(--- ب. على الملجئ (الآمر) وحده القود، وعلى المكره (المباشر) نصف الدية.
وقال أبو حنيفة: القود على المُكرَه وحده ولا ضمان على المُكرِه من قود ولا دية ولا كفّارة.[1]
ويدلّ على المختار صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل أمر رجلًا بقتل رجل، فقتله؟ قال: «يقتل به الذي قتله، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت».[2]
2. لو كان المُكرَه مجنوناً أو طفلًا غير مميّز، فالقصاص على المُكرِه الآمر، لقوة السبب وضعف المباشر.
3. لو أمر شخص طفلًا مميّزاً بالقتل فقتله، ليس على واحد منهم القود، والدية على عاقلة الطفل.
وجهه:أنّ المباشر مختار غير مكره، فالفعل ينسب إليه، وبما أنّه غير مكلّف لا يقتص منه وتؤخذ الدية وهي على عاقلته. وأمّا الآمر فهو سبب بعيد.
ومع ذلك يحبس الآمر كما مرّ في صحيح زرارة.
4. لو أكره الطفل المميّز- مكان الآمر- على ذلك، فقال المصنّف، فهل على الرجل المكره القود أو الحبس أبداً؟ الأحوط الثاني.
أقول: يقع الكلام تارة في الطفل المميّز المكرَه، وأُخرى في---)
[1]. الخلاف: 5/ 166، المسألة 29، كتاب الجنايات؛ ولاحظ: بداية المجتهد للقرطبي: 388.
[2]. الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
(--- الرجل المُكرِه.
أمّا الأوّل فلا قود لرفع التكليف، وأمّا الدية فعلى عاقلة المباشر؛ وذلك لأنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.
نعم للشيخ في المسألة قول خاص، قال في «النهاية»: إذا قتل الصبي رجلًا متعمّداً، كان عمده وخطأه واحداً، فإنّه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار، فإذا بلغ ذلك، اقتص منه، وأُقيمت عليه الحدود التامّة.[1]
وما ذكره مبني على حديث مطروح وهو خبر السكوني: «إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قُضي بالدية».[2]
والحديث غير معمول به وإنّما عمل به الشيخ في «النهاية»، وحكي عن ابن البراج في «المهذب»، ولكنّه ينافي عموم ما تضافر: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».[3]
كما هو منافٍ لنصوص البلوغ، وهو تمامية الخمسة عشرة سنة.
وأمّا الرجل المُكرِه ففيه وجهان:
1. القود على المكرِه؛ وذلك لأنّه هو الذي أجبر المباشر على القتل وسلب عنه الاختيار، فلا يقصر تأثيره عن المباشر.---)
[1]. النهاية: 761.
[2]. الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[3]. الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 10.
(--- 2. الحبس حتى يموت فيه لما ورد في صحيح زرارة من قوله عليه السلام:
«ويحبس الآمر بقتله بالحبس حتى يموت».[1]
ولا يخفى أنّ الوجه الثاني هو الأقوى والأحوط، وذلك لأنّ إكراه المكره لا يسلب الاختيار عن المباشر، فإنّه هو قدّم قتل الرجل على قتله وإلّا كان في وسعه أن يعكس.
نعم ورد في مرفوعة عبد الرحمن بن الحجاج أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان لا يرى الحبس إلّافي ثلاثة: رجل أكل مال اليتيم، أو غصبه، أو رجل اؤتمن أمانة فذهب بها.[2]
لكن الحصر فيها إضافيّ وقد ورد الحبس في موارد أُخرى، فالسارق في المرحلة الثالثة يسجن،[3]وروي: أنّ عليّاً كان يحبس في الدين، فإذا تبيّن له حاجة وإفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالًا.[4]
[1]. الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[2]. الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات، الحديث 1.
[3]. لاحظ: الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 و 3 وغيرهما.
[4]. الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، الحديث 1 و 3.
المسألة 35. لو قال بالغ عاقل لآخر: «اقتلني وإلّا قتلتك» لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة؛ لكن لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله جاز قتله دفاعاً، بل وجب، ولا شيء عليه؛ ولو قتله بمجرد الإيعاد كان آثماً، وهل عليه القود؟ فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية أيضاً.^
^لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلّا قتلتك
في المسألة فروع:
الأوّل:لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلّا قتلتك، لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة، وذلك لما ورد من عدم التقية في الدماء.
وربما يتصوّر جواز القتل؛ لأنّه أسقط حقّه فلا يتسلّط الوارث عليه؛ لأنّه يرث ما للمورّث من الحقوق والمفروض أنّه أسقط حقّه وقال: اقتلني.
يلاحظ عليه:أنّ الإسقاط فرع الثبوت، فإذا كان الابقاء والإسقاط بيد الإنسان فله أن يسقط، ولكن ليست حياة الإنسان بيده حتى يبقيها أو يسقطها، فإسقاطه لا يؤثر في أمر القصاص، ولذلك لو رضيت المرأة بالزنا لا يسبب حلّية العمل من جانب الزاني.
وحصيلة الكلام:أنّ الإكراه لا يكون مبرراً للقتل، سواء كان المكره عليه قتل الغير، أو قتل المكره، وتوهّم انصراف أدلّة القصاص أو الدية عن مثل المقام كماترى بعد ما ورد أنّ التقية شرعت لصيانة الدماء، فإذا بلغت الدم---)
(--- فلا تقية.
الثاني:لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله، جاز قتله دفاعاً، بل وجب.
الثالث:ولو قتله بمجرد الإيعاد، لا شكّ أنّه كان آثماً، وهل عليه القود؟
قال في المتن: فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية.
أمّا القود فيمكن أن يكون وجهه ضابطة درء الحدود بالشبهات لأجل إذنه في قتله، وأمّا الدية فالظاهر ثبوتها.
وبذلك يعلم ضعف ما في المتن من أنّ الأرجح عدم القود كما لا يبعد عدم الدية أيضاً فإنّه ليس براجح على إطلاقه، بل لابدّ من التفصيل بين الإيعاد الجدّي على نحو لو خالف يقتل، فيكون حكمه حكم الفرع السابق؛ وبين الإيعاد غير المعلوم كونه جدّياً، فلا يبعد فيه القصاص، فلو درأ فيه للشبهة فلا أقل من الدية.
المسألة 36. لو قال: «اقتل نفسك» فإن كان المأمور عاقلًا مميّزاً فلا شيء على الآمر، بل الظاهر أنّه لو أكرهه على ذلك فكذلك، ويحتمل الحبس أبداً لإكراهه فيما صدق الإكراه، كما لو قال: «اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة».^
المسألة 37. يصحّ الإكراه بما دون النفس، فلو قال له: اقطع يد هذا وإلّا قتلتك، كان له قطعها وليس عليه قصاص، بل القصاص على المكره؛ ولو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر، ولو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو قطع يد أحد الرجلين فاختار أحدهما، فليس عليه شيء، وإنّما القصاص على المكره الآمر.^^
^ إذا قال: اقتل نفسك، وكان المأمور عاقلًا مميّزاً، فلا قود على الآمر؛ لأنّ المأمور هو المباشر، والآمر على تقدير تسبيبه ضعيف جدّاً، نعم يحتمل الحبس أبداً فيما لو صدق على فعله الإكراه، كما لو قال: اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة. وقد مرّ ما يدلّ عليه في المسألة الرابعة والثلاثين، فلاحظ.
نعم لو كان المأمور غير مميّز، فالقود على الآمر لضعف المباشر؛ لأنّه بمنزلة الآلة.
^^في الإكراه بما دون النفس
في المسألة فروع ثلاثة:
الأوّل:لو أكرهه على مادون النفس، كما لو أكرهه على قطع يد
(--- شخص وإلّا قتله، لا شكّ أنّه يجوز له القطع، للفرق بين الإكراه على النفس والإكراه على الطرف، ففي الأوّل يحرم عليه الفعل؛ وذلك لأنّ التقيّة شُرّعت لصيانة الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة. وفي الثاني يجوز لأنّه بعمله هذا يحفظ نفسه.
هذا ممّا لا غبار عليه، إنّما الكلام فيمن يقتص منه، فقال المصنّف:
القصاص على المُكرِه؛ وذلك لأنّ المُكرَه صار أداة طيّعة بيد المُكرِه، ولو عُدّ مباشراً فمنزلته بمنزلة السيف فلا تتوجه إليه المسؤولية، بل على من أوجد ظروف الجريمة.
ذهب السيد الخوئي إلى سقوط القصاص عن المكرِه قائلًا بعدم كونه قاطعاً لليد حتى يثبت عليه القود، وانّما القاطع هو المكرَه (بالفتح) باختياره ولو من جهة دفع الضرر الأهمّ، وأمّا عدم ثبوته على المكرَه فلعدم صدور القطع منه عدواناً الذي هو الموضوع للقصاص، وأمّا ثبوت الدية عليه فلأنّ قطع يد المسلم لا يذهب هدراً.[1]
يلاحظ عليه:بأنّ ما ذكره من عدم ثبوت القصاص على المكرَه صحيح، إنّما الكلام في تبرئة المكرِه عن القصاص والدية مع أنّه هو الذي ألجأ المكرَه على قطع يد المسلم لحفظ نفسه، فكيف يكون بريئاً من القصاص والدية فإنّه بإكراهه المباشر وتهديده له بالقتل يضعف اختياره فيلجأ لأجل حفظ نفسه إلى قطع اليد. ثم لو فرضنا عدم القصاص هنا، فالدية على المكرِه لا على---)
[1]. مباني تكملة المنهاج: 2/ 18.
(--- المكرَه؛ وما ذاك إلّالأنّ المكرَه أقدم على أمر جائز بأمر الشرع، فلو كان لهذا العمل تبعة فالمكرِه أولى أن يتحمّله دون المباشر.
نعم رفع الحرمة لا يلازم عدم الضمان في بعض الموارد، كما في جواز السرقة في أيام المجاعة فلا يرتفع الضمان، لكن المقام يفارقه حيث إنّ الآكل والضامن في المثال شخص واحد؛ وأمّا المقام فالقتل مستند إلى المُكرِه تسبيباً وإلى المكرَه (بالفتح) مباشرة، ولولا تهديد المكرِه لما أقدم المكرَه على العمل.
الفرع الثاني:لو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر؛ وذلك لأنّه ليس مكرهاً عليه حتى ترتفع الحرمة، بل مأمور وليس في ترك العمل وعيد، فالفعل ينتسب إلى المباشر، إذ لو تركه لما ترتّب عليه شيء.
الفرع الثالث:لو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو أكرهه على قطع يد أحد الرجلين فاختار أحد الرجلين، فالقصاص على المُكرِه، إذ لا فرق بين هذا الفرع والفرع الأوّل، لاستناد الفعل إلى المُكرِه (الآمر) وإقدام المُكرَه بأمر الشارع.
وإنّما عنوَنه في المتن فلأجل رد توهّم، وهو أنّه وإن كان في أصل القطع مكرهاً لكنّه في انتخاب إحدى اليدين أو يد أحد الرجلين غير مكره، فالخصوصية بيد المكرَه لا بيد المُكرِه.
والإجابة عنه واضحة؛ لأنّ الإلزام على الجامع إلزام على الخصوصية عرفاً وعقلًا؛ لأنّ الجامع لا يتحقّق إلّافي ضمن فرد، وتهديد المكرِه لا يرتفع إلّا بانتخاب فرد من الجامع فينتهي الأمر إلى المكرَه.