المسألة 18. لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله- ولو رجاءً- فهو عمد لو جهل الآكل، ولو لم يقصدالقتل فلا قود.^
المسألة 19. لو قدم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم، فبان الخلاف، لم يكن قتل عمد ولا قود.^^
^لو قدّم طعاماً فيه سمّ غير قاتل
الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها هو كون السم قاتلًا هناك دون المقام، أي لو قدّم إليه طعاماً فيه سم غير قاتل لكنّه قصد قتله به، فلو أكل الآكل وهو جاهل فمات، فعليه القود، إذ يكفي في القود قصد القتل وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل كما هو المفروض.
نعم لو لم يقصد القتل، فلا قود؛ وذلك لأنّ الآلة غير قاتلة والمقدّم لم يقصد القتل، فهو شبه العمد، فعليه الدية.
^^ المراد أنّه لا يترتّب عليه أثر قتل العمد، وإلّا فهو قتل عمد لغة لا شرعاً؛ لأنّه قدّم إليه الطعام لغاية القتل، غاية الأمر جهله وتخيّله أنّه مهدور الدم صار مانعاً لأن يترتّب عليه أثر العمد وهو القود، لكن تجب فيه الدية لئلّا يبطل دم المسلم سدى، ومع ذلك لابدّ من التعزير؛ لأنّه على فرض الارتداد معصوم الدم بالنسبة إليه وإن كان مهدور الدم بالنسبة إلى الحاكم، والمسألة محرّرة في الحدود في باب الارتداد.
المسألة 20. لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به فمات، فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل؛ وأمّا لو جعله بقصد قتل كلب- مثلًا- فأكله صاحب المنزل فلا قود، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود.^
^لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل
في المسألة فروع ثلاثة:
1. جعل السم في طعام صاحب المنزل بقصد القتل بشهادة قوله: «لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل» وعندئذٍ يكون القتل عن عمد، لاجتماع الشرطين: كون الآلة قاتلة، وقصد الجاعل القتل، حتّى لو فرضنا وجود أحدهما يكفي في وصف القتل بكونه عن عمد.
وربّما يتصوّر أنّ القاتل هو الآكل لا الجاعل، والجواب ما مرّ في قاعدة الغرور ولقوة السبب وضعف المباشر، حيث إنّه تصوّر أنّه ممّا صنعه بنفسه ولم يتصرّف فيه أحد دون أن يعلم كونه مسموماً وتصرّف فيه أحد، فعندئذٍ لا مجال لإشكال المحقّق بأنّ فيه إشكالًا، ولعلّ وجهه قوة المباشر، وعدم إلجائه إلى الأكل ولا تقديمه إليه، ففيه الدية. وضعفه واضح لما ذكرنا.
ونقل عن بعض العامّة عدم الدية والقود، وهو عجيب.
2. ولو جعل السم في طعام صاحب المنزل لقصد قتل كلبه،---)
(--- فأكله صاحب المنزل اشتباهاً، فلا دية ولا قود. أمّا عدم القود فظاهر؛ لأنّه لم يقصد أكل صاحب المنزل حتى يقال: إنّ الآلة قتّالة، لكن القول بعدم الدية كما عليه المتن مشكل؛ لأنّه أشبه بقتل الخطأ، فإنّ الجاعل قصد قتل الكلب فأصابت قتل صاحب المنزل.
3. وعلى كلّ تقدير هذا كلّه إذا لم يعلم ولم يحتمل أنّ صاحب المنزل يأكل منه، وأمّا إذا علم أو احتمل احتمالًا معتدّاً به، بأنّه يأكل منه، فلا شكّ أنّ فيه القود.
المسألة 21. لو كان في بيته طعام مسموم، فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات، فلا قود ولا دية؛ ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام، فأكله بلا إذن منه وعدواناً، فلا قود.^
^لو كان في بيته طعام مسموم وأكل منه شخص فمات
في المسألة فرعان:
1. لو كان في بيته طعام مسموم فدخل إنسان بيته عدواناً فأكل فقتل، فلا قصاص ولا دية بعد أن كان القتل منتسباً إلى الآكل دون حاجة إلى قصد صاحب الطعام.
وهذا نظير ما لو علم صاحب البيت بأنّه سيهاجم فيدخل السم في الغذاء لأكل المهاجم إذا انحصر الدفاع فيه، ويترتّب عليه القتل.
2. لو دعا رجلًا إلى بيته لا لأكل الطعام لكن الضيف أكل من طعام صاحب المنزل بغير إذنه فقتله، فلا قود ولا دية؛ لعدم الاستناد، اللّهم إلّاإذا كان الطعام في متناول الضيف بحيث تدلّ القرائن على جواز الأكل، فالميزان في الحكم بالقود أو الدية أقوائية السبب من المباشر، وهو يختلف حسب اختلاف المقامات.
المسألة 22. لو حفر بئراً ممّا يقتل بوقوعه فيها ودعا غيره- الذي جهلها- بوجه يسقط فيها بمجيئه، فجاء فسقط ومات، فعليه القود. ولو كانت بئراً في غير طريقه ودعاه لا على وجه يسقط فيها، فذهب الجائي على غيرالطريق فوقع فيها، لا قود ولا دية.^
^لو حفر بئراً فوقع فيها شخص ومات
لو حفر بئراً بعيدة القعر في طريق ودعا غيره مع جهالته فوقع فمات، فعليه القود، لإغرار السبب.
نعم لو كانت البئر في غير طريقه لكن الضيف اختار غير الطريق المأمون المألوف، فوقع فيها، فلا قود ولا دية لعدم الإغرار.
المسألة 23. لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز- بحيث يستند القتل إليه لا إلى الجرح- لا قود في النفس، وفي الجرح قصاص إن كان ممّا يوجبه، وإلّا فأرش الجناية، ولو لم يكن مجهزاً لكن اتّفق القتل به وبالجرح معاً، سقط ما قابل فعل المجروح، فللولي قتل الجارح بعد رد نصف ديته.^
^لو جُرح فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز
في المسألة فروع:
1. لو جرحه شخص وكان الجرح متلفاً بنفسه، سواء داواه أم لم يداوه، فالجارح هو القاتل.
وهذه الصورة لم يذكرها المصنّف. وذكرها صاحب المسالك.[1]
2. إذا لم يكن الجرح متلفاً بنفسه، وكان الدواء السمّي مجهزاً مستقلًا على وجه يستند القتل إليه، فالأوّل جارح والقاتل هو نفسه، فلا قصاص ولا دية النفس، نعم لوليه القصاص في الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص، وإلّا فأرش الجناية، نظير ما لو جرحه شخص وقتله آخر، فالآخر يقتل؛ وأمّا الجارح إما يقتص- إن كان ممّا يوجبه- أو يؤخذ منه أرش الجناية.
3. إذا لم يكن الدواء مجهزاً وكان الغالب فيه السلامة فاتّفق الموت واستند إلى الجرح والدواء، قال في المسالك: فإن لم يكن كلّ منهما---)
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 79.
(--- مستقلًا بالإتلاف فاتّفق الهلاك بهما كان مشتركاً بين المقتول والجارح، فإن كان الجرح وقع عمداً فسرايته كذلك ولو بالشركة كما مرّ، فللأولياء قتل الجارح بعد أن يردّوا نصف الدية في مقابل الشركة.[1]
وبه قال المصنّف: سقط ما قابل فعل المجروح، فللولي قتل الجارح بعد ردّ نصف ديته.
يلاحظ عليه:بأنّه إذا كان الجرح غير متلف مطلقاً وإنّما حدث التلف بضم عمل المجروح- أعني: التداوي بالسم- فلا وجه للقصاص والقود، وإنّما يتعيّن لولي المقتول قصاص الجرح أو أخذ الدية.
ويشهد على ما ذكرنا أنّه لو جرح إنسان أصبع رجل فداواه المجروح عن جهل بدواء مسموم فقتله، فالقتل وإن كان مستنداً إليهما إذ لولا الجرح لم يقدم على التداوي به، لكن الموت عرفاً مستند إلى تقصير الجارح حيث داوى نفسه بدواء مسموم وجعل ما ليس سبباً للموت، سبباً له، والسبب الناقص سبباً تاماً.
وقياس المقام على ما لو شارك شخصان في قتل واحد على نحو التساوي حيث يحكم عليهما بالقصاص بعد ردّ نصف الدية لكلّ واحد، قياس مع الفارق، لأنّ عمل كلّ واحد منهما على المقتول تجاوز عليه وعدوان، والتقصير يرجع إليهما لا إلى المجروح، وهذا بخلاف المقام فإنّ الفرد الخارجي جرحه ولم يكن جرحه قاتلًا، وإنّما قتله فعل المجروح؟ فالقاتل هو نفسه لا الأجنبي:«وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»[2].
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 79.
[2]. الأنعام: 164.
المسألة 24. لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه، فقتله السباع، فهو قتل عمد عليه القود. وكذا لو ألقاه إلى أسد ضار فافترسه إذا لم يمكنه الاعتصام منه بنحو ولو بالفرار، ولو أمكنه ذلك وترك تخاذلًا وتعمّداً لا قود ولا دية، ولو لم يكن الأسد ضارياً فألقاه لا بقصد القتل فاتّفق أنّه قتله، لم يكن من العمد، ولو ألقاه برجاء قتله فقتله فهو عمد عليه القود، ولو جهل حال الأسد فألقاه عنده فقتله فهو عمد إن قصد قتله، بل الظاهر ذلك لو لم يقصده.^
3. انضمام مباشرة حيوان إلى المتلف
^ هذا هو القسم الثالث من التسبيب حيث ينضمّ إلى الجاني حيوان جارح فيكون القتل منتسباً إليهما، وإليك بيان الفروع.
1. لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه، ولم يمكنه الفرار منها، فقتله السباع، فهو قتل عمد؛ لأنّ السبع بما أنّه فاعل غير مختار يعمل حسب طبيعته الّتي هي الفتك، فهو يصبح كالآلة بيد الضارب، وكما ينسب القتل إلى الفاعل لا إلى السيف فهكذا المقام.
2. إذا ألقاه أمام الأسد في قفصه فقتله فعليه القود؛ لأنّ الفعل ممّا يقتل والفاعل قصد القتل، وعلى هذا فلا فرق بين كونه في مضيق أو برّية؛---)