المسألة 35. لو قال بالغ عاقل لآخر: «اقتلني وإلّا قتلتك» لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة؛ لكن لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله جاز قتله دفاعاً، بل وجب، ولا شيء عليه؛ ولو قتله بمجرد الإيعاد كان آثماً، وهل عليه القود؟ فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية أيضاً.^
^لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلّا قتلتك
في المسألة فروع:
الأوّل:لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلّا قتلتك، لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة، وذلك لما ورد من عدم التقية في الدماء.
وربما يتصوّر جواز القتل؛ لأنّه أسقط حقّه فلا يتسلّط الوارث عليه؛ لأنّه يرث ما للمورّث من الحقوق والمفروض أنّه أسقط حقّه وقال: اقتلني.
يلاحظ عليه:أنّ الإسقاط فرع الثبوت، فإذا كان الابقاء والإسقاط بيد الإنسان فله أن يسقط، ولكن ليست حياة الإنسان بيده حتى يبقيها أو يسقطها، فإسقاطه لا يؤثر في أمر القصاص، ولذلك لو رضيت المرأة بالزنا لا يسبب حلّية العمل من جانب الزاني.
وحصيلة الكلام:أنّ الإكراه لا يكون مبرراً للقتل، سواء كان المكره عليه قتل الغير، أو قتل المكره، وتوهّم انصراف أدلّة القصاص أو الدية عن مثل المقام كماترى بعد ما ورد أنّ التقية شرعت لصيانة الدماء، فإذا بلغت الدم---)
(--- فلا تقية.
الثاني:لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله، جاز قتله دفاعاً، بل وجب.
الثالث:ولو قتله بمجرد الإيعاد، لا شكّ أنّه كان آثماً، وهل عليه القود؟
قال في المتن: فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية.
أمّا القود فيمكن أن يكون وجهه ضابطة درء الحدود بالشبهات لأجل إذنه في قتله، وأمّا الدية فالظاهر ثبوتها.
وبذلك يعلم ضعف ما في المتن من أنّ الأرجح عدم القود كما لا يبعد عدم الدية أيضاً فإنّه ليس براجح على إطلاقه، بل لابدّ من التفصيل بين الإيعاد الجدّي على نحو لو خالف يقتل، فيكون حكمه حكم الفرع السابق؛ وبين الإيعاد غير المعلوم كونه جدّياً، فلا يبعد فيه القصاص، فلو درأ فيه للشبهة فلا أقل من الدية.
المسألة 36. لو قال: «اقتل نفسك» فإن كان المأمور عاقلًا مميّزاً فلا شيء على الآمر، بل الظاهر أنّه لو أكرهه على ذلك فكذلك، ويحتمل الحبس أبداً لإكراهه فيما صدق الإكراه، كما لو قال: «اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة».^
المسألة 37. يصحّ الإكراه بما دون النفس، فلو قال له: اقطع يد هذا وإلّا قتلتك، كان له قطعها وليس عليه قصاص، بل القصاص على المكره؛ ولو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر، ولو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو قطع يد أحد الرجلين فاختار أحدهما، فليس عليه شيء، وإنّما القصاص على المكره الآمر.^^
^ إذا قال: اقتل نفسك، وكان المأمور عاقلًا مميّزاً، فلا قود على الآمر؛ لأنّ المأمور هو المباشر، والآمر على تقدير تسبيبه ضعيف جدّاً، نعم يحتمل الحبس أبداً فيما لو صدق على فعله الإكراه، كما لو قال: اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة. وقد مرّ ما يدلّ عليه في المسألة الرابعة والثلاثين، فلاحظ.
نعم لو كان المأمور غير مميّز، فالقود على الآمر لضعف المباشر؛ لأنّه بمنزلة الآلة.
^^في الإكراه بما دون النفس
في المسألة فروع ثلاثة:
الأوّل:لو أكرهه على مادون النفس، كما لو أكرهه على قطع يد
(--- شخص وإلّا قتله، لا شكّ أنّه يجوز له القطع، للفرق بين الإكراه على النفس والإكراه على الطرف، ففي الأوّل يحرم عليه الفعل؛ وذلك لأنّ التقيّة شُرّعت لصيانة الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة. وفي الثاني يجوز لأنّه بعمله هذا يحفظ نفسه.
هذا ممّا لا غبار عليه، إنّما الكلام فيمن يقتص منه، فقال المصنّف:
القصاص على المُكرِه؛ وذلك لأنّ المُكرَه صار أداة طيّعة بيد المُكرِه، ولو عُدّ مباشراً فمنزلته بمنزلة السيف فلا تتوجه إليه المسؤولية، بل على من أوجد ظروف الجريمة.
ذهب السيد الخوئي إلى سقوط القصاص عن المكرِه قائلًا بعدم كونه قاطعاً لليد حتى يثبت عليه القود، وانّما القاطع هو المكرَه (بالفتح) باختياره ولو من جهة دفع الضرر الأهمّ، وأمّا عدم ثبوته على المكرَه فلعدم صدور القطع منه عدواناً الذي هو الموضوع للقصاص، وأمّا ثبوت الدية عليه فلأنّ قطع يد المسلم لا يذهب هدراً.[1]
يلاحظ عليه:بأنّ ما ذكره من عدم ثبوت القصاص على المكرَه صحيح، إنّما الكلام في تبرئة المكرِه عن القصاص والدية مع أنّه هو الذي ألجأ المكرَه على قطع يد المسلم لحفظ نفسه، فكيف يكون بريئاً من القصاص والدية فإنّه بإكراهه المباشر وتهديده له بالقتل يضعف اختياره فيلجأ لأجل حفظ نفسه إلى قطع اليد. ثم لو فرضنا عدم القصاص هنا، فالدية على المكرِه لا على---)
[1]. مباني تكملة المنهاج: 2/ 18.
(--- المكرَه؛ وما ذاك إلّالأنّ المكرَه أقدم على أمر جائز بأمر الشرع، فلو كان لهذا العمل تبعة فالمكرِه أولى أن يتحمّله دون المباشر.
نعم رفع الحرمة لا يلازم عدم الضمان في بعض الموارد، كما في جواز السرقة في أيام المجاعة فلا يرتفع الضمان، لكن المقام يفارقه حيث إنّ الآكل والضامن في المثال شخص واحد؛ وأمّا المقام فالقتل مستند إلى المُكرِه تسبيباً وإلى المكرَه (بالفتح) مباشرة، ولولا تهديد المكرِه لما أقدم المكرَه على العمل.
الفرع الثاني:لو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر؛ وذلك لأنّه ليس مكرهاً عليه حتى ترتفع الحرمة، بل مأمور وليس في ترك العمل وعيد، فالفعل ينتسب إلى المباشر، إذ لو تركه لما ترتّب عليه شيء.
الفرع الثالث:لو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو أكرهه على قطع يد أحد الرجلين فاختار أحد الرجلين، فالقصاص على المُكرِه، إذ لا فرق بين هذا الفرع والفرع الأوّل، لاستناد الفعل إلى المُكرِه (الآمر) وإقدام المُكرَه بأمر الشارع.
وإنّما عنوَنه في المتن فلأجل رد توهّم، وهو أنّه وإن كان في أصل القطع مكرهاً لكنّه في انتخاب إحدى اليدين أو يد أحد الرجلين غير مكره، فالخصوصية بيد المكرَه لا بيد المُكرِه.
والإجابة عنه واضحة؛ لأنّ الإلزام على الجامع إلزام على الخصوصية عرفاً وعقلًا؛ لأنّ الجامع لا يتحقّق إلّافي ضمن فرد، وتهديد المكرِه لا يرتفع إلّا بانتخاب فرد من الجامع فينتهي الأمر إلى المكرَه.
المسألة 38. لو أكرهه على صعود شاهق فزلق رجله وسقط فمات، فالظاهر أنّ عليه الدية لا القصاص، بل الظاهر أنّ الأمر كذلك لو كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً على إشكال.^
^لو أكره شخصاً على صعود شاهق فزلقت رجله
لو أُكره على صعود شاهق أو شجرة مثلًا فزلق رجله ومات، ثبت الضمان على المكرِه، والمفروض ليس مجرد الأمر، بل التوأم مع الإكراه، لكن الكلام في أنّه يثبت عليه القصاص أو الدية، فالمصنّف احتمل وجوب الدية في كلتا الصورتين، أي سواء كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً أم لا، على إشكال في الأوّل، الظاهر وجود الفرق بين ما لو لم يكن الصعود موجباً للسقوط غالباً، وما يكون كذلك؛ فالفعل في الأوّل لا يقتل، فيثبت فيه الدية، بخلاف الثاني ففيه القود.
هذا كلّه إذا لم يقصد القتل في كلتا الصورتين وإلّا يقتص مطلقاً.
المسألة 39. لو شهد اثنان بما يوجب قتلًا كالارتداد مثلًا، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً كالزنا، ثم ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد إجراء الحدّ أو القصاص، لم يضمن الحاكم ولا المأمور من قبله في الحدّ، وكان القود على الشهود زوراً مع ردّ الدية على حساب الشهود.
ولو طلب الولي القصاص كذباً وشهد الشهود زوراً، فهل القود عليهم جميعاً، أو على الولي، أو على الشهود؟ وجوه، أقربها الأخير.^
^لو شهد اثنان أو أكثر زوراً بما يوجب قتلًا أو رجماً
في المسألة فرعان:
الأوّل:لو شهد اثنان بما يوجب قتلًا، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً، ثم ثبت كذبهم بعد إجراء الحدّ.
يقع الكلام في مَن عليه القصاص.
لا شكّ أنّ الحاكم والحدّاد لا يضمنان، بل القود على الشهود؛ لأنّ عملهم تسبيب متلف بحكم الشرع. والحاصل: أنّ نسبة القتل إليهما ضعيفة؛ لأنّهما قاما بوظيفتهما الشرعية، وإنّما ينتسب إلى الشهود العالمين بالكذب، فالسبب هنا أقوى في التأثير من المباشر الجاهل.
ويدلّ عليه مرسل ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: «إن قال الرابع: وهمت، ضرب الحدّ وغرم الدية؛ وإن قال:---)
(--- تعمّدت، قتل».[1]
ونظيره خبر مسمع عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في أربعة شهدوا على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها، فيرجم، ثمّ يرجع واحد منهم، قال: «يغرم ربع الدية إذا قال: شبه عليَّ، فإن رجع اثنان وقالا: شبّه علينا، غرما نصف الدية، وإن رجعوا وقالوا: شبّه علينا غرموا الدية؛ وإن قالوا: شهدنا بالزور، قتلوا جميعاً».[2]
ثمّ إنّ المصنّف أشار بقوله: مع ردّ الدية على حساب الشهود، إلى الضابطة في باب القصاص من أنّه مثلًا إذا قتل اثنان بواحد يُردّ على أولياء المقتولين فاضل ديتهما، وهكذا، وفي المقام إذا قتل الأربعة يُرد إلى أوليائهم ثلاث ديات، وإذا قتل اثنين منهم يأخذ ربع الدية من كلّ واحد من الباقيين فيكون المجموع نصف الدية ويرد إلى أولياء المقتولين دية ونصف الدية، لكلّ واحد ثلاث أرباع الدية، فاضل ديته.
وهذا هو الذي رواه الكليني بإسناد عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل أنّه زنى فرجم ثمّ رجعوا، وقالوا: قد وهمنا، يلزمون الدية وإن قالوا: إنّما تعمّدنا، قتل أيّ الأربعة شاء وليُّ المقتول ورد الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني، ويجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانينجلدة؛ وإن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات على---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 63 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 64 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1؛ ولاحظ الحديث 2.