ويشتمل كتابنا- القصاص- على مقدّمة وقسمين:
1. في قصاص النفس، وفيه أربعة فصول:
الأوّل: في موجبات القصاص.
الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص.
الثالث: ما يثبت به القود.
الرابع: كيفية الاستيفاء.
2. في قصاص ما دون النفس، وفيه مسائل.
وعلى كلّ تقدير فالرجاء من الهادي الحكيم عزّ وجلّ أن يعرّفنا الحق فنتّبعه، ويعرّفنا الباطل فنجتنبه إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد للَّهرب العالمين
^^^
جعفر السبحاني
كتاب القصاص
القصاص لغة واصطلاحاً
القصاص في الكتاب العزيز
في أقسام القصاص
القسم الأوّل: في قصاص النفس، وفيه فصول
الفصل الأوّل: في موجبات القصاص
الفصل الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص
الفصل الثالث: ما يثبت به القود
الفصل الرابع: كيفية الاستيفاء
القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
كتاب القصاص
^ وهو إمّا في النفس، وإمّا فيما دونها.
القسم الأوّل: في قصاص النفس
والنظر فيه في الموجب، والشرائط المعتبرة فيه، وما يثبت به، وكيفية الاستيفاء
^القصاص لغةً واصطلاحاً
القصاص:على وزن فعال، مصدر قصّ، قال في اللسان: يقال: قصصت الشيء، إذا تتبّعت أثره شيئاً بعد شيء، ومنه قوله تعالى:«وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ»[1]أي: اتّبعي أثره، وكأنّ وليّ الدم يتبع أثر الجاني فيفعل به مثل فعله.
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من القصّ بمعنى القطع، قال في اللسان:
وأصل القصّ، القطع، يقال: قصصت ما بينهما أي قطعت، ثم نقل عن---)
[1]. القصص: 11.
(--- أبي منصور أنّه قال: القصاص في الجراح مأخوذ من هذا، إذا اقتصّ منه له بجرحه مثل جرحه إيّاه أو قتله به.[1]
وعلى كلّ تقدير فالمراد به هنا القَوَد.
القصاص في الكتاب العزيز
ثمّ إنّ القصاص ورد في العديد من الآيات الكريمة، نظير قوله تعالى:
1. قال سبحانه:«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[2]، وذيل الآية تعليل لتشريع القصاص، فإنّه يسبّب المنع من التوغّل في الدماء حيث يرى أنّ القصاص وراء عمله. فمعنى قوله:«لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»: أي لعلّكم تحترزون عمّا يوجب القصاص.
فعلى هذا ففي القصاص حياة المجتمع، فهو في الظاهر إماتة ولكّنه في الواقع إحياء للجماعة.
وكانت العرب قبل الإسلام يقولون: «القتل أنفى للقتل»، فجاءت هذه الآية مكان قولهم هذا، ولكن بأفصح الجمل وأبلغ المعاني، كما هو مذكور في محلّه.
2. قال سبحانه:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى---)
[1]. لسان العرب: 7/ 73، مادة« قصّ».
[2]. البقرة: 179.
(--- بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[1].
ومعنى الآية: فرض عليكم القصاص في القتلى، أي يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول، فيقتل الحر بالحر، والعبدُ بالعبد، والأُنثى بالأُنثى.«فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ»المراد من الموصول هو القاتل، والضمير في «له» يرجع إليه، والمعنى: إن ترك أخوه- أعني: ولي الدم- القصاص ورضي بالدية، فالواجب على ذلك الأخ العافي هو طلب الدية بلا عنف كما يقول«فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ»، أي لا يلحّ في الطلب، وينظره إن كان معسراً، ولا يطالبه بالزيادة على حقّه؛ وأمّا وظيفة المعفوّ له فقد أشار إليها بقوله:«وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ»، أي الدفع إليه عند الإمكان من غير مَطْل.
ثمّ إنّ تشريع القصاص والدية لأجل أنّ ذلك«تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ»بشرط رعاية العدل«وَرَحْمَةٌ»فلم يوجب القصاص فقط، بل جوّز تبديله بالدية.
«فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ»: أي تجاوز الحدّ بعد ما بُيّن له الحكم الإلهي«فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»في الآخرة.[2]
وقد تجلّت في الآية عظمة التشريع الإسلامي حيث يصف ولي الدم، أخاً للقاتل، مشعراً بأنّ القتل لم يقطع صلة الأُخوة بينهما؛ ثم إنّه يوصي العافي باتّباع المعروف والمعفو له بأداء إليه بإحسان، وينهاهما عن الاعتداء.
3. قال سبحانه:«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ---)
[1]. البقرة: 178.
[2]. مجمع البيان: 1/ 265.
(--- فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ».[1]
المراد من الشهر الحرام ما يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال، وهي الأشهر الأربعة: ذو القعدة الحرام، وذوالحجّة الحرام، ومحرم الحرام، ورجب المرجّب.
والحرمات: جمع حُرمة، وهي ما يجب حفظه ويحرم هتكه، وإنّما جمع الحرمات؛ لأنّه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام، بل كلّ الحرمات.
وقوله في ذيل الآية:«فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»: أي ظلمكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، أي جازوه بمثله، وسمّاه اعتداءً من باب المشاكلة.
إلى هنا تبيّنت معاني مفردات الآية، بقي الكلام في المراد من الجملتين التاليتين:
أ.«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ».
ب.«وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ».
أمّا الأُولىفالمراد بها: أنّ مَن استحلّ دمكم أيّها المسلمون في هذا الشهر، فاستحلّوا دمه فيه.
وأمّا الثانيةفالمراد بها: أنّ مَن ينتهك حرمات اللَّه يقتص منه---)
[1]. البقرة: 194.
(--- ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع عذر كل مَن ينتهك الحرمات، وعلى هذا فيمكن أن يراد من الحرمات أعم ممّا ذكرنا، كما مرّ، فتشمل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.[1]
4. قال تعالى:«وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».[2]
أي فرضنا على اليهود في التوراة أنّ النفس بالنفس، أي إذا قتلت نفس نفساً أُخرى فإنّه يستحق عليها القَوَد.
وأمّا قوله:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ»قال العلماء: كلّ شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأُذن والسنّ، وجميع الأطراف، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف.
وقوله:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»هذا عام في كلّ ما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين واليدين والرجلين، وتقتص الجراحات بمثلها؛ وخرج عن تحت القاعدة«المأمومة»و«الجائفة»فإنّه لا قصاص فيهما، والأُولى هي التي تبلغ أُمّ الرأس، والثانية هي التي تبلغ الجوف في البدن[3]؛ لأنّ في القصاص فيهما تغرير بالنفس، وكلّ جراحة يخاف منها التلف ففيها أُروش مقدّرة.---)
[1]. لاحظ: مجمع البيان: 2/ 286؛ تفسير الكاشف، لمغنية: 1/ 301.
[2]. المائدة: 45.
[3]. مجمع البيان: 3/ 199.