بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 6

و الفنون، و إنه لمن الأولى لنا أن نقرأ التصوف الإسلامى، و ندرس ما فيه من قضايا، تتصل بالمجاهدة، و القلب، و المعرفة، و السير و السلوك إلى اللّه رب العالمين.

و إن من الحقائق التى لا مرية فيها: أن الإنسان لا يتأتى له أن يلج باب اللّه، أو يسير فى الطريق إليه ... إلا بالعبودية الخالصة للّه، وحده لا شريك له.

فإذا ما تمخضت العبودية للّه سبحانه، و أصبح الإنسان من عباد اللّه المخلصين، و حقق بذلك‌إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‌[1]فإن اللّه سبحانه لا يجعل للشيطان عليه من سبيل.

و إذا ما حقق الإنسان العبودية، فإن اللّه يتولاه بالإمداد بالمعرفة، إنه سبحانه و تعالى يقول عن موسى و فتاه:فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً[2].

إنه حقق العبودية، فكان ثمرة ذلك أن يغمره اللّه بالرحمة، و أن يفيض عليه العلم، و ليست المعرفة وحدها هى ثمرة التحقق بالعبودية، بل إن للتحقق بالعبودية ثمارا كثيرة سامية

و لقد حقق سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم العبودية، كاملة تامة، لقد حققها فى ذروتها، فكانت صلاته، و كان نسكه، و كانت حياته بأكملها، و كان موته للّه رب العالمين، لا شريك له:قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‌[3].

لقد حققها موفورة تامة، فأتاه اللّه عز و جل الدنيا و الآخرة.

[1]-سورة الفاتحة آية 5.

[2]-سورة الكهف آية 65.

[3]-سورة الأنعام آية 162.


صفحه 7

و لا يجهل أحد من المسلمين، و لا أحد من الذين عنوا بدراسة الحركات التنسكية الإسلامية أن أول متنسك فى الإسلام، هو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و قد ترسم كثير من الصحابة الأولين خطاه، و استرشد بهديه، فتنسك منهم أبو ذر، و صهيب، و حذيفة، و أبو الدرداء، و أبو هريرة، و عمران الخزاعى، و غيرهم، و كانوا أول الأمر يدعون بالزهاد، أو العبّاد، أو النسّاك، أو البكائين أو الوعاظ، لم ينكر عليهم هذا أحد ... لا صاحب الشريعة، و لا أصحابه، بل أقروهم على خطتهم، و فضلوهم على المستمتعين المتلذذين، و اعترف لهم كثير من الصحابة، بكرامات، و معارف، لا تتاح لكافة المسلمين.

و قد وضح ابن خلدون، نشأة هذه الطائفة، المتنسكة فى الإسلام، ثم أفاض فى وصف الكشف، الذى يفوزون به على أثر هجرانهم للمادة، و فى أن هذا الكشف يكون عن طريق الشهود، و فى أن مراتبهم تمكنهم من التصوف فى العالم السفلى، تصرفا قويا ... فقال: «هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة فى الملة».

و أصله: أن طريقة هؤلاء القوم- لم تزل عند سلف الأمة و كبارها من الصحابة و التابعين، و من بعدهم- طريقة الحق و الهداية: و أصلها العكوف على العبادة، و الانقطاع إلى اللّه تعالى، و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزهد فيما يقبل عليه الجمهور، من لذة، و مال، و جاه، و الانفراد عن الخلق فى الخلو للعبادة، و كان ذلك عاما فى الصحابة، و السلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا، فى القرن الثانى و ما بعده، و جنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية و المتصوفة.

و يمضى ابن خلدون فيقول: «فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد و الانفراد على الخلق، و الإقبال على العبادة، اختصوا بمآخذ مدركة لهم، و ذلك أن الإنسان،


صفحه 8

بما هو إنسان، إنما يتميز عن سائر الحيوان، بالإدراك، فالروح العاقل، و المتصرف فى البدن، ينشأ من إدراكات، و إرادات، و أحوال، و هى التى يميز بها الإنسان، و المريد فى مجاهداته، و عبادته، لا بد و أن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة، و تلك الحال: إما أن تكون نوع عبادة فترسخ، و تصير مقاما للمريد، و إما ألا تكون عبادة، و إنما تكون صفة حاصلة للنفس، من حزن، أو نشاط، أو غير ذلك من المقامات، و لا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهى إلى التوحيد، و المعرفة، التى هى الغاية المطلوبة للسعادة.

و يواصل ابن خلدون الحديث عن الكشف، و الاطلاع فيقول: ثم إن هذه المجاهدة، و الخلوة، و الذكر، يتبعها غالبا، كشف حجاب الحس، و الاطلاع على عوالم من أمر اللّه، ليس لصاحب الحس إدراك شى‌ء منها، و الروح من تلك العوالم، و سبب هذا الكشف: أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، و قويت أحوال الروح، و لا يزال فى نمو و تزايد، إلى أن يصير شهودا، بعد أن كان علما، و يكشف حجاب الحس، و يتم وجود النفس، و هو عين الإدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية و العلوم الربانية، و العلوم اللدنية و الفتح الإلهى، و تقرب ذاته فى تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى، و هذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود، ما لا يدركه سواهم، و كذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها، و يتصرفون بهمهم، و قوى نفوسهم فى الموجودات، و تصير طوع إرادتهم.

و لا يستطيع مؤمن إيمانا صحيحا الاعتراض على هؤلاء، قد انتهلوا جميع العناصر الأولية لتنسكهم من الكتاب الكريم، و الأحاديث القدسية، و النبوية، و السنة الغراء، فاغترفوا من هذه المنابع السامية: أصول الإيمان، و مبادئ التقوى، و عناصر الذكر، و الفكر، و قواعد التطهر الباطنى، و قوانين السلوك العلمى.


صفحه 9

و الذى لا شك فيه: أن المسلمين الأولين قد طفقوا منذ فجر الإسلام يتأملون فى المثل القرآنية العليا، ليتخذوا منها نبراسا، يضيئون به أعماق قلوبهم ليستكشفوا فى دخائلها عناصر الأحوال الروحية التى شاهدوها ممثلة فى نبيهم، بعد أن ظفرت بالرضى الإلهى العميم، و لقد ركزوا جهودهم الشخصية فى هذا التأمل، حتى بلغ عندهم من العمق حدا لم يظفر بمثله كافة المسلمين، و هذا الذى سماه الحسن البصرى فيما بعد «علم الخواطر و القلوب».

و مما لا سبيل إلى الريب فيه، بأى وجه من الوجوه، أن المصدر الأول الذى أرشد المسلمين إلى هذا الصراط السوى، و أنار لهم طريق العروج إلى رب العالمين، هو القرآن الكريم، و الأحاديث القدسية، و أن المصدر الثانى هو أقوال النبى الجليل صلوات اللّه عليه و سلامه، و أفعاله الظاهرية، و أحواله الباطنية التى كانوا يرونها ببصائرهم، و يستشفونها بقلوبهم، فيتخذون منها مثلهم العليا، و نماذجهم الرفيعة، و شموسهم الساطعة، التى تضى‌ء لهم سبيل الحياة.

و من هذا يتضح أن السنة المحمدية عند هؤلاء الإسلاميين، هى التنسك، إذ أن الدين يكون ناقصا بدونه، بل يكون ناقصا من جهته السامية- أعنى جهة المركز الأساس- لذلك كانت فروضا رخيصة، تلك التى تذهب بالصوفية إلى أصل أجنبى «يونانى» أو «هندى» أو «فارسى» و هى معارضة بالمصطلحات الصوفية نفسها تلك المصطلحات الصوفية نفسها تلك المصطلحات التى ترتبط باللغة العربية ارتباطا وثيقا.

و إذا كان هناك من تشابه بين الصوفية و ما يماثلها فى البيئات الأخرى، فتفسير هذا طبيعى لا يحتاج إلى فرض الاستعارة، ذلك أنه ما دامت الحقيقة واحدة فإن كل العقائد السنية تتحد فى جوهرها، و إن اختلفت فيما تلبسه من صور.


صفحه 10

و يقول الأستاذ ماسينون: و قد بيّن «نيكولسون» أن إطلاق الحكم بأن التصوف دخيل فى الإسلام غير مقبول، و الحق أننا نلاحظ منذ ظهور الإسلام أن الأفكار التى اختص بها متصوفة المسلمين، نشأت فى قلب الجماعة الإسلامية نفسها أثناء عكوف المسلمين على تلاوة القرآن و الحديث، و تأثرت بما أصاب هذه الجماعة من أحداث، و ما حل بالأفراد من نوازل.

و يذكر صاحب التبصير فى الدين: ما يمتاز به أهل السنة عن غيرهم، فيذكر:

أن ما امتاز به أهل السنة هو التصوف و الإشارات و ما لهم فيها من الدقائق و الحقائق.

فمن القرآن و السنة استمد الصوفية أول ما استمدوا آراءهم فى الأخلاق و السلوك، و رياضاتهم العملية التى قاموا عليها من أجل تحقيق هدفهم من الحياة الصوفية.

و قد بيّن لنا الطوسى فى «اللمع»: أن للصوفية تخصصا بمكارم الأخلاق، و البحث عن معالى الأحوال، و فضائل الأعمال، اقتداء بالنبى صلّى اللّه عليه و سلم و صحابته، و من تبعهم، و هذا كله موجود علمه فى كتاب اللّه عز و جل.

و نظرة تحليلية إلى التصوف تبين لنا: أن الصوفية على اختلافهم يتصورون طريقا للسلوك إلى اللّه، يبدأ بمجاهدة النفس أخلاقيا، و يتدرج السالك له فى مراحل متعددة، تعرف بالمقامات و الأحوال إلى المعرفة باللّه.

فالتصوف الإسلامى بقضه و قضيضه، انبثق من الكتاب الكريم، و الأحاديث القدسية، و النبوية، حيث انتهله أربابه من الحياة المحمدية، ظاهرها و باطنها، و قد بدأها النبى صلّى اللّه عليه و سلم، و سار الصحابة، رضوان اللّه عليهم، فيها على نهجهم السامى و اقتبسوا من أنواره السماوية المتلألئة، دون أن يشوه جمال ذلك أجنبى أو يدنس‌


صفحه 11

نقاءه دخيل، لأن الاتجاه إلى السلوك الصوفى له مؤثراته الداخلية البحتة، و هى مؤثرات تتصل بالفرد من الناحية الداخلية، أكثر من أن تتصل بعامود خارجى.

لا بد- إذن- من أن يكون الاستعداد الشخصى الفردى الفطرى موجودا مهيئا، و يكفى لأن يسلك الإنسان عمليا هذا الطريق، كلمة، أو فكرة، أو إشارة، أو حادثة من الحوادث، فيأخذ فعلا فى سيره نحو اللّه تعالى:إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‌ رَبِّي‌[1]هذا العزم المصمم الذى يتمثل فى هذه الكلمة الكريمة: لا بد له من الاستعداد الفطرى، الذى لا يغنى عن فلسفة «أفلاطونية» لا «فيدانتا هندية» و لا «زرادشتية فارسية».

و قد يكون المتجه للتصوف قارئا للأفلاطونية الحديثة، أو لأى مذهب، و قد يكون على علم بعقائد «الهند» أو لا يكون.

فالمتخصص فى الأفلاطونية الحديث، لا يفيده تخصصه هذا فى أن يكون صوفيا، و كذلك الأمر فى المتخصص فى عقائد الهند.

و قد قرأ الإمام الغزالى كتب الصوفية أنفسهم، و يحدثنا بذلك فيقول:

«فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب، لأبى طالب المكى، رحمه اللّه، و كتب الحارث المحاسبى، و المتفرقات المأثورة عن الجنيد و الشبلى و أبى زيد السطامى- قدس اللّه أرواحهم- و غير ذلك من كلام مشايخهم، حتى اطلعت على منه مقاصدهم العلمية، و حصّلت ما يمكن أن يحصل عن طريقهم.

بالتعليم و السماع.

[1]-سورة الصافات آية 99.


صفحه 12

و يعلق فضيلة الإمام الدكتور عبد الجليم محمود على كلام الغزالى فيقول:

و لكن ذلك لم يجعل منه صوفيا، و لم يكن الغزالى بهذه الكتب و لا بمطالعته لفلسفة اليونان، و دراسته لها دراسة عميقة: صوفيا، و لكن تبين أن أخص خواصهم، على حد تعبيره، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعليم، بل بالذوق و الحال، و تبدل الصفات.

فليس التصوف ثقافة كسبية، تتأثر بهذا الاتجاه أو ذاك، و إنما هو ذوق و مشاهدة، يصل الإنسان إليهما عن طريق الخلوة، و الرياضة، و المجاهدة و الاشتياق، بتزكية النفس، و تهذيب الأخلاق، و تصفية القلب لذكر اللّه.

و قد توالت حركة التصوف بعد الصحابة عند التابعين، فى كثير من البساطة بحيث كانت مقوماتها الذاتية هى: التأمل فى آيات القرآن، و محاولة استكشاف أسرارها العميقة، و اقتناص مراميها البعيدة، و الزهادة، و كبح جماح النفس، و الاعتكاف و التنفل و التهجد.

و كان المتصوفة فى أول نشأتهم مفرقين، و لكنهم لم يلبثوا أن شعروا بالحاجة إلى اجتماعهم، و تأليفهم فى وحدة قوية، فتعارضوا و اجتمعوا فريقين: أحدهما فى البصرة، و ثانيهما فى الكوفة، و كوّن كل فريق منهما مدرسة لها تعاليمها و آراؤها التى تتفق مع ميوله الفطرية.

تضافر هذا التكتل الطارئ مع بعض الآراء التى أعلنها المتصوفة، و التى تبدو فى ظاهرها للوهلة الأولى شاذة عن التعاليم الإسلامية السلفية، على تكوين نوع من العداوة بينهم و بين الفقهاء المحدودى الدخل على أن الأوليين من المتصوفة، لم يكونوا يتوقعون أن تنشب الحرب بينهم و بين الفقهاء يوما ما، و أن يدس هؤلاء عند الخلفاء و الأمراء، و أن ينتهى الأمر بقتل بعضهم، و اضطهاد البعض الآخر.


صفحه 13

يقول الدكتور محمد غلاب: «و فى الحق أنه لم يكد المتصوفة يعلنون أنهم يحاسبون القلوب و الضمائر، و ينشغلون بالبواطن دون الظواهر، حتى ثارت ثائرة الفقهاء، وهبوا يتهمونهم بالمروق على الشريعة التى تعلن فى وضوح: أنها تحكم بالظواهر و اللّه يتولى السرائر.

و إن الباحث يجد أن الصوفية فى القرن الثالث الهجرى، اتجهوا إلى الكلام عن معان لم تكن معروفة من قبل، فتكلموا عن الأخلاق و النفس، و السلوك، محددين طريقا إلى اللّه يترقى السالك له، فيما يعرف بالمقامات و الأحوال، و عن المعرفة و مناهجها، و وضعوا القواعد النظرية لهذا كله، كما حددوا رسوما عملية معينة لطريقتهم.

و يمكن أن يؤكد الدارس للتصوف: أن القرن الثالث هو بداية تكون علم التصوف بمعناه الدقيق، كذلك فى القرن الرابع، بحيث يمكن أن نعتبر تصوف هذين القرنين تصوفا، إسلاميا ناضجا اكتملت له كل مقوماته، حيث دخل التصوف دور المواجد، و الكشف، و الأذواق، و هذا الدور يقع فى القرنين الثالث و الرابع، اللذين يمثلان العصر الذهبى للتصوف الإسلامى فى أرقى و أصفى مراتبه.

و قد أصبح التصوف منذ القرن الثالث متميزا عن علم الفقه من ناحية الموضوع و المنهج و الغاية، و لا شك أنه كان لحركة تدوين العلوم الشرعية التى سبقت تدوين التصوف أثر فى ذلك: على نحو ما يقول ابن خلدون: «فلما كتبت العلوم و دونت، و ألف الفقهاء فى الفقه و أصوله، و الكلام و التفسير و غير ذلك، كتب رجال من أهل هذه الطريقة فى طريقهم، فمنهم من كتب فى الورع و محاسبة النفس على الاقتداء فى الأخذ و الترك.