلياً والآخر زائداً، فالظاهر أنّ المماثلة منتفية.
وأمّا ما ينبت بعد القلع فلا يوصف بالزائدة بل ينوب مناب الأصل؛ لأنّ
[1]. الطاحن: هو الضرس.
[2]. الناب: هي السنّ خلف الرباعية.
[3]. الضاحك: هو كل سنّ تبدو عند التبسّم.
[4]. كشف اللثام: 11/ 216.
[5]. تحرير الأحكام: 5/ 516، المسألة 7155.