يقول الدكتور محمد غلاب: «و فى الحق أنه لم يكد المتصوفة يعلنون أنهم يحاسبون القلوب و الضمائر، و ينشغلون بالبواطن دون الظواهر، حتى ثارت ثائرة الفقهاء، وهبوا يتهمونهم بالمروق على الشريعة التى تعلن فى وضوح: أنها تحكم بالظواهر و اللّه يتولى السرائر.
و إن الباحث يجد أن الصوفية فى القرن الثالث الهجرى، اتجهوا إلى الكلام عن معان لم تكن معروفة من قبل، فتكلموا عن الأخلاق و النفس، و السلوك، محددين طريقا إلى اللّه يترقى السالك له، فيما يعرف بالمقامات و الأحوال، و عن المعرفة و مناهجها، و وضعوا القواعد النظرية لهذا كله، كما حددوا رسوما عملية معينة لطريقتهم.
و يمكن أن يؤكد الدارس للتصوف: أن القرن الثالث هو بداية تكون علم التصوف بمعناه الدقيق، كذلك فى القرن الرابع، بحيث يمكن أن نعتبر تصوف هذين القرنين تصوفا، إسلاميا ناضجا اكتملت له كل مقوماته، حيث دخل التصوف دور المواجد، و الكشف، و الأذواق، و هذا الدور يقع فى القرنين الثالث و الرابع، اللذين يمثلان العصر الذهبى للتصوف الإسلامى فى أرقى و أصفى مراتبه.
و قد أصبح التصوف منذ القرن الثالث متميزا عن علم الفقه من ناحية الموضوع و المنهج و الغاية، و لا شك أنه كان لحركة تدوين العلوم الشرعية التى سبقت تدوين التصوف أثر فى ذلك: على نحو ما يقول ابن خلدون: «فلما كتبت العلوم و دونت، و ألف الفقهاء فى الفقه و أصوله، و الكلام و التفسير و غير ذلك، كتب رجال من أهل هذه الطريقة فى طريقهم، فمنهم من كتب فى الورع و محاسبة النفس على الاقتداء فى الأخذ و الترك.
و يصف ابن خلدون المقابلة بين علمى الفقه و التصوف قائلا: «و صار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء و أهل الفتيا، و هو الأحكام العامة فى العبادات و العادات و المعاملات، و صنف مخصوص بالقوم- الصوفية- فى القيام بهذه المجاهدة و محاسبة النفس عليها، و الكلام فى الأذواق، و المواجد العارضة فى طريقها، و كيفية الترقى فيها من ذوق إلى ذوق، و شرح الاصطلاحات التى تدور بينهم فى ذلك.
و يذكر الدكتور أبو العلا عفيفى: أنه «لو لا التصوف لكان الإسلام كما فهمه المتزمتون من الفقهاء و المتكلمين و الفلاسفة، دينا خاليا من الروحانية العميقة، و من العاطفة، و كانت عباداته و معاملاته مجموعة جامدة من القواعد و الأشكال و الأوضاع، و معتقداته مجموعة من التجريدات، أقل ما يقال عنها: إنها تباعد بين العبد و ربه، بدلا من أن تقربه إليه، و تورث صاحبها الشك و الحيرة و القلق، بدلا من الطمأنينة و اليقين.
و الشيخ مصطفى عبد الرازق يعلق على مادة «التصوف» فى دائرة المعارف الإسلامية فيقول: «و لما نشأ البحث فى العقائد و التماس الإيمان من طريق النظر أو النصوص المقدسة، و توجهت همم المسلمين إلى التماس المعرفة على أساليب المتكلمين، أصبح الكمال الدينى التماس الإيمان و المعرفة من طريق التصفية و المكاشفة.
و يرى أهل البحث و الدراسة «أن التصوف ليس أسلوبا من الأساليب يحيا الصوفى بمقتضاه و حسب، بل هو فى الوقت نفسه وجهة نظر خاصة تحدد موقف العبد من ربه أولا، و من نفسه ثانيا، و من العالم و كل ما فيه و من فيه آخر الأمر، فالصوفية لم يشاركوا عامة المسلمين فى نظرتهم إلى الدنيا، و لم يشاركوا الفقهاء أو
المتكلمين فى نظرتهم إلى الدين، و لم يشاركوا الفلاسفة فى نظرتهم إلى اللّه و الإنسان و العالم، و لهذا جاء التصوف الإسلامى منهجا شاملا.
و الباحث يجد أن كثيرا من أصحاب التراجم و التاريخ للمذاهب و الفرق قد عد الصوفية فرقة من فرق المسلمين، يقول الكلاباذى عن الصوفية فى كتاب «التعرف لمذهب أهل التصوف»: أجمعوا على أن الدليل على اللّه هو اللّه وحده، و سبيل العقل عندهم سبيل العاقل فى حاجته إلى الدليل، لأنه محدث و المحدث لا يدل إلا على مثله.
و واضح أنه بهذا التميز فى التفكير يمكن أن يعد الصوفية فرقة من الفرق الإسلامية.
و ممن عد الصوفية فرقة ابن النديم فى كتاب «الفهرست» حيث قال:
1- فرقة المعتزلة و المرجئة.
2- فرقة متكلمى الشيعة الإمامية و الزيدية.
3- فرقة المجبرة الحشوية.
4- فرقة متكلمى الخوارج.
5- فرقة السياح و الزهاد و العباد و المتصوفة المتكلمين على الخطرات و الوساوس.
و ذكرهم الغزالى فى كتاب «المنقذ من الضلال» بأنهم فرقة من الفرق الطالبة للحق، فقال: «إن أصناف الطالبين للحق أربع فرق: المتكلمين، و الباطنية، و الفلاسفة، و الصوفية».
و يقول الرازى فى «اعتقادات فرق المسلمين»: «اعلم أن أكثر من عد فرق الأمة لم يذكر الصوفية- و ذلك خطأ- لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى اللّه هو التصفية و التجرد من العلائق البدنية و هذا طريق حسن.
و ابن الجوزى فى كتاب «تلبيس إبليس» يذكر أن التصوف مذهب معروف.
و التصوف الإسلامى ينفرد عن سائر مظاهر الفكر الإنسانى بعامة، و الإسلامى بخاصة، حيث أن التصوف تجربة ذاتية و منهجه الذوق.
فالتصوف فى جوهره تجربة روحية تخص الصوفى الذى يعانيها و يكابدها، و مصدر هذه المعاناة إرادة عارمة من الصوفى أن يتصل باللّه، و لما كانت هذه الأحوال تخص من يعانيها فضلا عن أنها لا تخضع لحكم العقل و مقولاته، فإنه يحق للصوفية أن يعترضوا على كل من يحاول أن يزن تجاربهم و تعبيراتهم عنها بميزان العقل، لأن العقل و قوانينه مشترك بين الناس جميعا، أما التجارب الصوفية فلا تخص غيرهم.
و إذا كانت التجربة الصوفية حال ذاتية فإنه يلزم عن ذلك نتيجتان:
1- أن تتفاوت التجارب وفقا لمقام كل صوفى فى الطريق، و وفقا للاستعداد الروحى لكل منهم، و من ثمّ تختلف تعبيراتهم، و ألا تتفق أحوالهم، يقول رويم بن محمد البغدادى: الصوفية بخير ما اختلفوا، فإن اتفقوا فلا خير فيهم، ذلك أن اتفاقهم إنما يعنى أنهم احتكموا إلى شىء مشترك يجمعهم: أنه العقل، تماما كما تتفق الفرقة الواحدة فى أصول عقلية تجمعهم و حينئذ لن يصبحوا صوفية.
و لكن هذا لا ينفى اشتراك القوم فى أصول الطريق كالزهد، و الخوف، و الرجاء، و غيرها من المقامات، و كالمحبة و الأنس و الشهود و غير ذلك من الأحوال،
و نجد أن القوم قد اتفقوا على مصطلحات معينة يطلقونها على مسائلهم و وارداتهم، و على منهج فى المعرفة ذى ثلاث شعب حسية و عقلية و قلبية.
2- و إذا كانت النتيجة الأولى هى تفاوت التجارب وفقا لمقام كل صوفى، فإن النتيجة الثانية هى تفاوت أحوال الصوفى الواحد فى أوقاته المختلفة وفقا لاستعداده و حالته النفسية، و ترقيه فى الطريق، و إذا كانت نقطة البدء فى أى نشاط عقلى- كالفلسفة- أنا أفكر أنا أشك، باعتبار الشك مظهرا للتفكير، فإن منطلق التجربة الروحية التى هى جوهر التصوف «أنا أريد».
يقول الدكتور أبو العلا عفيفى: «التصوف هو المظهر الروحى الدينى الحقيقى عند المسلمين لأنه المرآة التى تنعكس على صفحتها الحياة الروحية الإسلامية فى أخص مظاهرها، فإذا أردنا أن نبحث عن العاطفة الدينية الإسلامية فى صفاتها و نقائها و عنفها و حرارتها وجدناها عند الصوفية، و إذا أردنا أن نعرف شيئا عن الصلة الروحية بين المسلم و ربه، كيف يصور هذه الصلة و كيف يجاهد طول خياته فى توكيدها و تدعيمها، و كيف يضحى بكل عزيز لديه- بما فى ذلك نفسه- محافظة و غيرة عليها، وجب أن نقرأ سير الصوفية المسلمين و نتدبر أقوالهم.
و من أراد أن يلتمس معنى التصوف فسوف يجد ذلك فى حياة الصوفية إذ التصوف فى حقيقته سلوك عملى.
هذا الكتاب
مما ينبعى أن نشير إليه: أن رسالة الإمام صفى الدين بن ظافر عليها ملاحظات نستطيع أن نجملها فيما يلى:
أولا: استعمل الإمام صفى الدين الألفاظ العامية المستعملة آنذاك الوقت.
ثانيا: الأساليب غير منتقاة، فهى أساليب عادية.
ثالثا: الأخطاء اللغوية كثيرة.
و لذلك عانينا فى ضبط الكلمات، خاصة أن المخطوط به مواضع كلمات غير واضحة أو بيضاء.
رابعا: الكتاب بدون فصول أو عناوين و قد وضعنا عناوين لبعض الموضوعات.
و مما يحسن أن ندركه: أن المخطوط موجود بدار الكتب المصرية، تحت رقم 338 تاريخ و كتب فى عام 840 ه و عدد لوحاته 129 مقاس 14* 18 سم.
و الكتاب به كثير من الشطحات و الحكايات التى لا دليل عليها و لا سند لها من المعقول أو المنقول- كما هى العادة فى بعض كتب التصوف- و قد نبهنا على بعضها.
و نحن فى مشروعنا لتحقيق كتب التراث نعمل على قاعدة هامة هى:
كل ما وافق الكتاب و السنة نأخذ به و ما يخالفهما نضرب عنه صفحا، و قد صدر من مشروعنا هذا ما يزيد عن الخمسة و سبعين كتابا، و يجرى العمل فى تحقيق مجموعة أخرى ندعو اللّه سبحانه و تعالى أن يعيننا على اتمامها إنه ولى ذلك و القادر عليه.
و أخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.
الدكتور/ أحمد عبد الرحيم السايح المستشار/ توفيق على وهبة
صور المخطوط
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة