المسألة 39. لو شهد اثنان بما يوجب قتلًا كالارتداد مثلًا، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً كالزنا، ثم ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد إجراء الحدّ أو القصاص، لم يضمن الحاكم ولا المأمور من قبله في الحدّ، وكان القود على الشهود زوراً مع ردّ الدية على حساب الشهود.
ولو طلب الولي القصاص كذباً وشهد الشهود زوراً، فهل القود عليهم جميعاً، أو على الولي، أو على الشهود؟ وجوه، أقربها الأخير.^
^لو شهد اثنان أو أكثر زوراً بما يوجب قتلًا أو رجماً
في المسألة فرعان:
الأوّل:لو شهد اثنان بما يوجب قتلًا، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً، ثم ثبت كذبهم بعد إجراء الحدّ.
يقع الكلام في مَن عليه القصاص.
لا شكّ أنّ الحاكم والحدّاد لا يضمنان، بل القود على الشهود؛ لأنّ عملهم تسبيب متلف بحكم الشرع. والحاصل: أنّ نسبة القتل إليهما ضعيفة؛ لأنّهما قاما بوظيفتهما الشرعية، وإنّما ينتسب إلى الشهود العالمين بالكذب، فالسبب هنا أقوى في التأثير من المباشر الجاهل.
ويدلّ عليه مرسل ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: «إن قال الرابع: وهمت، ضرب الحدّ وغرم الدية؛ وإن قال:---)
(--- تعمّدت، قتل».[1]
ونظيره خبر مسمع عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في أربعة شهدوا على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها، فيرجم، ثمّ يرجع واحد منهم، قال: «يغرم ربع الدية إذا قال: شبه عليَّ، فإن رجع اثنان وقالا: شبّه علينا، غرما نصف الدية، وإن رجعوا وقالوا: شبّه علينا غرموا الدية؛ وإن قالوا: شهدنا بالزور، قتلوا جميعاً».[2]
ثمّ إنّ المصنّف أشار بقوله: مع ردّ الدية على حساب الشهود، إلى الضابطة في باب القصاص من أنّه مثلًا إذا قتل اثنان بواحد يُردّ على أولياء المقتولين فاضل ديتهما، وهكذا، وفي المقام إذا قتل الأربعة يُرد إلى أوليائهم ثلاث ديات، وإذا قتل اثنين منهم يأخذ ربع الدية من كلّ واحد من الباقيين فيكون المجموع نصف الدية ويرد إلى أولياء المقتولين دية ونصف الدية، لكلّ واحد ثلاث أرباع الدية، فاضل ديته.
وهذا هو الذي رواه الكليني بإسناد عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل أنّه زنى فرجم ثمّ رجعوا، وقالوا: قد وهمنا، يلزمون الدية وإن قالوا: إنّما تعمّدنا، قتل أيّ الأربعة شاء وليُّ المقتول ورد الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني، ويجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانينجلدة؛ وإن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات على---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 63 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 64 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1؛ ولاحظ الحديث 2.
(--- أولياء الشهود الأربعة ويجلدون ثمانين كلّ واحد منهم، ثم يقتلهم الإمام.[1]
الثاني:ولو شهد الشهود زوراً ولم يعلم الولي بكذب شهادتهم فليس عليه شيء، وأمّا لو علم بكذب شهادتهم ولكن طلب القصاص؛ فهل القود على الشهود، أو على الولي، أو عليهم جميعاً؟
يمكن أن يقال: إنّ القود على الولي إذا كان هو المباشر للقتل مكان الحدّاد، فالمباشر هنا أقوى من السبب الذي هو الشهود، لأنّه قصد قتله وفعله، وإن كانت شهادة الشهود ذريعة لفعله.
وأمّا لو افترضنا أنّ القتل وقع بيد الحدّاد كما هو المفروض، فلا شكّ في براءته مع القاضي عن القصاص والدية، فعندئذٍ يقع الكلام في أنّ القصاص على مَن؟
فهنا احتمالات أُشير إليها في المتن:
1. القود على الشهود والولي، للمساواة المقتضية للتشريك.
2. القصاص على الولي؛ لأنّ الطلب أقوى من الشهادة فهي كالشرط.
3. القصاص على الشهود، إذ لولا الشهادة لم يؤثر الطلب.
والأقوى عند المصنّف هو الأخير، والظاهر أنّ الأوجه هو الأوّل؛ لأنّ القتل معلول طلب الولي الكاذب والشهود الزور.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 64 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
(--- نعم لو تبيّن أنّ الولي كان صادقاً في نفسه وإن كان خاطئاً في الواقع، لم يبعد اختصاص القصاص بالشهود.
وليعلم أنّ ما ذكره في المتن من الارتداد أو الزنا مع الإحصان لا يصلح مثالًا للفرع الثاني، إذ ليس للولي فيهما دور، بل الأمر بيد الحاكم، ولابدّ أن يمثل بالقتل الذي للولي فيه حق الطلب.
المسألة 40. لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح- بحيث لا يبقى له حياة مستقرة- فذبحه آخر فالقود على الأوّل، وهو القاتل عمداً، وعلى الثاني دية الجناية على الميت، ولو جنى عليه وكانت حياته مستقرة فذبحه آخر فالقود على الثاني، وعلى الأوّل حكم الجرح قصاصاً أو أرشاً، سواء كان الجرح ممّا لا يقتل مثله أو يقتل غالباً.^
^لو جنى عليه وذبحه آخر
في المسألة فرعان:
1. لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح، فذبحه آخر.
2. لو جنى عليه وكانت حياته مستقرة فذبحه آخر.
أمّا الفرع الأوّل، كما إذا ضربه ضربات شديدة بالسيف فصار كالمحتضر، فقال المحقّق: قُضي على الأوّل بالقود، وعلى الثاني دية الميّت.[1]
أمّا القود فلأنّه القاتل حقيقة، وأمّا الدية على الثاني فلأنّه حكم من قطع رأس الميت، والمفروض أنّ المجني عليه بحكم الميّت، وهذا أيضاً خيرة المصنّف.
وأمّا الفرع الثانيأعني: لو كانت حياته مستقرة سواء يقضي عليه الموت لولا عمل الثاني أو لا، قال المحقّق: فالأوّل جارح والثاني قاتل.[2]---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 201.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 201.
(--- لأنّه منع من سراية الجناية الأُولى.
وما ذكره المحقّق هو خيرة العلّامة أيضاً في «قواعد الأحكام».[1]
وحاصل الكلام:أنّ المذبوح لو صار على حالة يفارق روحه بعد دقائق ويصير ميّتاً حقيقة، فالأول هو القاتل غير أنّ الثاني عجّل موته؛ بخلاف ما إذا كانت الحياة مستقرة على نحو يدرك ويتكلّم وإن كانت الضربات تقضي عليه بعد بضع أيّام، فالقاتل هو الثاني؛ لأنّه أنهى حياته بعد ما كان قابلًا للبقاء مدة لا يستهان بها.
وهنا احتمال آخر وهو أنّه لو كان فعل كلّ منهما مزهقاً فهما قاتلان، وكذا لو لم يكونا مزهقين، لكن مات منهما.
نعم لو كان أحدهما مزهقاً دون الآخر فهو القاتل.
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 588.
المسألة 41. لو جرحه اثنان فاندمل جراحة أحدهما وسرت الأُخرى فمات، فعلى من اندملت جراحته دية الجراحة أو قصاصها، وعلى الثاني القود. فهل يقتل بعد ردّ دية الجرح المندمل أم يقتل بلا رد؟ فيه إشكال، وإن كان الأقرب عدم الردّ.^
^لو جرحه اثنان فسرت جراحة أحدهما
لو قطع واحد يد شخص، وقطع آخر رجله، فاندملت إحداهما، ثم هلك بغير المندمل، فمن اندمل جرحه فهو جارح، والآخر قاتل يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل.
أمّا مَن اندمل جرحه فعليه القصاص في الطرف أو الدية مع التراضي، وأمّا مَن لم يندمل جرحه وأدّى إلى القتل فعليه القود لاستناد القتل إليه، دون من اندمل جرحه.
ولو افترضنا أنّه أخذت الدية من الجارح المندمل جرحه فهل يجب دفعها إلى أولياء القاتل- الذي لم يندمل جرحه وأدّى إلى القتل- كما عليه المحقّق حيث قال: يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل،[1]أو لا، كما عليه المصنّف حيث قال: وإن كان الأقرب عدم الردّ؟
الظاهر قوة الثاني لعدم صلته بمن لم يندمل جرحه. نعم سيأتي في---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 201.
(--- باب قصاص ما دون النفس اشتراط التساوي في السلامة من الشلل ونحوه وأنّه لا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء. وأمّا التساوي في غير هذا المورد فهو ليس شرطاً فلو كان المقتول واحد اليد، يقتصّ من القاتل وإن كان واجد اليدين، لأنّ القصاص فيه مركّز على إعدام حياته من دون نظر إلى جثمانه.
ولكن الظاهر من رواية سورة بن كليب دفع الدية المأخوذة إليه.
روى سورة بن كليب عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سُئل عن رجل قتل رجلًا عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: «إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده- إلى أن قال:- وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كامله، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام».[1]لكن الرواية ضعيفة فإنّ سورة بن كليب لم يوثّق.
[1]. الوسائل: 19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.