و الشيخ الصالح الولى «أبو الحارث» كان من الأولياء هولا، كانت بدايتهم على يد الشيخ «أبى كريم» ثم تزايدوا بعد ذلك خيرا كثيرا.
و ممن رأيته ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى «عبد العظيم الشرونى» سافر للمغرب، و صحب الشيخ الكبير «عبد العزيز المهدوى» من أكابر أصحاب الأستاذ الكبير، قطب العارفين «أبى مدين» رضي اللّه عنه، و كان الشيخ «عبد العظيم» مشهورا بالبركة و الخلق الجميل، و له كرامات تعرفها أصحابه، و خلف ابن أخته الشيخ الصالح «عبد المؤمن» كبير الشأن كثير الزهد و الورع، حسن الأخلاق و السعى فى الإصلاح بين الناس، و السعى فى ضروراتهم، و كان له قبول عظيم، طاهر القلب، و حصل به نفع كثير، رضي اللّه عنه.
و رأيت ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى «عبد الوهاب البدهلى» كثير المكاشفات، و ظاهره فيه و له مع الاستقامة، رضي اللّه عنه.
و رأيت ببلفيا رجلا مولها، و عند أكثر الناس مجنون له كشف، و مما جرى له أنه كان يوما[1]و معه دابة عليها أردب قمح فجاء إلى بحر من بحور البلاد طلب المعدية فلم يجدها، فساق الدابة إلى البحر، فعدت البحر و عليها الأردب القمح، و هو راكب فوق القمح إلى أن طلع للبر الذى طلبه.
و رأيت بمسلوطا رجلا كبير الشأن، يسمى «عبد الملك» كان قد انتسب لسيدى الأستاذ فى أحزوقته، كثير السياحات فى البرارى و الجبال، دخل و رأى عجائب أهل الرواق.
[1]-بداية اللوحة رقم: 97.
و مما جرى له فى سياحاته أن صبية من الحان مؤمنة صالحة سائحة، كانت من بنات بعض ملوك الجن، صحبته فقال لها: ما يجوز لى صحبتك إلا بأمر مشروع، فاتفق معها على إن حضر القاضى الجان عقد بينهما عقد النكاح على الوجه المشروع، و لم يكن لهما مقصود سوى جواز الصحبة، و أقاما بجبل المقطم سائحا مدة، يقتات فيها بورق الأشجار، و غاب عن بلده «سملوطا» سنين ثم جاء إلى قبالتها فى بر الشرق أقام بمسجد خراب على ساحل البحر مدة يرى بلده و أهله و لا يعدى لهم، يأكل مما يطرحه البحر ليأكله من أوراق الخضر و غيره، إلى أن أمر بالاجتماع بهم على البلدة، و عمر مكانا حسنا و تأهل و اشتهر بالولاية، و قال سيدى الأستاذ عنه: إن عاش يكون من الأبدال، و مات ببلده، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته فى المنية الشيخ «أبا عبيد اللّه جبريل» كان من الرجال المشهورين، هو الذى ربى الشيخ الجليل العالم المجد «الإخميمى» و علمه القرآن، و لو لم يكن كرامة إلا نشأة هذا الشيخ مجد الدين[1]ببركته، و خلف هذا الشيخ «جبريل» أولادا علماء و صلحاء.
و كان هذا الشيخ «مجد الدين» قد ظهر ظهورا عظيما بالفقر النظيف، و الصلف اللطيف، و القراءة الحسنة، و التجويد، و تألفت القلوب عليه إلى أن رغب فيه الشيخ الإمام العالم العامل الفقيه «تقى الدين أبو الطاهر» خطيب مصر، صاحب الشيخ «القرشى» و أزوجه ابنته رغبة فيه، و أقامه فى الخطابة بمصر، و استمر بها بعده استمرارا حسنا باجتماع قلوب الكافة عليه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 94.
و كان حسن الأخلاق، كثير المشى فى حوائج الناس، و الدخول معهم فى مصالحهم مرغوبا لذلك، يمشى فى حاجة الكبير و الصغير، و الحر و العبد، و المسلم و الكافر، تحبه سائر الطوائف و الملل، تردد مرارا لرجل كان من أولى الأمر.
و كان فيه جبروت؛ فلم يقبل له شفاعة و لا أجابه لقضاء حاجة، فتردد ما يزيد على عشرة مرات فى نهار واحد، و كلما قصد بالمشى إليه، يمشى إليه مع من يقصده، فقال له فى الأخيرة، لما زاد عليه: يا شيخ كم تأتينى و أنا لا أقبل لك قصدا و أنت لا تنقطع؟!! فتبسم «مجد الدين» و قال: المقصود هو اللّه سبحانه، و أنت لا تمنع و لا تعطى، فاعتذر له و استغفر، و قضى جميع الحوائج التى كان تردد له بسببها، و كان للوجود به جمالا، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته بثغر الإسكندرية الشيخ الإمام القدوة «مالك» كان عظيم الشأن، يعظمه جميع رجال الثغر، متفق على ترجيحه و عظم قدره، رضي اللّه عنه[1].
و الشيخ الجليل القدوة «أبو عبد اللّه بن أبى شامة» كان عظيم الشان، كثير الاعتدال، كثير الورع و الزهد، عظيم الحرمة، يرجع الناس فى أمورهم إليه، تزوره الملوك، و سائر الناس، انتفع به جمع كبير، و له حكايات مستفاضة من كرامات و تأثيرات جلية من نوع التسخيرات، و عموم الراحات، و التوسط بين الناس و إلهامه النافذ، و شهرته عظيمة، رضي اللّه عنه.
أبو القاسم القبارى
و رأيت بها الشيخ الزاهد الورع «أبا القاسم القبارى» و شهرته عظيمة، رضي اللّه عنه، و اتفاق العالم عليه، كان من أهل الإسكندرية، تعبد بها على طريق الورع الشديد، أنشأ بستانا على خليج الإسكندرية، اقتصر عليه، و سكن فيه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 99.
و كان يأكل من مغله، و كان البستان ضعيف الحال، كان يزرع فيه الفول أكثر أكله منه، و ينسج ما يلبسه منه، و حديثه طويل عظيم.
فمما جرى له أن شخصا كان جالسا بجانبه فرأى على طرف ثوب الشيخ «القبارى» شيئا إما ترابا أو غيره، فنفضه عن ثوبه، فأنكر عليه و ألزمه بأن يأخذ منه قطعة فضة سوداء أجرة نفضه لما كان على طرف ثوبه.
و كان الملوك يجيئون إليه فلا يلتفت إليهم، و لا يظهر عنه لهم إكرام إلا القدر الذى يضطر أن يفعله مع أقل الخلق، يفعله معهم، من كلام أو رد سلام، لا غير.
و اشتهر فى بلاد الإسلام، و بلاد الروم بما كان عليه من الزهد و الورع و التدقيق الذى ما سمع بمثله، رضي اللّه عنه.
و رأيت بها الشيخ[1]الصالح الولى، أبا الفقراء «حجاجا» كان من أعيان أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» الكبير، صاحب الشيخ القطب «أبو مدين» و كان طريقه إيصال الراحة للفقراء إلى أن سمى «أبا الفقراء» و سخر له أبناء الدنيا يتقاضا منهم ما يتقاضاه و يصرفه على الفقراء و الأرامل و الأيتام.
و كان فى رباط الشيخ «عبد الرزاق» متكفل بجميع من فيه من إخوته أصحاب الشيخ، و كانوا رجالا معتبرين، سماطهم ممدود بالطبيخ و المخزن مملوء بالقمح، و يخرج يدور على فقراء الثغر يمشى لبيوتهم، و منهم من يجىء إليه.
و شهدت القلوب بصدق نيته، و حسن معاملته للّه تعالى، فركنوا إليه، فكانت الأموال ترد عليه، و هو يخرج و يعم حتى إنه دخل عليه فى يوم عاشوراء ألف دينار حصلها و جاء إليه منها ما جاء، دار البلد على الفقراء و جاء عشية إلى باب الرباط و جيبه لم يبق فيه منها شىء.
[1]-بداية اللوحة رقم: 100.
و قال لى: يا بنى، كنت أطلب من شخص عشرين سنة، و هو لا يعطينى شيئا و أنا أترك طلبه إلى أن سخره اللّه لى إلى صار يعطينى المائة دينار فما حولها فى مرة واحدة.
و فقه هذه الحكاية أنه ليس له نفس متأثرة للمنع و لا للعطاء، فلم يعز عليهما المنع، و كان طلبه من اللّه فلم يصده منع الشخص عن الطلب.
و قصد رجل من أهل الثغر أن يخرج عشرين دينار يدفعها لأبى الفقراء ثم قالت له نفسه: إخراجك أنت لها أحسن[1]و أيقن، فنام تلك الليلة فرأى النبى صلّى اللّه عليه و سلم، و هو يقول: أتتهم من أمنه اللّه، فأصبح الرجل أخذ فى جيبه عشرين دينارا، و خرج يطلب أبا الفقراء «حجاجا» فلما لقيه سلم عليه و ناوله العشرين دينارا، قال:
يا أبى، اصرف هذه على من تراه. قال له حجاج: هذا بعد أن رأيت ما رأيت، و هزّه فاستغفر الرجل منه. و قال له: يا بنى، أربعين من تجار الكارم كنت آخذ منهم للفقراء افتقروا و أنا اليوم أعطيهم، و كأن رحمة فى الوجود بسعة البر و حسن النية، و الاصطلاح لذات البين، و كفالة الضعفاء، و الإقبال بالبر على من يرد الثغر، و كان للوجود به جمال و أنس بركة، رضي اللّه عنه.
و رأيت بالثغر بقية أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» منهم الشيخ الصالح الولى «عبد الرحمن بن الطيب» كان من أهل الإسكندرية، سلك بعد وفاة الشيخ «عبد الرزاق» إيصال الراحات لخلق اللّه، و كانت القلوب مقبلة عليه، مسخرة له، يعتمد فى إنفاقه على التساوى، و له خدام يساعدونه على التفرقة، يعم فقراء الثغر بما يفرقه، و لو أنه رغيف كل واحد إلى دينار لا يرجح أحدا على أحد، و لا يستقل
[1]-بداية اللوحة رقم: 101.
شيئا يفرقه، و كانت له كرامات و أحوال سنية، و نفع كثير للفقراء و المسلمين، رضي اللّه عنه.
و من أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» الشيخ الصالح الولى العارف «عبد الغالب» كان كبير الشأن، و كان أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» يعرفون له بالفضل، و كان فيه اعتدال و رسوخ[1]فى أنفاسه و سلوكه و اعتدالاته، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو النور» كان اسمه نورا سمجا أبيض أنقى رهيف الصورة، لطيف الشمائل، أقام عشر سنين ما شرب الماء، و لا خرج من زاويته من الرباط إلا للجمعة لا غير، بقى على ذلك سنين عديدة، و كان مشهورا بالولاية، رضي اللّه عنه.
و رأيت منهم الشيخ العارف الولى «عبد الرحمن بن الفراش» كان كبير الشأن، تعظمه الجماعة، و يميزونه، و كان له رسوخ و اعتدال و نفس فى المعرفة، رضي اللّه عنه.
و من الشيخ الصالح الولى «موسى المغربى» كان من أعيان أصحاب الشيخ، كثير المجاهدات، مستمر الخلوة، لا يخرج من زاويته فى الرباط إلى وقت الجماعة للصلاة، و لا يخرج من الرباط إلا للجمعة، أقام على هذا سنين كثيرة، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الولى العارف «أبو جعفر عمر التلمسانى» كان عظيم الشأن، قال لى: وقفت مرة على جانب البحر فدعوت للمسلمين فسمعت الجواب من صدر البحر و لك مثله مرتين أو ثلاثا، فقلت للشيخ «عبد الرزاق المهدوى».
[1]-بداية اللوحة رقم: 102.
لما كان عندنا فى الثغر إنى يكلمنى الحجر فلما سافر للمهدية كتب كتابا للجماعة و قال فيه: السلام على عمر الذى كلمه الحجر، فعتبت عليه بقوله عنى كذا، قلت ما موجب العتب، قال: من يكلمه اللّه ينعت بكلام بالحجر، و كان لطيف الشمائل، لطيف الأنفاس، حسن الأخلاق، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الزاهد[1]الفقيه العالم: «وجيه الدين عوف» كان من بيت كبير، و جمعوا العلم و العمل و الرئاسة جدهم الفقيه «أبو الطاهر» عظيم الشأن، متفق على علو قدره، زاره صلاح الدين، و كان ينتفع برأيه، منهم هذا الشيخ «وجيه الدين» صحب الشيخ «عبد الرزاق» و تميز بصحبته بأخلاق الفقراء، و سلوك مسالكهم، و كان إمام جامع الثغر، رضي اللّه عنه.
و رأيت بالثغر الشيخ الصالح العارف و الولى الكبير «عبد الرحمن المغربى» كان عظيم الشأن اجتمعت فيه أنواع الولاية الاستقامة و الكرامات و الأحوال السنية، و المعارف الجلية، و الأنفاس العالية، و السياحات الهائلة، و مما حكى لى عن بعض سياحاته أنه بلغ جبل قاف، و رأى الحية الدائرة بالجبل رأسها على ذنبها.
و كان له من المنازلات و الاطلاع على المغيبات ما لا للأكثرين المشهورين فى زمانه، و صحبته و اطلعت منه على أن له مقاما عظيما، و انتفع به جمع كثير، و خلف أولادا صلحاء فقراء عباد، و كان له فى الثغر حرمة و أثر و بركة، رضي اللّه عنه.
و رأيت به الشيخ الولى الكبير «عبد الرحمن النويرى» كان عظيم الشأن، كبير الحرمة، يزوره أعيان صلحاء الثغر، رضي اللّه عنه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 103.
و رأيت به الشيخ الصالح الكبير الولى «أبا زكريا يحيى» من أصحاب سيدى الإمام «أبى مدين» رضي اللّه عنه دخلت عليه صحبة أبى الفقراء[1]حجاج، وجدته شيخا قد كبر سنه، و كان كالفرخ، فزرناه و سألناه الدعاء، وجدناه مع هذا الحال صائما، رضي اللّه عنه.
و رأيت به الشيخ الصالح الولى اللطيف «أبا عبد اللّه المالقى» كان من الأعيان، و كان متميزا باللطافة، و يسير من الخلاعة، و له نفس فى التوحيد، و يغلب عليه شىء من المحبة، و انتفع به جماعة، و كان له قبول بالثغر، و فى بلاده، رضي اللّه عنه.
و رأيت به الشيخ الصالح العارف: «عبد القادر النقاد» سلك المعاملات على يدى الشيخ «ابن أبى شامة» ثم استولت عليه الأحوال فظهر عليه بعض ذلك و له كان ينطق فيه بالعجائب من النطق بأسرار الأحوال و المعارف، و لما تكاثر هذا منه ضاق عن حمله بعض فقهاء الثغر فأودعوه البيمارستان و الأحوال تغلب عليه، و الكشوفات.
فزاره الشيخ الكبير المعظم، فريد وقته «أبو العباس» المتفق على تفرده فى وقته، فلما جاء إليه زار البيمارستان و رأى حاله، و سمع نطقه قال: هذا عبد قادر، و حسبك من فضيلته هذا الرجل هذه الشهادة من هذا الكبير، و اصطحب معى هذا الشيخ «عبد القادر» بمصر و بالثغر زمانا و رأيت من علو أحواله و أنفاسه.
و أما كراماته فعجائب يضيق الوقت عن ذكرها، و مات بالثغر، و خلف أولادا صلحاء أعيانا، رضى اللّه عنهم[2].
[1]-بداية اللوحة رقم: 104.
[2]-بداية اللوحة رقم: 105.