الوزير ذو السعادات
قال أبو الحسن بن هلال الصابىء: عرض على الوزير ذي السعادات أبي الفرج صاحبها وطلبها، ففتح الوزير الدواة وكتب على هذه بخط غليظ، هذه لا تصلح، وكتب على أخرى وهذه غير مرضية، وعلى أخرى هذه غالية، وقال: ادفعوها إليه، فأخذها الرجل وقد تلفت عليه. قال: وكان إذا أخطأ الفرس تحته يأمر بقطع علفه تأديباً له، فإذا قيل له في ذلك، قال: أطعموه ولا تعلموه أني علمت بذلك.
لماذا رفض الإسلام
جاء بعض النصارى إلى عبد الله بن بشار وكان عامل المدينة فقال: أريد أن أسلم على يدك، فقال: يا ابن الفاعلة ما وجدت في عسكر أمير المؤمنين أهون مني جئت تريد أن تلقي بيني وبين عيسى ابن مريم كلاماً إلى يوم القيامة.
صعد بعض الولاة المنبر فخطب فقال: إن أكرمتموني أكرمتكم وإن أهنتموني ليكونن أهون علي من ضرطتي هذه، وضرط ضرطة.
هذا الثلج أبرد من ذاك
جاز بعض الأمراء المغفلين على بياع الثلج فقال: أرني ما عندك، فكسر له قطعة وناوله، فقال: أريد أبرد من هذا، فكسر له من الجانب الآخر، فقال: كيف سعر هذا؟ فقال: رطل بدرهم، ومن الأول رطل ونصف بدرهم، فقال: زن من الثاني. وجاز يوماً بطين في باب الشام فقال لأصحابه: السلطان يريد أن يركب فإن أنا رجعت ورأيت هذا الطين موضعه ضربته بالنار ولا ينفعكم شفاعة أحد.
خطب قبيصة وهو خليفة أبيه على خراسان فأتاه كتابه فقال: هذا كتاب الأمير وهو والله أهل أن يطاع وهو أبي وأكبر مني.
ما ورد كتاب من الميت
وحكى أبو إسحاق الصابي أن رجلاً من كبار كتاب العجم يعرف بأبي العباس بن درستويه حضر مجلس أبي الفرج محمد بن العباس وهو جالس للعزاء بأبيه أبي الفضل، وقد ورد نعيه من الأهواز، وعند أبي الفرج رؤساء الدولة، قد ولي الديوان مكان أبيه، فلما تمكن ابن درستويه في المجلس تباكى وقال: لعل هذا إرجاف ورد كتابه، فقال له أبو الفرج: قد ورد عدة كتب، فقال: دع هذا كله، ورد كتابه بخطه؟ فقال: لو ورد كتابه بخطه ما جلسنا للعزاء. فضحك الناس.
لا يفرق بين يوم الحجاجة ويوم القيامة
وأنشد عبد الله بن فضلويه عامل قرميسين في مجلسه والمجلس غاص بأهله، هذا البيت: البسيط:
يوم القيامة يومٌ لا دواء له ... إلا الطلاء وإلا اللهو والطرب
فقال بعض الحاضرين: إنما هو يوم الحجامة. فقال: اعذروني فإني لا أحسن النحو.
الباب الثالث عشر
في ذكر المغفلين من القضاة
قاضٍ لا يميز بين المدح والهجاء
عن ابن الأعرابي قال: خاصم أبو دلامة رجلاً إلى عافية، فقال: المتقارب:
لقد خاصمتني غواة الرجال ... وخاصمتهم سنةً وافيه
فما أدحض الله لي حجةً ... وما خيب الله لي قافيه
فمن كنت من جوره خائفاً ... فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية: لأشكونك لأمير المؤمنين، قال: لم تشكوني؟ قال: لأنك
هجوتني. قال: والله لئن شكوتني إليه ليعزلنك، قال: لم؟ قال: لأنك لا تعرف الهجو من المدح. عافية هذا هو ابن زيد القاضي ولاه المهدي القضاء على بغداد.
قاضٍ عزل نفه
قال: حدث عبد الرحمن بن مسهر قال: ولاني القاضي أبو يوسف القضاء بجبل. وبلغني أن الرشيد منحدر إلى البصرة فسألت أهل جبل أن يثنوا علي فوعدوني أن يفعلوا ذلك وتفرقوا، فلما آيسوني من أنفسهم سرحت لحيتي وخرجت فوقفت له، فوافى وأبو يوسف في الحراقة، فقلت: يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل، قد عدل بينا وفعل وصنع، وجعلت أثني على نفسي، فرآني أبو يوسف فطأطأ رأسه وضحك، فقال هرون: مم تضحك؟ فقال: إن المثني على نفسه هو القاضي. فضحك هرون حتى فحص رجليه وقال: هذا شيخ سخيف سفلة فاعزله، فعزلني.
الأمير أخر الجمعة
عن علي بن هشام أنه قال: كان للحجاج قاضٍ بالبصرة من أهل الشام يقال له أبو حمير، فحضرت الجمعة فمضى يريدها، فلقيه رجل من العراق فقال له: يا أبا حمير فأين تذهب؟ قال: إلى الجمعة، فقال: ما بلغك أن الأمير قد أخر الجمعة اليوم؟ فانصرف راجعاً إلى بيته، فلما كان من الغد قال له الحجاج: أين كنت يا أبا حمير لم تحضر معنا الجمعة؟ قال: لقيني بعض أهل العراق فأخبرني أن الأمير أخر الجمعة فانصرفت. فضحك الحجاج وقال: يا أبا حمير أما علمت أن الجمعة لا تؤخر.
لا يفرق بين العم والخال
قال المدائني: استعمل حيان بن حسان قاضي فارس على ناحية كرمان فخطبهم فقال: يا أهل كرمان تعرفون عثيمان بن زياد هو عمي أخو أمي. فقالوا: فهو خالك إذن.
قال ابن خلف: وسقط الذباب على وجه قاضي عبدان فقال: كثر الله بكم القبور.
قال ابن خلف: قال بعض الرواة: تقدم رجلان إلى أبي العطوف قاضي حران فقال أحدهما: أصلح الله القاضي، هذا ذبح ديكاً لي فخذ لي بحقه، فقال لهما القاضي: عليكما بصاحب الشرطة فإنه ينظر في الدماء.
قاضي مدينة حمص
قال أبو الفضل الربعي: حدثنا أبي قال: سأل المأمون رجلاً من أهل حمص عن قضاتهم، قال: يا أمير المؤمنين، إن قاضينا لا يفهم وإذا فهم وهم، قال: ويحك كيف هذا؟ قال: قدم عليه رجل رجلاً فادعى عليه أربعة وعشرين درهماً، فأقر له الآخر، فقال: أعطه، قال: أصلح الله القاضي، إن لي حماراً اكتسب عليه كل يوم أربعة دراهم، أنفق على الحمار درهماً وعلي درهماً وأدفع له درهمين، حتى إذا اجتمع ما له غاب عني فلم أره فأنفقتها، وما أعرف وجهاً إلا أن يحبسه القاضي
إثنا عشر يوماً حتى أجمع له إياها، فحبس صاحب الحق حتى جمع ماله، فضحك المأمون وعزله.
حلف الجار بدل المتهم
وعن أبي بكر الهذلي قال: كان ثمامة بن عبد الله بن أنس على القضاء بالبصرة قبل بلال بن أبي بردة وكان مخلطاً، فاستدعت امرأة إلى ثمامة على رجل أودعته شيئاً ولم يكن لها بينة، فأراد استحلافه لها، فقالت: إنه رجل سوء فيحلف ويذهب حقي، ولكن استحلف إسحاق بن سويد فإنه جاره، فأرسل إلى إسحاق واستحلفه.
قاضٍ يحكم بالقرعة
وحكى أبو الخير الخياط عن بعض أصحابه قال: دخلت تاهرت فإذا فيها قاضٍ من أهلها، وقد أتى رجل جنى جناية ليس لها في كتاب الله حد منصوص ولا في السنة، فأحضر الفقهاء فقال: إن هذا الرجل جنى جناية وليس لها في كتاب الله حكم معروف فما ترون؟ فقالوا بأجمعهم: الأمر لك، قال: فإني رأيت أن أضرب المصحف بعضه ببعض ثلاث مرات، ثم أفتحه فما خرج من شيء عملت به، قالوا له: وفقت. ففعل بالمصحف ما ذكره، ثم فتح فخرج قوله تعالى: " سنسمه على الخرطوم " فقطع أنف الرجل وخلى سبيله.
شاهد واحد يثبت نصف الحق
وبلغنا أن رجلاً قدم رجلاً إلى بعض القضاة فادعى عليه بثلاثين ديناراً وأقام شاهداً واحداً، فقال القاضي: إدفع له خمسة عشر ديناراً إلى أن يقيم الشاهد الآخر.
ما معنى السدس
وحكى فقيه من رفقائنا قال: حضر عندي أمين من أمناء القاضي فسألني عن فريضة فيها سدس، فقال: ما معنى السدس؟ قلت له: من الدينار ثلاثة قراريط وحبة وسهم من ستة أسهم، هذا هو السدس، فقال: أكتبه لي حتى أعرفه، قلت: والله لا أكتبه لك.
الباب الرابع عشر
في ذكر المغفلين في الكتاب والحجاب
أخطأ الكاتب فكانت جريمة
حدثني حماد بن إسحاق قال: كتب سليمان بن عبد الملك إلى أبي بكر بن حزم أن أحص من قبلك من المخنثين، فحصف كاتبه فقال أخص فدعا بهم فخصاهم. وقد رويت لنا هذه الحكاية على غير هذا الوجه، وأنه خصاهم لأنه كان غيوراً، فإذن لا يكون تصحيفاً.
الكاتب الأحمق
وعن الحسين بن السميدع الأنطاكي قال: كان عندنا بإنطاكية عامل من حلب وكان له كاتب أحمق، فغرق في البحر شلنديتان من مراكب المسلمين التي يقصد بها العدو، فكتب ذلك الكاتب عن صاحبه إلى العامل بحلب بخبرهما: بسم الله الرحمن الرحيم، إعلم أيها الأمير أعزه الله تعالى إن شلنديتين أعني مركبين قد صفقا من جانب البحر أي غرقا من شدة أمواجه فهلك من فيهما أي تلفوا، قال: فكتب إليه أمير حلب: بسم الله الرحمن الرحيم، ورد كتابك أي وصل وفهمناه أي قرأناه أدب كاتبك أي إصفعه واستبدل به أي اعزله فإنه مائق أي أحمق والسلام أي انقضى الكتاب.