المسألة 36. لو عادت بعد القصاص فعليه غرامتها للجاني بناءً على سقوط القصاص إلّامع عود سنّ الجاني أيضاً، وتستعاد الدية لو أخذها صلحاً، ولو اقتصّ وعادت سنّ الجاني ليس للمجنيّ عليه إزالتها، ولو عادت سنّ المجنيّ عليه ليس للجاني إزالتها.^
^لو عادت السن المقلوعة بعد القصاص
كان البحث في المسألة السابقة عود المقلوعة قبل القصاص وقد عرفت صورها، وأمّا البحث في المقام ففي عودها بعد القصاص ففي المسألة فروع:
1. لو عادت سن المجنيّ عليه فقط بعد القصاص من الجاني- بعد فرض أنّه لا قصاص على المجنيّ عليه للجاني كما يدلّ عليه قول المصنّف (بناء على سقوط القصاص)- فهل يجب عليه دفع الغرامة للجاني أو لا؟
2. لو أخذ الدية صلحاً- بعد كون الواجب هو القصاص- ثم عادت سنّ المجنيّ عليه، فهل يجب عليه إعادة الدية إلى الجاني؟
3. هل لكلّ من الجاني والمجنيّ عليه قلع السنّ الجديدة بعد القصاص؟
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل:إذا عادت سن المجنيّ عليه بعد القصاص منه، فلا شكّ أنّه لا قصاص عليه؛ وذلك لأنّه قام بالقصاص بأمر من الشرع ولم يكن عالماً بأنّه ستعود سنّه المقلوعة.
وقد ذهب الشيخ إلى عدم الغرامة على المجنيّ عليه، والماتن---)
(--- على خلافه.
قال الشيخ: وإن كان المجنيّ عليه اقتصّ من الجاني ثم نبتت المقلوعة فمن قال: هذه هبة مجدّدة لا شيء عليه، لأنّه أخذ القصاص في سنّه وقد وهب اللَّه له سنّاً ... إلخ.[1]
وقد استقرب في المتن الوجه الثاني؛ وذلك لأنّ المعاد في نظر العرف هو المبتدأ، فكأنّه لم يقلع، فيكون القصاص في غير موقعه، وبما أنّه كان جاهلًا فعليه دية سنّ الجاني.
والظاهر هو قول الشيخ؛ لأنّ قلع سن الجاني في مقابل قلع سنّ المجنيّ عليه وقد وقع في محلّه، وعوده ثانياً لا يخرج عمل الجاني عن كونه عدواناً، والمنهي لا ينقلب عمّا هو عليه، ولا وجه لدية سن الجاني.
نعم لو عاد سنّ الجاني أيضاً فليس له أخذ الدية من المجنيّ عليه على كلا القولين أو الوجهين كما في المتن، لحصول المساواة من الطرفين.
الفرع الثاني:لو لم يقتصّ المجنيّ عليه من الجاني- على خلاف ما في الفرع الأوّل- وإنّما أخذ الدية صلحاً، ثمّ عادت سنّ المجنيّ عليه، فهل يجب عليه ردّ ما صولح عليه أو لا؟
والمسألة مبنية على ما ذكر في الفرع الأوّل، فلو قلنا بأنّ عودها هبة مجدّدة فلا شيء عليه كما عليه الشيخ، يسقط وجوب ردّ الدية، وأمّا لو---)
[1]. المبسوط: 7/ 99. وذيل العبارة لا يخلو عن حزازة فلاحظ.
(--- قلنا بوجوب دفع الغرامة على الجاني، يجب عليه في المقام ردّ الدية؛ لأنّه إنّما أخذ الدية بدلًا، وقد عادت فكان عليه ردّ بدلها.[1]حتى لا يلزم الجمع بين البدل والمبدل.
وبما أنّك عرفت أنّ الأقوى هو الوجه الأوّل وأنّ القصاص في الفرع السابق، والدية في هذا الفرع في مقابل عمل عدواني لا ينقلب عمّا هو عليه بالعود فلا يجب على المجنيّ عليه ردّ الغرامة كما في الفرع الأوّل، ولا إعادة ما صولح في هذا الفرع. وتصوّر أنّ الدية في مقابل الشين وقد ارتفع بالعود، مدفوع بحصوله فترة بعد القلع وقبل العود على أنّ هذا النوع من العلّة أشبه بالحكمة التي لا يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً.
الفرع الثالث:لو عادت سنّ كلّ من الجاني أو المجنيّ عليه فليس للآخر قلع سنّه.
قال المحقّق: ولو اقتصّ البالغ بالسن، فعادت سن الجاني، لم يكن للمجنيّ عليه إزالتها، لأنّها ليست بجنسه.[2]
ومنه يعلم حكم العكس، أعني: إذا عادت سنّ المجنيّ عليه فليس للآخر قلعه، لأنّ ا السن الجديد غير الأوّل، والمجنيّ عليه اقتصّ من الجاني مقابل السن الأوّل، والسن الثاني غير الأوّل وجوداً، وإن كان عينه عرفاً.
[1]. المبسوط: 7/ 99.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 238.
المسألة 37. لو قلع سنّ الصبي ينتظر به مدة جرت العادة بالإنبات فيها، فإن عادت ففيها الأرش على قول معروف، ولا يبعد أن يكون في كلّ سنّ منه بعير، وإن لم تعد ففيها القصاص.^
^في قلع سن الصبي
كان الكلام في المسائل السابقة في سنّ المثغر- أي السن النابت بعد سقوط سنّ اللبن- والموضوع في هذه المسألة سنّ من لم يثغر- أي السن النابت باللبن والرضاع- فلو قلع أحد سنّ الصبي فلا يقتصّ من الجاني، بل ينتظر به مدّة جرت العادة بالإنبات فيها، فهنا صورتان:
الأُولى:إذا عادت المقلوعة فلا قصاص بل فيه الأرش فتكون نظير سنّ المثغر إذا عادت، ففي المتن: ففيها الأرش على قول معروف، أي على قول المحقّق وغيره حيث قالوا بسقوط القصاص دون الدية، خلافاً للمصنّف حيث لم يلتزم بالدية ما لم يكن فيه نقص، ولذلك نسب رفع الدية إلى قول معروف.
أمّا عدم القصاص مادام الرجاء موجوداً بالعود فلمرسل جميل بن درّاج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام أنّه قال: في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت؟ قال: «ليس عليه قصاص وعليه الأرش».[1]
والفرق بين المقام وما مرّ واضح حيث إنّ العود هنا أمر طبيعي فلا يقتصّ، بل ينتظر بخلاف سن المثغر فالعود أمر نادر.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 12.
(--- أمّا الأرش فلنفس الرواية، وأمّا ما هو المراد من الأرش ففيه وجوه ثلاثة:
1. المراد بالأرش ما هو المذكور في المسألة السابقة، أي تفاوت ما بين كونه فاقد السن زمن ذهابها وواجدها لو كان عبداً.
2. ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى أنّ المراد به حكومة الجرح وإسالة الدم.[1]
3. ما حكي عن المهذّب والغنية والكافي والوسيلة والإصباح وديات المبسوط من أنّ في سن الصبي بعيراً مطلقاً، من غير فرق بين ما لو عاد أو لم يعد.
ويدلّ عليه الخبران:
1. روى الشيخ باسناده عن سهل بن زياد، عن ابن شمّون، عن الأصمّ، عن مسمع، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إنّ عليّاً عليه السلام قضى في سن الصبي قبل أن يثغر بعيراً في كلّ سنّ».[2]
2. وروى أيضاً باسناده عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام:
«أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في سنّ الصبي إذا لم يثغر ببعير».[3]
لكن الذي يضعّف الوجه الثالث ضعف السند في الروايتين أوّلًا----)
[1]. لاحظ: المبسوط: 7/ 97.
[2]. الوسائل: 19، الباب 33 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 33 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3.
(--- خصوصاً الأُولى منهما- إلّاأن يقال: إنّ الأرش إنّما هو في الجراحات وفي غيرها يتعيّن العمل بالنص. وعليه يتمّ ما في المتن من أنّ في كلّ سنّ منه بعيراً، لا الأرش بكلا الوجهين الأوّلين.
وإطلاق الروايتين منصرف إلى ما إذا عادت ثانياً، لأنّه جرت العادة على العود، وقلّما يتّفق ألّا تعود، ولذلك فصّل في المتن بين العود فقال فيه بعير، وعدمه ففيه القصاص.
الصورة الثانية: إذا لم تعد، فالقصاص هو المحكّم.
المسألة 38. يثبت القصاص في قطع الذكر، ويتساوى في ذلك الصغير ولو رضيعاً، والكبير بلغ كبره ما بلغ، والفحل والذي سلّت خصيتاه إذا لم يؤد إلى شلل فيه، والأغلف والمختون. ولا يقطع الصحيح بذكر العنّين ومن في ذكره شلل، ويقطع ذكر العنين بالصحيح والمشلول به. وكذا يثبت في قطع الحشفة، فتقطع الحشفة بالحشفة، وفي بعضها أو الزائد عليها استوفي بالقياس إلى الأصل، إن نصفاً فنصفاً وإن ثلثاً فثلثاً وهكذا.^
^القصاص في قطع الذكر
في المسألة فروع:
1. ثبوت القصاص في قطع الذكر، في عامّة الصور.
2. لا يقطع الصحيح بذكر العنين ومَن في ذكره شلل.
3. إذا قطع بعض الحشفة فإنّما يستوفى بالقياس إلى الأصل. وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل:قال المحقّق: ويثبت في الذكر، ويتساوى الذي سلّت خصيتاه، والأغلف، والمختون.[1]
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل ولا من غيرنا، إلّامن مالك فلم يثبت القود بين الفحل ومسلول الخصيتين،---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 236.
(--- قائلًا بأنّه لا منفعة فيه، وردّ عليه بقوله: إنّ ذلك نقص في الماء لا فيه.[1]
والدليل دخول الجميع تحت العموم، وهو قوله تعالى:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»بعد اشتراك الجميع في الاسم والخلقة والسلامة.
الفرع الثاني:لا يقاد الصحيح من الذكر بذكر العنين، كما مرّ من أنّه لا يقتصّ من اليد الصحيحة باليد الشلّاء، وقد مرّ أنّه يشترط في القصاص أن لا يكون المقتصّ منه أعلى، بل يجب أن يكون إمّا مساوياً أو أخفض.
ثمّ إنّ العنن قسم من الشلل، والمراد من الثاني ما يكون منقبضاً لا ينبسط ولو في الماء الحار أو منبسطاً لا ينقبض ولو في الماء البارد.
وقد قلنا: إنّه تشترط المساواة أو كون المقتصّ منه أخفض، وبذلك يُعلم أنّه يقتصّ من العنين بالصحيح، كما يقطع الأشل بالأشل أو بالصحيح، اللّهم إلّا إذا خيف من نزف الدم وعدم انقطاعه.
الفرع الثالث:كما يجري القصاص في قطع تمام الذكر كذلك يجري في قطع بعضه، من غير فرق بين الحشفة وغيرها، نعم الحشفة برأسها عضو من الأعضاء، فالقصاص في الجميع بلحاظ القياس إلى الأصل، لا بلحاظ المساحة ولا بلحاظ الطول، فلو قطع ثلث الحشفة يقطع مثله من الجاني، سواء أكانت أكبر أو أصغر أو تساوتا، وهذا هو الحكم السائد في قصاص الأعضاء.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 376.