و يصف ابن خلدون المقابلة بين علمى الفقه و التصوف قائلا: «و صار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء و أهل الفتيا، و هو الأحكام العامة فى العبادات و العادات و المعاملات، و صنف مخصوص بالقوم- الصوفية- فى القيام بهذه المجاهدة و محاسبة النفس عليها، و الكلام فى الأذواق، و المواجد العارضة فى طريقها، و كيفية الترقى فيها من ذوق إلى ذوق، و شرح الاصطلاحات التى تدور بينهم فى ذلك.
و يذكر الدكتور أبو العلا عفيفى: أنه «لو لا التصوف لكان الإسلام كما فهمه المتزمتون من الفقهاء و المتكلمين و الفلاسفة، دينا خاليا من الروحانية العميقة، و من العاطفة، و كانت عباداته و معاملاته مجموعة جامدة من القواعد و الأشكال و الأوضاع، و معتقداته مجموعة من التجريدات، أقل ما يقال عنها: إنها تباعد بين العبد و ربه، بدلا من أن تقربه إليه، و تورث صاحبها الشك و الحيرة و القلق، بدلا من الطمأنينة و اليقين.
و الشيخ مصطفى عبد الرازق يعلق على مادة «التصوف» فى دائرة المعارف الإسلامية فيقول: «و لما نشأ البحث فى العقائد و التماس الإيمان من طريق النظر أو النصوص المقدسة، و توجهت همم المسلمين إلى التماس المعرفة على أساليب المتكلمين، أصبح الكمال الدينى التماس الإيمان و المعرفة من طريق التصفية و المكاشفة.
و يرى أهل البحث و الدراسة «أن التصوف ليس أسلوبا من الأساليب يحيا الصوفى بمقتضاه و حسب، بل هو فى الوقت نفسه وجهة نظر خاصة تحدد موقف العبد من ربه أولا، و من نفسه ثانيا، و من العالم و كل ما فيه و من فيه آخر الأمر، فالصوفية لم يشاركوا عامة المسلمين فى نظرتهم إلى الدنيا، و لم يشاركوا الفقهاء أو
المتكلمين فى نظرتهم إلى الدين، و لم يشاركوا الفلاسفة فى نظرتهم إلى اللّه و الإنسان و العالم، و لهذا جاء التصوف الإسلامى منهجا شاملا.
و الباحث يجد أن كثيرا من أصحاب التراجم و التاريخ للمذاهب و الفرق قد عد الصوفية فرقة من فرق المسلمين، يقول الكلاباذى عن الصوفية فى كتاب «التعرف لمذهب أهل التصوف»: أجمعوا على أن الدليل على اللّه هو اللّه وحده، و سبيل العقل عندهم سبيل العاقل فى حاجته إلى الدليل، لأنه محدث و المحدث لا يدل إلا على مثله.
و واضح أنه بهذا التميز فى التفكير يمكن أن يعد الصوفية فرقة من الفرق الإسلامية.
و ممن عد الصوفية فرقة ابن النديم فى كتاب «الفهرست» حيث قال:
1- فرقة المعتزلة و المرجئة.
2- فرقة متكلمى الشيعة الإمامية و الزيدية.
3- فرقة المجبرة الحشوية.
4- فرقة متكلمى الخوارج.
5- فرقة السياح و الزهاد و العباد و المتصوفة المتكلمين على الخطرات و الوساوس.
و ذكرهم الغزالى فى كتاب «المنقذ من الضلال» بأنهم فرقة من الفرق الطالبة للحق، فقال: «إن أصناف الطالبين للحق أربع فرق: المتكلمين، و الباطنية، و الفلاسفة، و الصوفية».
و يقول الرازى فى «اعتقادات فرق المسلمين»: «اعلم أن أكثر من عد فرق الأمة لم يذكر الصوفية- و ذلك خطأ- لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى اللّه هو التصفية و التجرد من العلائق البدنية و هذا طريق حسن.
و ابن الجوزى فى كتاب «تلبيس إبليس» يذكر أن التصوف مذهب معروف.
و التصوف الإسلامى ينفرد عن سائر مظاهر الفكر الإنسانى بعامة، و الإسلامى بخاصة، حيث أن التصوف تجربة ذاتية و منهجه الذوق.
فالتصوف فى جوهره تجربة روحية تخص الصوفى الذى يعانيها و يكابدها، و مصدر هذه المعاناة إرادة عارمة من الصوفى أن يتصل باللّه، و لما كانت هذه الأحوال تخص من يعانيها فضلا عن أنها لا تخضع لحكم العقل و مقولاته، فإنه يحق للصوفية أن يعترضوا على كل من يحاول أن يزن تجاربهم و تعبيراتهم عنها بميزان العقل، لأن العقل و قوانينه مشترك بين الناس جميعا، أما التجارب الصوفية فلا تخص غيرهم.
و إذا كانت التجربة الصوفية حال ذاتية فإنه يلزم عن ذلك نتيجتان:
1- أن تتفاوت التجارب وفقا لمقام كل صوفى فى الطريق، و وفقا للاستعداد الروحى لكل منهم، و من ثمّ تختلف تعبيراتهم، و ألا تتفق أحوالهم، يقول رويم بن محمد البغدادى: الصوفية بخير ما اختلفوا، فإن اتفقوا فلا خير فيهم، ذلك أن اتفاقهم إنما يعنى أنهم احتكموا إلى شىء مشترك يجمعهم: أنه العقل، تماما كما تتفق الفرقة الواحدة فى أصول عقلية تجمعهم و حينئذ لن يصبحوا صوفية.
و لكن هذا لا ينفى اشتراك القوم فى أصول الطريق كالزهد، و الخوف، و الرجاء، و غيرها من المقامات، و كالمحبة و الأنس و الشهود و غير ذلك من الأحوال،
و نجد أن القوم قد اتفقوا على مصطلحات معينة يطلقونها على مسائلهم و وارداتهم، و على منهج فى المعرفة ذى ثلاث شعب حسية و عقلية و قلبية.
2- و إذا كانت النتيجة الأولى هى تفاوت التجارب وفقا لمقام كل صوفى، فإن النتيجة الثانية هى تفاوت أحوال الصوفى الواحد فى أوقاته المختلفة وفقا لاستعداده و حالته النفسية، و ترقيه فى الطريق، و إذا كانت نقطة البدء فى أى نشاط عقلى- كالفلسفة- أنا أفكر أنا أشك، باعتبار الشك مظهرا للتفكير، فإن منطلق التجربة الروحية التى هى جوهر التصوف «أنا أريد».
يقول الدكتور أبو العلا عفيفى: «التصوف هو المظهر الروحى الدينى الحقيقى عند المسلمين لأنه المرآة التى تنعكس على صفحتها الحياة الروحية الإسلامية فى أخص مظاهرها، فإذا أردنا أن نبحث عن العاطفة الدينية الإسلامية فى صفاتها و نقائها و عنفها و حرارتها وجدناها عند الصوفية، و إذا أردنا أن نعرف شيئا عن الصلة الروحية بين المسلم و ربه، كيف يصور هذه الصلة و كيف يجاهد طول خياته فى توكيدها و تدعيمها، و كيف يضحى بكل عزيز لديه- بما فى ذلك نفسه- محافظة و غيرة عليها، وجب أن نقرأ سير الصوفية المسلمين و نتدبر أقوالهم.
و من أراد أن يلتمس معنى التصوف فسوف يجد ذلك فى حياة الصوفية إذ التصوف فى حقيقته سلوك عملى.
هذا الكتاب
مما ينبعى أن نشير إليه: أن رسالة الإمام صفى الدين بن ظافر عليها ملاحظات نستطيع أن نجملها فيما يلى:
أولا: استعمل الإمام صفى الدين الألفاظ العامية المستعملة آنذاك الوقت.
ثانيا: الأساليب غير منتقاة، فهى أساليب عادية.
ثالثا: الأخطاء اللغوية كثيرة.
و لذلك عانينا فى ضبط الكلمات، خاصة أن المخطوط به مواضع كلمات غير واضحة أو بيضاء.
رابعا: الكتاب بدون فصول أو عناوين و قد وضعنا عناوين لبعض الموضوعات.
و مما يحسن أن ندركه: أن المخطوط موجود بدار الكتب المصرية، تحت رقم 338 تاريخ و كتب فى عام 840 ه و عدد لوحاته 129 مقاس 14* 18 سم.
و الكتاب به كثير من الشطحات و الحكايات التى لا دليل عليها و لا سند لها من المعقول أو المنقول- كما هى العادة فى بعض كتب التصوف- و قد نبهنا على بعضها.
و نحن فى مشروعنا لتحقيق كتب التراث نعمل على قاعدة هامة هى:
كل ما وافق الكتاب و السنة نأخذ به و ما يخالفهما نضرب عنه صفحا، و قد صدر من مشروعنا هذا ما يزيد عن الخمسة و سبعين كتابا، و يجرى العمل فى تحقيق مجموعة أخرى ندعو اللّه سبحانه و تعالى أن يعيننا على اتمامها إنه ولى ذلك و القادر عليه.
و أخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.
الدكتور/ أحمد عبد الرحيم السايح المستشار/ توفيق على وهبة
صور المخطوط
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة