التاسع: لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص سقط بلا بدل، فلا يستحقّ واحد منهم الدية، رضي الجاني أو لا؛ ولو قال: «عفوت إلى شهر أو إلى سنة» لم يسقط القصاص، وكان له بعد ذلك القصاص، ولو قال: «عفوت عن نصفك أو عن رجلك» فإن كنّى عن العفو عن النفس صحّ وسقط القصاص، وإلّا ففي سقوطه إشكال بل منع، ولو قال:
عفوت عن جميع أعضائك إلّارجلك مثلًا، لا يجوز له قطع الرجل، ولا يصحّ الإسقاط.^
^لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص
يدور البحث في هذا الفرع حول العفو على وجه الإطلاق أو العفو إلى مدّة معيّنة، أو العفو عن بعض الأعضاء، أو العفو عن مجموع البدن باستثناء عضو خاص كالرِّجل. وإليك دراسة هذه الفروع:
الأوّل:لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص سقط بلا بدل فلا يستحق واحد منهم الدية، رضي الجاني أو لا.
وجهه:أنّ الفرض في الجناية العمدية هو القصاص وليست الدية في عرضه، وإنّما ينتقل إلى الدية بالتصالح والتراضي، والمفروض أنّ الموجود هو العفو عن القصاص لا التراضي على الدية، فلا يستحقّ الوليّ الوارث الدية، رضي الجاني أو لا، فإنّ رضاه ليس مشرّعاً حتى يجعل غير المستحق مستحقاً.
الثاني:إذا عفا إلى مدّة وقال: عفوت إلى شهر أو سنة ففي المتن لم---)
(--- يثبت القصاص وكان له بعد ذلك القصاص؛ وذلك لأنّ المتبادر من هذه العبارة هو تأخير إجراء القصاص إلى شهر، وهو إن لم يدلّ على بقاء القصاص لا يدلّ على سقوطه.
الثالث:إذا تعلّق العفو بنصف البدن أو عضو منه فقال: عفوت عن نصفك أو عن رجلك، فبما أنّ هذا النوع من الكلام غريب غير عرفي؛ لأنّ القصاص الذي هو إزهاق الروح لا يتبعّض حتى يتحقّق بالنصف أو الرجل، فإن كان المتكلّم عاقلًا حكيماً فلابدّ من صرف كلامه إلى معنى معقول، وهو أنّه أراد العفو على وجه الإطلاق، وعندئذٍ يسقط القصاص، ومع سقوطه لا تصل النوبة إلى الدية. فإن كان هذا النوع من صرف الكلام إلى معنى معقول عرفياً فهو، وإلّا فلا يسقط القصاص بكلام أشبه بلقلقة اللسان.
الرابع:لو تعلّق العفو بالبدن مستثنياً عضواً واحداً بأن يقول: عفوت عن جميع أعضائك إلّارجلك، ففي المتن لا يجوز له قطع الرِّجل ولا يصحّ الإسقاط، أي إسقاط القصاص.
وجهه:أنّ هذا النوع من الكلام أمرٌ غير عرفي لا يمكن الاستدلال به على شيء من سقوط القصاص، وعلى فرض بقائه ليس له قطع الرِّجل لما عرفت من أنّ القصاص إنّما هو بطريق مخصوص لا قطع العضو إرباً إرباً.
العاشر: لو قال: «عفوت بشرط الدية» ورضي الجاني وجبت دية المقتول، لا دية القاتل.^
^لو عفا الوارث بشرط الدية
لو عفا عن القصاص بشرط دفع الدية ورضي الجاني فهو أمر نافذ، لما قلنا من أنّها في طول القصاص وإنّما تلزم بالتصالح والتراضي، والمفروض رضاية الوليّ الحاكي عنه قوله: عفوت بشرط الدية، كما أنّ المفروض رضا الجاني، هذا أمر واضح وكأنّ الداعي لعنوان هذه المسألة هو ما في ذيل الكلام، وهو أنّ الميزان في دفع الدية هو دية المقتول أو دية الجاني إذا فرض قتله. ولا شكّ أنّ المراد هو دية المقتول لأنّها عوض عن القصاص، فكما أنّ متعلّق القصاص هو المقتول فهكذا الدية.
وتظهر الثمرة فيما إذا اختلف الجاني والمجنيّ عليه من حيث الذكورية والأُنوثية، فلو كان الجاني ذكراً والمقتول مؤنثاً فنصف الدية وفي العكس تمام الدية، ولعلّه قدس سره ضمّ هذين الفرعين إلى ثمانية فروع حتى يناهز عدد الفروع العشرة فيكون من مصاديق قوله سبحانه:«تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ»[1].
^^^
تم تحرير هذه المحاضرات التي أُلقيت أوان الثورة الإسلامية الإيرانية
سنة 1402 ه وتمّ تجديد النظر فيها في الدورة الثانية
[1]. البقرة: 196.
من دراسات أحكام القصاص وذلك في سنة 1432 ه،
راجياً من اللَّه سبحانه أن يرفع درجات سيدنا
الأُستاذ ويحشره مع أجداده الطاهرين
ويرزقنا زيارة مشاهدهم في الدنيا
وشفاعتهم يوم القيامة.
والحمد للَّهالذي بنعمته تتمّ الصالحات
جعفر السبحاني
قم المشرّفة