المسألة 16. لو قدّم له طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات، فعليه القود، ولا أثر لمباشرة المجني عليه؛ وكذا الحال لو كان المجني عليه غير مميّز، سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه، أو أهداه أو خلطه بطعام الآكل.^
2. انضمام عمل المجني عليه إلى فعل الجاني
^ قد تقدّم أنّ للتسبيب مراتب أربع، وقد مرت الأُولى منها- أعني:
استقلال الجاني في الجناية والإتلاف- والثاني منها: انضمام عمل المجني عليه إلى عمل الجاني فيؤثران في موته. وسيوافيك الكلام فيه إلى نهاية المسألة الثالثة والعشرين.
لو قدّم طعاماً مسموماً فأكله الجاهل ومات
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المسألة فرعين:
1. لو قدّم طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً فأكل الجاهل ومات.
2. لو قدّم طعاماً مسموماً إلى غير المميّز.
أمّا الأوّل:فلا شكّ أنّ عليه القود إمّا لأجل أنّ الآلة قتالة، أو لأنّه قصد قتله والمفروض أنّ الآكل غير عالم بالحال، وهذا يكفي في ثبوت القصاص.
وإن شئت قلت: السبب أقوى من المباشر ولا أثر لمباشرة المجني---)
(--- عليه.
وأمّا الفرع الثاني:فنفس الصورة ولكن المجني عليه غير مميّز، من غير فرق بين خلطه بطعام نفسه وتقديمه إليه أو أهدائه إلى بيته أو خلطه بطعام الآكل، وربّما يتصوّر أنّ الآكل هو القاتل لا المقدّم، أجاب عنه في الشرائع: «بأنّ حكم المباشرة سقط بالغرور».[1]وعليه العقلاء في عامّة المحاكم.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 197.
المسألة 17. لو قدّم طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلًا، فأكل متعمّداً وعن اختيار، فلا قود ولا دية؛ ولو قال كذباً: إنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا، فأكله فمات، فعليه القود؛ ولو قال: فيه سم، وأطلق فأكله، فلا قود ولا دية.^
^لو قدّم طعاماً مسموماً مع علم الآكل بالسمّ
فارق هذه المسألة مع ما تقدّم هو علم الآكل بوجود السمّ في الطعام، وفيها صور ثلاث.
قال المحقّق: لو قدّم له طعاماً مسموماً فإن علم وكان مميّزاً، فلا قود ولا دية[1].
ثم إنّ المقدِّمتارة: يسكت ولا يصف الطعام بشيء، ولكنّ المقدّم إليه عالم بأنّ فيه سمّاً مهلكاً.
وأُخرى:يصفه بأنّ فيه سمّاً يعالج المرض الكذائي.
وثالثة:يصفه بأنّ فيه سمّاً فقط. فصارت الفروع ثلاثة .. والملاك في ثبوت القصاص وعدمه ثبوت استناد القتل إلى أي واحد من المقدّم والآكل. إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الثلاثة في المتن:
1. لو قدّم طعاماً مسموماً قاتلًا وكان الآكل عالماً بأنّ فيه سمّاً مهلكاً،---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 197.
(--- أو عالماً بأنّ فيه شيئاً قاتلًا ولكن لم يعلم أنّه سم[1]، فالفعل مستند إليه، وليس فيه أي غرور للمقدّم، غاية الأمر يكون معيناً، لا قاتلًا، نظير من يريد الانتحار، ويطلب الآلة من الغير وهو يجيبه بالإعطاء، فالمعين آثم، وليس بقاتل.
2. ولو قدّمه له لكن وصفه بأنّه سمّ غير قاتل وفيه علاج لكذا، وكان قاتلًا فمات، فعليه القود؛ لأنّه وصفه وقدّمه إليه وغرّره بقصد القتل، وهو كافٍ في ثبوت القود، وتصوّر كون الآكل هو القاتل مردود بأنّ السبب أقوى من المباشر.
والقتل يستند إلى الواصف، كضمان الطبيب للمريض- المختار في التناول-. دواءً بأنّ فيه علاج دائه، فأكله فقتله.
3. لو قال فيه سمّ وأطلق، فأكله المجنيّ عليه، فلا قود ولا دية؛ لأنّ المباشر مع علمه بالسم يكون أقوى من السبب، والقتل مستند إلى الآكل؛ ومثله لو كان جاعل السم في الغذاء غيره دون المقدّم، فهو المسؤول دون المقدّم ولا الآكل، نعم لو اتّفقت المسمومية فعلًا لأحد كما ربما يتّفق في الضيافة ويكون الغذاء مسموماً من دون علم المُقدِّم، فلا قصاص ولا دية.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 36. وأضاف: بأنّه لا مدخلية لجهله بالسم في إقدامه على قتل نفسه.
المسألة 18. لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله- ولو رجاءً- فهو عمد لو جهل الآكل، ولو لم يقصدالقتل فلا قود.^
المسألة 19. لو قدم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم، فبان الخلاف، لم يكن قتل عمد ولا قود.^^
^لو قدّم طعاماً فيه سمّ غير قاتل
الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها هو كون السم قاتلًا هناك دون المقام، أي لو قدّم إليه طعاماً فيه سم غير قاتل لكنّه قصد قتله به، فلو أكل الآكل وهو جاهل فمات، فعليه القود، إذ يكفي في القود قصد القتل وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل كما هو المفروض.
نعم لو لم يقصد القتل، فلا قود؛ وذلك لأنّ الآلة غير قاتلة والمقدّم لم يقصد القتل، فهو شبه العمد، فعليه الدية.
^^ المراد أنّه لا يترتّب عليه أثر قتل العمد، وإلّا فهو قتل عمد لغة لا شرعاً؛ لأنّه قدّم إليه الطعام لغاية القتل، غاية الأمر جهله وتخيّله أنّه مهدور الدم صار مانعاً لأن يترتّب عليه أثر العمد وهو القود، لكن تجب فيه الدية لئلّا يبطل دم المسلم سدى، ومع ذلك لابدّ من التعزير؛ لأنّه على فرض الارتداد معصوم الدم بالنسبة إليه وإن كان مهدور الدم بالنسبة إلى الحاكم، والمسألة محرّرة في الحدود في باب الارتداد.
المسألة 20. لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به فمات، فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل؛ وأمّا لو جعله بقصد قتل كلب- مثلًا- فأكله صاحب المنزل فلا قود، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود.^
^لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل
في المسألة فروع ثلاثة:
1. جعل السم في طعام صاحب المنزل بقصد القتل بشهادة قوله: «لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل» وعندئذٍ يكون القتل عن عمد، لاجتماع الشرطين: كون الآلة قاتلة، وقصد الجاعل القتل، حتّى لو فرضنا وجود أحدهما يكفي في وصف القتل بكونه عن عمد.
وربّما يتصوّر أنّ القاتل هو الآكل لا الجاعل، والجواب ما مرّ في قاعدة الغرور ولقوة السبب وضعف المباشر، حيث إنّه تصوّر أنّه ممّا صنعه بنفسه ولم يتصرّف فيه أحد دون أن يعلم كونه مسموماً وتصرّف فيه أحد، فعندئذٍ لا مجال لإشكال المحقّق بأنّ فيه إشكالًا، ولعلّ وجهه قوة المباشر، وعدم إلجائه إلى الأكل ولا تقديمه إليه، ففيه الدية. وضعفه واضح لما ذكرنا.
ونقل عن بعض العامّة عدم الدية والقود، وهو عجيب.
2. ولو جعل السم في طعام صاحب المنزل لقصد قتل كلبه،---)
(--- فأكله صاحب المنزل اشتباهاً، فلا دية ولا قود. أمّا عدم القود فظاهر؛ لأنّه لم يقصد أكل صاحب المنزل حتى يقال: إنّ الآلة قتّالة، لكن القول بعدم الدية كما عليه المتن مشكل؛ لأنّه أشبه بقتل الخطأ، فإنّ الجاعل قصد قتل الكلب فأصابت قتل صاحب المنزل.
3. وعلى كلّ تقدير هذا كلّه إذا لم يعلم ولم يحتمل أنّ صاحب المنزل يأكل منه، وأمّا إذا علم أو احتمل احتمالًا معتدّاً به، بأنّه يأكل منه، فلا شكّ أنّ فيه القود.
المسألة 21. لو كان في بيته طعام مسموم، فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات، فلا قود ولا دية؛ ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام، فأكله بلا إذن منه وعدواناً، فلا قود.^
^لو كان في بيته طعام مسموم وأكل منه شخص فمات
في المسألة فرعان:
1. لو كان في بيته طعام مسموم فدخل إنسان بيته عدواناً فأكل فقتل، فلا قصاص ولا دية بعد أن كان القتل منتسباً إلى الآكل دون حاجة إلى قصد صاحب الطعام.
وهذا نظير ما لو علم صاحب البيت بأنّه سيهاجم فيدخل السم في الغذاء لأكل المهاجم إذا انحصر الدفاع فيه، ويترتّب عليه القتل.
2. لو دعا رجلًا إلى بيته لا لأكل الطعام لكن الضيف أكل من طعام صاحب المنزل بغير إذنه فقتله، فلا قود ولا دية؛ لعدم الاستناد، اللّهم إلّاإذا كان الطعام في متناول الضيف بحيث تدلّ القرائن على جواز الأكل، فالميزان في الحكم بالقود أو الدية أقوائية السبب من المباشر، وهو يختلف حسب اختلاف المقامات.