فقال: هل ترى أن يظهر ذلك فى الحسن؟ قلت له: نعم، فمشينا إلى الحجر الأسود قبلناه و عقدنا عنده عقدة الأخوة، و سافر لدمشق و حصل له بها ظهور و انتفع به جماعة، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح العارف «أبو الربيع سليمان السهرويدى» صحب الشيخ «صحبة حسنة» أدخله الخلوة، و فتح عليه بما قسم له، و كانت له بداية حسنة، و بذل معتبر فى سبيل اللّه، خرج عنه الشيخ حين بايعه، و عاش بعد الشيخ بجلالة و حرمة، و انتفعت به جماعة، و كان له رباط فى طحطا فى جماعة كانوا يقتدون به رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو العباس اليمنى» كان من زهاد الأرض ملتزما، لبس المرقعة، و الاستمرار للاستغراق فى التوجه و الإعراض عن الوجود بالكلية، ملحوظا بالولاية، ثابتا على هذا الحال إلى أن مات، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو الطاهر» رضي اللّه عنه، كان من أعبدهم، مستمر الاشتغال دائما، كبير الانفراد و الخلوة، ملحوظا بالولاية إلى أن انتقل الشيخ و سافر لمكة، و أقام بها على حالة تجريده، و بعده. إلى أن مات بها.
و منهم الشيخ الصالح الفقيه «أبو عبد اللّه محمد بن عبد العزيز خان» الخادم الكبير، رأس الخدام، و صاحب أسرار الشيخ، و كان الشيخ يظهر له الحرمة، و كانت الخدام ستة[1]و عشرين خادما، و وصاه الشيخ على أطفاله أولاده، و كانوا جمعا كبيرا، يضيق الوقت على استيعاب ذكرهم، كملوا ستمائة أكثرهم عاشرناهم و انتفعنا بهم، رضى اللّه عنهم.
[1]-بداية اللوحة رقم: 82.
و كان للشيخ أخوة رجال أعيان منهم: الشيخ العارف «أبو عبد اللّه» كان قبل الشيخ فى السن، صاحب فتوحات و منازلات و مخاطبات، ملحوظ بالحرمة، و أخ آخر يقال له «يوسف» كان قريبا من الشيخ، عزيزا فى دائرته، كان مشاركا لأصحابه فيما كانوا فيه، و أخ آخر يقال له «إسماعيل» كان أجرا ملحوظا بالحرمة، و كلهم مجتمعون على الشيخ، بارين له.
و كان للشيخ ولد كبير من زوجته، و كانت له قبل ابنة الشيخ «عبد الرحيم» تحت دائرة والده، موافقة للفقراء فيما كانوا عليه، جاور بمكة، يسمى «عبد اللّه» رضى اللّه عنهم، و نفعنا بهم أجمعين.
كرامات الشيخ أبى العباس المرينى
و ممن رأيت الشيخ الولى العارف المعظم «أبو العباس المرينى» كان بالمغرب، كثير السياحات، عظيم الكرامات، أقام اثنى عشر سنة لم يحل بينه و بين السماء حجاب، و لا بينه و بين الأرض، و أقام ست سنين بمكة لم يدخل جوفه سوى ماء زمزم، و ربى عليه الشحم و اللحم، فالحظ- رحمك اللّه- طهارة جثته نشأت هذا الإنشاء.
كان له وضلة بالنبى، صلّى اللّه عليه و سلم يرد7بما سلم[1]و يجاوبه مهما تحدث معه، و كان فى مدة سياحته مستغرقا فيها إلى أن رأى يعقوب أمير المؤمنين بالغرب مرأى و أحوال وجدها من نفسه من أحوال المريدين، كان سببها أنه قتل أخاه غيرة على الملك فندم على قتل أخيه ندما أورث له توبة أثرت فى باطنه أحوالا حسنة، و تغير عليها من نفسه ما لا يعهده بثمرة التوبة.
[1]-بداية اللوحة رقم: 83.
فما كان أبركه عليه ذنب. رب قطيعة جلبت وصالا، و كم فى الزوايا من خبايا، فشكى ما يجده لمريده، كانت تدخل قصره فقالت له: هذه أحوال المريدين، و قال لها: كيف أعمل بنفسى، و من تعرفين يداوينى، قالت له: الشيخ «أبو مدين» سيد هذه الطائفة فى هذا الزمان، فبعث «يعقوب» للشيخ «أبى مدين» طلبه طلبا حثيثا و التجأ إليه التجاء اقتضى إجابة الشيخ «أبى مدين» له فقال: نطع اللّه سبحانه و تعالى بطاعته، و أنا فما أصل إليه أنا أموت بتلمسان.
و كان الشيخ حين ذلك فى بجاية، فلما وصل لتلمسان قال لرسل «يعقوب» سلموا على صاحبكم و قولوا له: شفاك اللّه على يد «أبى العباس المرينى» و يفعل على يده، و مات الشيخ سيدنا «أبو مدين» بتلسمان و مضت الرسل ليعقوب فأخبروه بما أوصى به الشيخ؛ فطلب الشيخ «المرينى» طلبا حثيثا[1]، و سيّر إلى كل الجهات إلى أن ظفروا به و أخبروه بما عليه من الطلب، و وجد من الحث سبحانه إذنا بالاجتماع، فمشى إلى أن اجتمع به؛ ففرح «يعقوب» بالظفر بوجوده، فأول ما عمل أن أمر بذبح دجاجات، و خنق أخرى، و أن تطبخ كل واحدة منهما على حدة، و قدمهما بين يدى الشيخ، و سأله أن يتناول الأكل ليواكله، فنظر الشيخ إليهما و أمر الخادم برفع المخنوقة.
قال: ما لهذه حاجة هذه جيفة، و أكل من الأخرى، فسلم «يعقوب» نفسه له، و نزل نفسه معه منزلة خادم، و فتح له على يده، و ترك الملك و ما أدراك ما ملك المغرب، و من «يعقوب» و سلمة لابنه، و اشتغل مع الشيخ فيما كانا يجتمعان عليه، و ثبت قدم «يعقوب» فى الولاية ببركة الشيخ «أبى العباس» و إشارة السيد «أبى مدين».
[1]-بداية اللوحة رقم: 84.
و مما جرى ليعقوب بإشارة الشيخ أن الناس كانوا محتاجين للمطر، فركب الشيخ على بغلته و «يعقوب» على فرس، و خرجا إلى ظاهر مراكش فوصلا إلى رابطة فنزلا بها و قال «أبو العباس المرينى» ليعقوب: صل و استسق للمسلمين.
قال له «يعقوب» أنت أحق و أولى، قال له الشيخ: بهذا أمرت، فصلى «يعقوب» و دعا، فنزل المطر على الفور.
و كان الشيخ يقبل[1]الأموال و يأتى بها إلى الحجاز، و يفرقها فى مكة و المدينة مرارا إلى أن مات، رضي اللّه عنه.
و مما جرى له فى تفرقة الأموال أنه كان يعتمد فى صدقاته على المجاورين الفقراء الصالحين، و يهمل أمر الأشراف لما يرى منهم من القتل و التعدى، و سوء الاعتقاد، فبينما هو راقد ذت ليلة و إذا هو يرى سرادق قد نصب من ظاهر الحرم إلى حجرة النبى صلّى اللّه عليه و سلم، فسأل عنه فقيل: هو السيدة فاطمة، جاءت تزور أباها، و إذا بها قد مرت تحت السرادق، قال: فتعرضت للسلام عليها فأعرضت، فقلت لها:
يا سيدتى ما هذا الإعراض؟ فقالت: يا أحمد، أنفك منك و إن كان أجذم، فاستيقظ للإحسان لسائر الأشراف، فكتب كل من فى المدينة من كبير و صغير و ذكر و أنثى، و صار يعمهم بصدقاته، رضي اللّه عنه[2].
و مما حكاه الشيخ المعظم الجليل «أبو محمد صالح» شيخ دكالة المغرب قال:
كنت مع «أبى العباس المرينى» فى السياحة فغبت عنه، و هو نائم، فجئت إليه أجد حية عظيمة قد تطوقت على حلقه و زبيبتها قبالة وجهه، تقاقى كما تقاقى
[1]-بداية اللوحة رقم: 85.
[2]-لا دليل يسند مثل هذه الروايات إذا كانت الرؤية يقظة إما إن كانت مناما فلا بأس بذلك و عموما فالأحكام الشرعية لا تؤخذ من الرؤى و المنامات.
الدجاجة، ففتح «أبو العباس» عينه رأها ثم نام إلى أن سمعت غطيطه؛ فسمعت مخاطبة من[1]السماء: يا أحمد، لقد عجبت ملائكة السماء من توكلك، ثم تحللت و انصرفت.
و جلس يوما على قرن جبل على البحر المالح؛ فوجد حالة أرمى نفسه من قرن الجبل؛ فنزل فى البحر إلى أن وصل إلى قراره؛ فخرجت له يد رفعته إلى قرن الجبل مكانه، ثم قيل له مخاطبة من الجبل: يا أحمد، كم تجرب نفسك فلقد جربناك فوجدناك صادقا، و كانت له كرامات كثيرة عظيمة، رضي اللّه عنه.
كرامات الشيخ أبى الحجاج الأقصرى
و ممن رأيته الشيخ الولى العارف «أبو الحجاج يوسف الأقصرى» كان من أجلاء أصحاب الشيخ «عبد الرحيم» شيخ الشيخ «أبى الحسن بن الصباغ» كان عظيم الشأن، صحب الشيخ «عبد الرحيم» و الشيخ الكبير «عبد الرزاق» الذى كان يثغر الإسكندرية، من أجل أصحاب السيد «أبى مدين» و صحب هذا الشيخ «يوسف» أيضا الشيخ «حبيب العجمى» و كان هو الغالب عليه فى مواجيده و أحواله، و كان عظيم الشأن، و سيرة الشيخ أبى الحجاج فى كراماته و مكاشفاته و أحواله و آثار تحكماته فى أصحابه فوق الوصف، و قد اتسعت دائرته و انتسب إليه خلق كثيرة، و ظهرت عليه بركات يضيق الوقت عن ذكرها.
و كان يوما فى بدايته و هو شاب[2]عند الشيخ «عبد الرحيم» يا يوسف، أبصر هذه الجارية أين هى؟ فأطرق و قال: يا سيد فى الضيعة الفلانية فى دار فلان، فذهب من سيره الشيخ للضيعة للدار التى ذكرها أخذها و جاء بها للشيخ.
[1]-بداية اللوحة رقم: 86.
[2]-بداية اللوحة رقم: 87.
و هذه حكاية فيها معنى عجيب: كون الشيخ لم يطلع على جاريته، و كان أولى و أقدر لعظيم خصوصياته استندب أبا الحجاج يوسف لإظهارها و الكشف عنها، و ذلك لتعالى الشيخ عن التنزل لهذا القدر من الكشف المسمى بالصورى، و هو دون مراتب الكشف، فاستندب من مكان فى دائرته لهذا الأمر؛ لكونه كان حاله فى ذلك الوقت استعمالا، و تصحيحا لحاله، و إجازة له بالتصرف فيما أناله إياه، و هذا شأن أكثر المعلمين لمن يفيدونه ما يعلمونه، و اللّه أعلم.
و قد قيد عنه حكايات هائلة و تحكمات معتبرة، و مكاشفات مستكثرة، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته الشيخ الصالح المعظم «...»[1]كان بدمامين من بلاد الصعيد، أقام بها إلى أن مات، و دفن بها، كان عبدا حبشيا، ملكه بعض تجار الصعيد و استخدمه اجتباه اللّه و اصطفاه بلا أسباب معلومة[2]، و لا مقدمات معلومة، أخذه عن حسه المعهود أخذة عظيمة، أقام فيها ستة أشهر، ما استطعم طعاما و لا شرابا، هذا قوله لى، رضي اللّه عنه.
و مما رأوا منه فى أوائل أخذته أن سيده لما رأى حاله تغير، ضربه فلم يتأثر للضرب، ظن به الجنون فاستندب شخصا لضربه ليفيق و يتناول الغداء فلا يقدر، فيقول الضارب للجنية فى زعمه: اخرجى، فيقول له الشيخ: خرجت، يعنى نفسه، و الضارب يظن أنه يقول عن الجنية؛ فقيدوه و حبسوه و غابوا عنه، و جاءوا إليه وجدوه خارجا عنه، فتكاثر ذلك عليهم من كراماته إلى يوم أحضروا له فراخا مشوية فلفحهم فى الهوا.
[1]-كلمة غير واضحة بالأصل.
[2]-بداية اللوحة رقم: 88.
و قال لهم: طيروا، فطاروا أحياء بإذن اللّه تعالى[1]؛ فانكفوا عنه، و تكاثرت ولايته إلى أن اشتهر بالولاية، و ظهرت بركاته فى الوجود، و توجه إلى الخلائق، و اشتهر اسمه فى البلاد، و كان يكتب اسمه فى الحروز، و اجتمع بالشيخ الإمام القدوة «أبى الحسن بن الصباغ» بشعثة آخر أخذته منكشف الرأس، شعثا له ستة أشهر مأخوذ عن الإحساس المعهودة، لم يستطعم فيها طعاما و لا شرابا، فألقى نفسه على الشيخ «أبى الحسن» فأخذه إليه و أزال شعثه[2]و أقبل بقبول حاله، و الشهادة له بصحة الأخذة، و استراح عليه، فكان مجذوبا فى أول أخذته، و استراح على الشيخ حين صحوه.
و كان الشيخ يعامله بالحرمة، و دعا فى هذا الشيخ سيدى مفرج من قوص إلى بلده دمامين، و أقمت فى ضيافته ثلاثة أيام، و كان كريم الأخلاق، سألته عن قضية جرت لبعض أصحابه ببلده، قال شخص منهم: كان قد حج لآخر: رأيت الشيخ مفرجا بعرفة نازعه الآخر بأن الشيخ ما فارق دمامين و لا راح لغيرها، و حلف كل منهما بالطلاق الثلاث من زوجته: أحدهما أنه رآه بعرفة، و الآخر أنه لم يغب عن دمامين فى أيام عرفة، فاختصما إليه و ذكر كل منهما يمينه فأقرهما على حالتهما، و أبقى كل واحد على زوجته، فسألته عن حكمه فيهما، و صدق أحدهما يوجب حنث الآخر، و كان حين هذا الحديث معنا جماعة معتبرون، قال الشيخ لنا: قولوا:
إذن منه فى أن نتحدث فى سر هذا الحكم، فتحدث كل منه بوجه لم يكف، و كانت المسألة قد اتضحت لى فأشار الشيخ لى بالإيضاح.
[1]-لا سند و لا دليل لمثل هذه الروايات.
[2]-بداية اللوحة رقم: 89.
فقلت: الولى إذا تحقق فى ولايته، و مكن بالتصرف روحانيته يعطى من القدرة التصور فى صور عديدة فى حين واحد فى جهات[1]متعددة على حكم إرادته، فالصورة التى رآها بعرفة حق، و الصورة التى رآها لم تفارق دمامين حق، و صدق كل واحد منهما فى عينه.
قال الشيخ: هذا الصحيح، يشير إلى موافقة ما أوضحته لصورة ما حكم به المنازعين فى أمره.
و جاء مرة إلى مصر فى زمن الملك الصالح ابن الكامل، و كان الخلق يزدحمون عليه ازدحاما كنا نخاف عليه فيه التلف، و لقد رأيته يوما فى طبقة الشافعى و حوله حجاب السلطان و بعض الأمراء و الخلق حول المكان لا يستطيعون الوصول إليه من الازدحام و القتل بعضهم لبعض، و هو جالس على حافة صفة، و حوله فيها أكابر أمراء و أكابر الخلق يزدحمون على يديه من تحت الصفة، كازدحامهم على الحجر الأسود فى أيام الحج، و يده تخطف من يد إلى يد، و هو فى تلك الحالة ينعس كأن ما حوله أحد لاستمرار حكم الأخذة عليه، و عدم بقية نفسه يستيقض لما كان فيه من اشتغال الخلق به، و زحمتهم عليه؛ لغلبة حكم القناعة.
و لقد كنت معه يوما فى هذه الطبقة فأخرجت رأسى من طاق أحد. الخلائق مجتمعين تحت الطاق، قد ضجروا من القعود للعجز عن الوصول إليه، صاحوا بابن أبى المنصور: أرنا الشيخ، فقلت له يا سيدى: أخرج رأسك من هذه الطاق ادع لهولاء الخلائق يروك و يروحوا، فأخرج[2]رأسه فوق الخلق، و كشفوا رؤوسهم و صاحوا: يا اللّه، يا اللّه، كأن الحق تجلى عليهم، فرأيته يبس حتى صار كالقرن،
[1]-بداية اللوحة رقم: 90.
[2]-بداية اللوحة رقم: 91.