وكتب أبو كعب إلى منزله كتاباً عنوانه: من أبي كعب يدفع عنوانه في عياله إن شاء الله.
رسالة من ولد ملك
وكتب بعض ولد الملوك إلى بعض: استوهب الله المكاره فيك برحمته، أنا وحق جدي رسول الله الذي لا إله إلا هو، أحبك أشد من جدي المتوكل، فقد بلغني أنه قد جاءك من النبيذ شيء كثير كثير شطراً، وأنا أحبه شديد شديد شطراً آخر، وبحياتي عليك ألا بعثت إلي دستجة أو خمس دبات أو ستة أو سبعة أو أكثر جياد بالغة وإلا فثلاث خماسيات ولا تردني فأحرد موفقاً إن شاء الله.
الباب الخامس عشر
في ذكر المغفلين من المؤذنين
عن أبي بكر النقاش قال: حدثنا أن أعرابياً سمع مؤذناً كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله بالنصب فقال: ويحك فعل ماذا؟ وعن محمد بن خلف قال: قيل لمؤذن ما يسمع أذانك فلو رفعت صوتك، فقال: إني لأسمع صوتي من ميل. وقال بعضهم: رأيت مؤذناً يؤذن ثم عدا، فقلت: إلى أين؟ فقال: أن أحب أعرف إلى أين يبلغ صوتي.
وأذن مؤذن فقيل له: ما أحسن صوتك؟ فقال: إن أمي كانت تطعمني البلادة وأنا صغير. يريد البلادر. وعن شريح بن يزيد قال: كان سعيد بن سنان المهدي مؤذناً بجامع حمص، وكان شيخاً صالحاً يسحر الناس في رمضان فيقول في تسحيره: استحثو قديراتكم، عجلوا في أكلكم قبل أن أأذن فيسخم الله وجوهكم وتحردوا.
الباب السادس عشر
في ذكر المغفلين من الأئمة
يحفظ مكان الإمام حتى يجيء
عن أبي العيناء قال: كان المدني في الصف من وراء الإمام، فذكر الإمام شيئاً فقطع الصلاة وقدم المدني ليؤمهم، فوقف طويلاً، فلما أعيا الناس سبحوا له وهو لا يتحرك فنحوه وقدموا غيره، فعاتبوه فقال: ظننته يقول لي: احفظ مكاني حتى أجيء.
كلهم أعداء لا نبالي بهم
وعن محمد بن خلف قال: مر رجل بإمام يصلي بقوم فقرأ: آلم غلبت الترك، فلما فرغ قلت: يا هذا، إنما هو " غلبت الروم " فقال: كلهم أعداء لا نبالي من ذكر منهم.
الأعمش يصلي خلف إمام ثقيل
وعن مندل بن علي قال: خرج الأعمش ذات يوم من منزله بسحر، فمر بمسجد بني أسد وقد أقام المؤذن الصلاة، فدخل يصلي، فافتتح الإمام الركعة الأولى بالبقرة ثم في الركعة الثانية آل عمران، فلما انصرف قال له الأعمش: أما تتقي الله، أما سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أم الناس فليخفف فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة ". فقال الإمام قال الله عز وجل: " وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين ". فقال الأعمش: أنا رسول الخاشعين إليك بأنك ثقيل.
تصحيح الخطأ بالرفس
وعن المدائني قال: قرأ إمام ولا الظالين بالظاء المعجمة، فرفسه رجل من خلفه، فقال الإمام: آه ضهري، فقال له رجل: يا كذا وكذا خذ الضاد من ضهرك واجعلها في الظالين وأنت في عافية، وكان الراد عليه طويل اللحية.
لا تطل في صلاتك أيها الإمام
قال الجاحظ: أخبرني أبو العنبس قال: كان رجل طويل اللحية أحمق جارنا، وكان أقام بمسجد المحلة يعمره ويؤذن فيه ويصلي، وكان يعتمد السور الطوال ويصلي بها، فصلى ليلة بهم العشاء فطول، فضجوا منه، وقالوا: اعتزل مسجدنا حتى نقيم غيرك فإنك تطول في صلاتك وخلفك الضعيف وذو الحاجة، فقال: لا أطول بعد ذلك، فتركوه، فلما كان من الغد أقام وتقدم فكبر وقرأ الحمد، ثم فكر طويلاً وصاح فيهم: إيش تقولون في عبس؟ فلم يكلمه أحد إلا شيخ أطول لحية منه وأقل عقلاً، فإنه قال: كيسة مر فيها.
إمام لا يحسب
وقرأ إمام في صلاته وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر، فتم ميقات ربه خمسين ليلة فجذبه رجل وقال: ما تحسن تقرأ ما تحسن تحسب.
أطال الإمام فهرب المصلون
وتقدم إمام فصلى فلما قرأ الحمد افتتح بسورة يوسف، فانصرف القوم وتركوه، فلما أحس بانصرافهم قال: سبحان الله! " قل هو الله أحد ". فرجعوا فصلوا معه.
ارتج على الإمام فظل يردد
وقرأ إمام في صلاته: " إذا الشمس كورت " فلما بلغ قوله: " فأين تذهبون "، ارتج عيه وجعل يردد حتى كادت تطلع الشمس، وكان خلفه رجل معه جراب فضرب به رأس الإمام وقال: أما أنا فأذهب، وهؤلاء لا أدري إلى أين يذهبون.
الباب السابع عشر
في ذكر المغفلين من الأعراب
الأعرابي والخياط
عن أبي عثمان المازني أنه قال: قدم أعرابي على بعض أقاربه بالبصرة، فدفعوا له ثوباً ليقطع منه قميصاً، فدفع الثوب إلى الخياط فقدر عليه ثم خرق منه، قال: لم خرقت ثوبي؟ قال: لا يجوز خياطته إلا بتخريقه، وكان مع الأعرابي هراوة من أرزن فشج بها الخياط، فرمى بالثوب وهرب، فتبعه الأعرابي وأنشد يقول: الكامل:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... فيما مضى من سالف الأحقاب
من فعل علج جئته ليخيط لي ... ثوباً فخرقه كفعل مصاب
فعلوته بهراوةٍ كانت معي ... فسعى وأدبر هارباً للباب
أيشق ثوبي ثم يقعد آمناً ... كلا ومنزل سورة الأحزاب
الكريم لا يرجع في هبته
وعن الأصمعي أنه قال: مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه، فقرأ والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها كلمة بلغت منتهاها لن يدخل النار ولن يراها رجل نهى النفس عن هواها، فقلت له: ليس هذا من كتاب الله، قال: فعلمني، فعلمته الفاتحة والإخلاص، ثم مررت بعد أيام، فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها، فقلت له: ما للسورة الأخرى؟ قال: وهبتها لابن عم لي، والكريم لا يرجع في هبته.
أعرابي يؤم في البادية
وعنه أنه قال: كنت في البادية فإذا بأعرابي تقدم فقال: الله أكبر سبح اسم ربك الأعلى، الذي أخرج المرعى، أخرج منها تيساً أحوى ينزو على المعزى ثم قام في الثانية فقال: وثب الذئب على الشاة الوسطى وسوف يأخذها تارة أخرى. أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ألا بلى ألا بلى فلما فرغ قال: اللهم لك عفرت جبيني وإليك مددت يميني فانظر ماذا تعطيني.
أعرابي يؤدب أمه
وعنه قال: رأيت أعرابياً يضرب أمه فقلت: يا هذا أتضرب أمك؟ فقال: أسكت فإني أريد أن تنشأ على أدبي.
دعاء أعرابي حول الكعبة
وعنه أنه قال: حج أعرابي فدخل مكة قبل الناس وتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس.
أصحاب النحو زنادقة
وعن أبي الزناد قال: جاء أعرابي إلى المدينة فجالس أهل الفقه ثم تركهم، ثم جالس أصحاب النحو فسمعهم يقولون نكرة ومعرفة، فقال: يا أعداء الله يا زنادقة.
خصام الطائيين
وعن العلاء بن سعيد قال: قعد طائي وطائية في الشمس، فقالت له امرأته: والله لئن ترحل الحي غداً لأتبعن قماشهم وأصوافهم، ثم لأنفشنه ولأغسلنه ولأغزلنه، ثم لأبعثنه إلى بعض الأمصار فيباع وأشتري بثمنه بكراً، فأرتحل عليه مع الحي إذا ترحلوا، قال الوج: أفتراك الآن تاركتني وابني بالعراء؟ قالت: أي والله، قال: كلا والله،
وما زال الكلام بينهما حتى قام يضربها، فأقبلت أمها فقالت: ما شأنكم، وصرخت: يا آل فلانة أفتضرب ابنتي على كد يديها ورزق رزقها الله، فاجتمع الحي فقالوا: ما شأنكم؟ فأخبروهم بالخبر!! فقالوا: ويلكم، القوم لم يرحلوا وقد تعجلتم الخصومة.
طلق امرأته لوجه الله
وعن الأصمعي قال: خرج قوم من قريش إلى أرضهم وخرج معهم رجل من بني غفار، فأصابهم ريح عاصف يئسوا معها من الحياة ثم سلموا، فأعتق كل رجل منهم مملوكاً، فقال ذلك الأعرابي: اللهم لا مملوك لي أعتقه ولكن امرأتي طالق لوجهك ثلاثاً.
أعرابي يعمل في معمل للذهب
وكان رجل من الأعراب يعمل في معمل للذهب فلم يصب شيئاً، فأنشأ يقول: الرجز:
يا رب قدر لي في حماسي ... وفي طلاب الرزق بالتماس
صفراء تجلو كسل النعاس
فضربته عقرب صفراء سهرته طول الليلة وجعل يقول: يا رب الذنب لي إذ لم أبين لك ما أريده، اللهم لك الحمد والشكر، فقيل له: ما تصنع أما سمعت قول الله تعالى " لئن شكرتم لأزيدنكم ": فوثب جزعاً وقال: لا شكراً لا شكراً.
الأعرابي وقراءة القرآن
وسئل أعرابي هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ فقرأ أم الكتاب والإخلاص فأجاد، فسئل هل تقرأ شيئاً غيرهما؟ فقال: أما شيئاً أرضاه لك فلا.
يعتذر من صلاته قاعداً
قال الأصمعي: ورأيت أعرابياً يصلي في الشتاء قاعداً ويقول: الطويل:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعداً ... على غير طهرٍ مومياً نحو قبلتي
فما لي ببرد الماء يا رب طاقةٌ ... ورجلاي لا تقوى على طي ركبتي
ولكنني أقضيه يا رب جاهداً ... وأقضيكه إن عشت في وجه صيفتي
وإن أنا لم أفعل فأنت محكم ... إلهي في صفعي وفي نتف لحيتي
أعرابي يطلب الرقية
وعض ثعلب أعرابياً فأتى راقياً فقال الراقي: ما عضك؟ فقال: كلب، واستحى أن يقول ثعلب، فلما ابتدأ بالرقية، قال: وأخلط بها شيئاً من رقية الثعالب.
وقال بعض الأعراب: لنا تمر تضع التمرة في فيك فتبلغ حلاوتها إلى كعبك.
أرسل غيره وأرحنا
وقرأ إمام في صلاته: " إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه " فأرتج عليه، وكان خلفه أعرابي فقال: لم يذهب نوح فأرسل غيره وأرحنا.
أكره أن أثقل على ربي
وكان أعرابي يقول: اللهم اغفر لي وحدي، فقيل له: لو عممت بدعائك فإن الله واسع المغفرة، فقال: أكره أن أثقل على ربي.
أدعو لأمي لا لأبي
دعا أعرابي بمكة لأمه فقيل له: ما بال أبيك؟ قال: ذاك رجل يحتال لنفسه.
مناجاة أعرابي عند الكعبة
وقيل إن محمد بن علي عليه السلام رأى في الطواف أعرابياً عليه ثياب رثة وهو شاخص نحو الكعبة لا يصنع شيئاً، ثم دنا من الأستار فتعلق بها ورفع