بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 86

أبو يحيى بن شافع‌

و منهم الشيخ الجليل الكبير العارف‌[1]«أبو يحيى بن شافع» كان شابا بياعا فى قنا، من أقارب أكابرها، خطر له خاطر الإرادة، و صحبه الشيخ الإمام «أبى الحسن» فدخل فى الطريق دخولا عظيما، و اشتغل اشتغالا كبيرا، و أدخله الشيخ الخلوة دخولا شديدا، و آلى على نفسه بالعهد أن لا يبرح بالعزم إلى أن يبلغ ما بلغ الرجال ففتح عليه فتحا شريفا أثبته له الشيخ وفوه به، و أشار بأنه من أولى العزم، و كان مستمرا على أكبر الأصحاب بفضله، و بما يظهر عنه من فضل اللّه عليه من المكاشفات و المعاملات، و حسن التأثيرات.

ذكر عنه الشيخ «أبو الحسن بن الدقاق» قال: دخلت فى صحبة الشيخ «العجمى» فيمن بى فى السوق، و إذا بشاب فى دكان يبيع فقال لى الشيخ «العجمى»: يا على، هذا الشاب يصحب الشيخ «أبى الحسن بن الصباغ» و يرث مقامه، و كان الشاب «أبا يحيى بن شافع» فبعد ذلك صحب الشيخ، و ظهر عنه صحة ما قال «العجمى» و أزوجه الشيخ «أبو الحسن» ابنته، و ظهر بعد وفاة الشيخ ظهورا كبيرا.

و استجاب له خلق كثير و انتفعوا به، و بنى له فى البلاد ربط كثيرة فى كل رباط طائفة من أصحابه، فكان للشيخ «أبى الحسن بن الصباغ» ولد صالح نجيب انتقل للشيخ و هو صغير فتربى بين كبار أصحاب والده تربية مباركة، و كانت والدته ابنة الشيخ «عبد الرحيم» المعظم الكبير، فلما كبر هذا الولد[2]عظيمة الفقراء، و قصدوا منه أن يجلس على سجادة والده الشيخ، و يجتمعوا عليه، فامتنع‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 72.

[2]-بداية اللوحة رقم: 73.


صفحه 87

من ذلك لصلاحه و طهارته و براءته من حظ نفسه، و توجه للشيخ «أبى يحيى بن شافع» صهره و صاحب أبيه، و سلم له نفسه.

و قال له: احكم فىّ كما حكمت والدى فى نفسك، و أوصلنى إلى ما أوصلك والدى إليه، فأدخله الشيخ «ابن شافع» الخلوة و رباه فيها، بما رباه والده، و فتح عليه بما طلب، و بقى كذلك إلى أن مات، ما رأينا فى مدة سبعين سنة ابن شيخ مثل «زين الدين» ابن الشيخ «أبى الحسن» هذا المذكور، نفع اللّه به، و كان فتحه و تربيته من جملة كرامات الشيخ «ابن شافع» رضي اللّه عنه.

كرامات الشيخ علم الدين المنفلوطى‌

و منهم الشيخ القدوة «علم الدين المنفلوطى» كان من أكابر منفلوط، صحب الشيخ «أبا الحسن» صحبة هنية حسنة، لم يتعب الشيخ فى تربيته، كما ظهر عن اجتهاده فى غيره، و قال عنه: نفسه زكية، و خرج عن دين له و أدخله الشيخ الخلوة، و فتح عليه بمخاطبات و شهادات و محادثات من الملك، و وضع فى ذلك مصنفا.

و أذن الشيخ «أبو الحسن» بقراءته، و ظهر بعد الشيخ ظهورا معتدلا، و اهتدى على يده جماعة مباركة و كان له ربط فيها من ينتسب إليه، و كان له رباط فى بلدة من بلاد الصعيد يقال له: طحطا، و فيه جماعة من أصحابه صلحاء، و كان فى منفلوط بلده أيضا، و بقى هو فى رباط الشيخ بعده إلى أن مات‌[1]و كان قطب الشيخ فى مرضه بالمخاطبات ترد عليه فى حق الشيخ، و الشيخ قبل ذلك عنه إلى يوم قال له: يا ولدى، يا علم الدين، استرح من مداواتى فقد قيل لى ابتليناك‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 74.


صفحه 88

بالفقر فلم تشك، و أسبغنا عليك النعيم فلم يشغلك عنا، و لم يبق إلا مقام الابتلاء لتكون حجة على أهل البلاد رضي اللّه عنه.

يعقوب المغربى‌

و منهم الشيخ الولى العالم «يعقوب المغربى» ينعت بأبى يوسف، كان من أكابر العارفين، شهد له الشيخ «أبو الحسن» أنه من الذين أشار إليهم النبى صلّى اللّه عليه و سلم، بقوله: «علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل».

قال الشيخ يعقوب: منهم صحب الشيخ صحب عظيمة، و له مجاهدات كلية شافية و أدخله خلوات عدة، ليوصله فيها إلى ما علم له إلى آخر خلوة دخل عليه فوجده قد فتح عليه بما كان يطلبه له، فخرج الشيخ من عنده من خلوته مسرورا، فتشوفت نفسه نفوس الفقراء للعلم بأمره، فقال لهم: ما بقى يعقوب يقول بعد اليوم و أتوب يعنى أنه قد استغنى فلا يشكو بعد اليوم فقرا لكمال ما فتح به عليه، و كان من جملة فتوحاته كشف الملكوت، و شهود تنوعات تجليات الأسماء و الصفات، و كان كثير الاستقامة، عزيز الوجود، مات بمصر، و دفن فى القرافة، رضي اللّه عنه.

و منهم الشيخ الولى العامل العارف «أبو إسحاق‌[1]الكندى» كان فقيها، حاكما بالمغرب، فجاء لديار مصر، فلما عبر على الشيخ «أبى الحسن» انقاد إليه و صحبه و أدخله الخلوة و فتح عليه، و عاد للمغرب و ظهر فيه و تفرد، و ما كان بقى فى وقته فى المغرب مثله إلّا قليل، و انتسب إليه جماعة.

[1]-بداية اللوحة رقم: 75.


صفحه 89

و منهم الشيخ الإمام العارف «رفاعة» من أعيان أصحاب الشيخ صحبة عزيزة، و أدخله الخلوة و فتح عليه، و شهد له الشيخ بأنه بسطامى السلوك، ترمذى الحكمة[1]، و كان الغالب عليه التجريد، و ملاحظات التوحيد، له أحوال سنية، و كرامات جلية، رضي اللّه عنه.

الشيخ أبو القاسم الأندلسى‌

و منهم الشيخ الإمام العارف «أبو القاسم الأندلسى» تميز على قنا، ليحج فلما رأى الشيخ «أبا الحسن» تركه و صحب الشيخ صحبة عزيزة، و حين عقد عقد الصحبة سلم له الشيخ طورية، و أمره أن يخدم بستان رباطه؛ فباشر خدمة البستان، فتح عليه فيه من غير هلوات، و لا كبير معاملات، و انتهى به الفتح للأخذ فأخذ عن المعهود من عقله الظاهر، فعجز عن القيام بظاهر العلم مع غلبة الحال، فكان يترك الصلاة، و يفطر فى رمضان، و الشيخ يحمله و يعذره لما يعلم من غلبة ما غلب عليه، و كان إذا ورد الوارد عليه يتكلم بلسان غريب لا يفهمه إلّا الشيخ، فسئل الشيخ عن لسانه.

فقال‌[2]: هذا اللسان الذى يتكلم به له ألفا سنة ما تكلم به، فالحظ رحمك اللّه بسطة تصرفات الشيخ و سعة ما أحاط به من المعارف، و كمال التربية، و مما جرى لهذا الشيخ «أبى القاسم» أنه واقف سوما على سطح الرباط و رفع صوته و قال:

«لا إله إلا أنا» رددها مرارا، فمضى الخادم للشيخ الدار و أخبره بما قال «أبو القاسم» فسكت الشيخ عنهم، فبعد أيام كان عندهم فى الرباط رجل من المشرق ضيف وقف على سطح الرباط.

[1]-ترمذى الحكمة: إشارة إلى معارف الحكيم الترمذى.

[2]-بداية اللوحة رقم: 76.


صفحه 90

و قال كما قال الشيخ «أبو القاسم» فمضى الخادم للشيخ و أخبره بما قال الآخر؛ فأمر الشيخ الخادم بأن يخدم «أبو القاسم» و الفقير الآخر الذى قال مثل قوله فى زاوية، و يمنع عنهما الطعام و الشراب، ففعل الخادم فخرج «أبو القاسم» من الحائط من غير باب، و بقى الآخر إلى أن أسلم و مات، فأخرج و كان «أبو القاسم» يخدم البستان، فمضى يوما بداية يريد يعدى البحر، يحمل عليها شى‌ء من مصالح البستان، فلم يجد المعدية، فالتقى البران له ليمشى عليهما؛ فامتنع إلى أن جاءت المعدية، فعدى هذا أخبار من رآه، و كان يسقى البستان فيتحدث مع الشجر بأجوبة يحدثها معه.

و كان من مد يده من الفقراء إلى شجرة يأخذ منها شى‌ء فى غيبة «أبى القاسم» يجى‌ء إليه الرباط و يخاصمه و يقول له: لم أخذت و تعدّيت‌[1]إلى من الشجرة الفلانية، كذا و كذا فينكر الفقير فيقول له: هى أصدق منك، فكان دائما على هذا، و كان الشيخ يأخذه حين أخذته و يجلسه بين يديه فيقول له: صلّ فبهت فى وجه الشيخ بهتة من لا يقدر على فعل ما أمره، فيضربه بالمروحة و يلقنه حركات الصلاة حركة حركة.

و كل ما فعل حركته يتصور الشيخ فيها، و حكايته للشيخ يبعت يتلقف من الشيخ ما يكلفه، و الشيخ يقنع منه بذلك، ثم صحا بعد ذلك، و صلى و صام.

و لما قربت وفاة الشيخ فى مرضه أصبح «أبو القاسم» قال الفقراء: مات الشيخ البارحة، قد انتقل، و كان الشيخ بعد لم ينتقل، فقالوا له: يا خونا الشيخ حى باق فى بيته، و ها نحن كنا عنده، قال لهم: انتقل سره البارحة لرجل بالمشرق، و هذه‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 77.


صفحه 91

نقلته الحقيقية، و بقى على شربته أنفاس يستوفيها، و كان ذلك بعد يومين انتقل الشيخ.

و كان أعيان الشيخ يذكرون خصوصية فتحه، و معاريجه، و اطلاعاته كثيرا، نفع اللّه بهم، و رضى عنه.

و كان منهم فى أول جلوس الشيخ للتربية رجلا يقال له «يونس» هو أول من فتح عليه عند الشيخ، حتى كانوا الفقراء يقولوا: هو بكرى الشيخ، فتح عليه فتحا عزيزا، و كان الشيخ ينوه به، و كان كثير الرؤية للخضر7فسئل الشيخ عنه فأثبت له صحة رؤيته له‌[1].

فقالوا له: يا سيدى، هذا صاحبك أثبت له رؤية الخضر، أنت يا سيدى ما تراه؟!! قال: نعم مرات، و على السدكرات، رضى اللّه عنهم أجمعين.

أبو القاسم المراغى‌

و منهم الشيخ الصالح الوالى «أبو القاسم المراغى» من بلاد أخميم، صحب الشيخ صغيرا، و عنده بلغ الحلم، و كان من صغره صالحا، كثير المجاهدات و المعاملات، سهلة عليه، خرج عن دنيا متسعة عن أبيه وجده من أبقار و غيره، و أدخله الشيخ الخلوة و فتح عليه.

و كانت له مخاطبة أثبتها الشيخ له، و استمرت به إلى آخر عمره، و انقاد للشيخ جميع أهله، و كانوا بيتا كبيرا مباركين كلهم يحفظون القرآن، و صحبوا الشيخ و بنى لهم رباطا بالمرابغ كان فيه وقتا بعد موت الشيخ، و لم يزل فى صحبة الشيخ إلى أن انتقل سافر للحجاز على التجريد و جرا له ما جريات الرجال، و كان الشيخ يقدمه‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 78.


صفحه 92

فى بعض الأوقات للصلاة و الدعاء و وسع عليه و رزق أولادا صلحاء أتقياء، و انقرضت دائرة الشيخ «أبى الحسن» إلى أن لم يبق منها سواه.

و كان الشيخ المغاور نسج بينى و بينه مودة قبل أن أراه حركته إلى أن جاء إلى مصر بإشارة المغاور، و اجتمع بى و وقع بيننا إخاء أقمنا فيه سنين تزيد على أربعين سنة، و كان لى منه ود و بركة، و أخبر بمخاطبات سمعها فى حق منها أنه قال‌[1]:

قيل لى عن أخى الصفى ألبسته الرداء؟ قلت: فما هذا الرداء قيل لى: هو فى معنى قولنا: عن إبراهيم أنه كان بى حفيا، و من ذلك أنه قال بمحضر جمع كنت أقرأ فى الليل فأخذت عن القراءة.

و مثل لى أخى الصفى ثم مثل لى رجل فقيه يقال له: القرافى كان ينكر على أخى الصفى بم‌[2]و هو معروف بذلك، فلما مثلا لى سمعت خطابا يعنى به الصفى‌أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَو أشار الخطار لأخى الصفى بهذا الوصف ثم أشار للمنكر:فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ‌.

و قال مرة أخرى: سمعت خطابا فى حق أخى الصفى من الحق يقول: مشى فى بحبوحة الحضرة، و قال مرة أخرى: قيل لى عن أخى الصفى: هو أحد الستة، بل هو أكبرهم.

و كانوا أصحاب الشيخ «أبو الحسن» سموه «أبو القاسم الصغير» لصغر سنه، و تمييزا لأبى القاسم الكبير الأندلسى، فسمعهم الشيخ «أبو الحسن» يوما و هم يقولون: أبو القاسم الصغير فقال: لم تصغروه و هو عند اللّه كبير.

[1]-بداية اللوحة رقم: 79.

[2]-بداية اللوحة رقم: 80.


صفحه 93

فمنهم الشيخ الصالح الولى «أبو العباس الخادم، خدم الشيخ «عبد الرزاق الكبير» و الشيخ «عبد الرحيم العظيم» و الشيخ «أبو الحسن» نفع اللّه بهم، و أدخله الخلوة، و فتح له بما قسم له، و شهد له الشيخ بأنه من‌[1]الذين قال اللّه فيهم:

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ‌[2].

بعثه الشيخ «عبد الرحيم» لسوق قنا ليشترى طاجنا، فمضى إلى سوق قنا فلم يجد شيئا فمشى إلى قوص اشترى منها طاجنا و عاد، و لم نجد فى رواحه لقوص و عوده لقنا زمانا زائدا على مسافة شرائه من قنا، رضي اللّه عنه، و كان من أعيان أصحابه الشيخ الإمام «أبو عبد اللّه محمد الشاطبى» صحب الشيخ صحبه حسنة، و ألبسه خرقة التصوف، و لم يلبسها غيره من الشيخ اعتمادا من الشيخ عن نسبة أصحابه فى الباطن؛ فألبسه إياها بسؤاله له ذلك، و أدخله الخلوة و فتح عليها بما قسم له.

و كان له مخاطبات و استقامات فى التصوفات، و خلق جميل، و ولاه الشيخ الإمامة فى خانقاته، و جاء إلى مصر بعد وفاة الشيخ و حصل بينى و بينه ود كثير، و انتفعت به، و اجتمعنا بمكة فى المجاورة سنة ثلاثة و عشرين و ستمائة، و خرجت يوما للطواف بخاطر خطر لى فى غير وقت عادتى للخروج إلى الطواف فيه فأجده فى الطواف.

فقال: ما جاء بك فى غير وقت عادتك؟!! قلت له: وجدت باعثا أزعجنى، قال: هو خاطرى كنت الساعة أطوف و أسمع مخاطبته فى حقك مضمونها: قد عقدت بينكما محبة أخوة فى اللّه، و باللّه، و من اللّه، فأظهرت له قبول ذلك‌[3]، و السرور به.

[1]-بياض بالأصل.

[2]-سورة المطففين: آية 24.

[3]-بداية اللوحة رقم: 81.