فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش الضلالة، صاحب لوائه: حبيب بن جمار.
فقام رجلٌ من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي لك شيعةً وإنّي لك محبٌّ.
فقال: ومن أنت؟ قال: أنا حبيب بن جمار.
قال: إياك أن تحملها، ولتحملنّها فتدخل بها من هذا الباب، وأومأ بيده إلى باب الفيل. فلما مضى أمير المؤمنين عليه السلام ومضى الحسن بن علي عليه السلام من بعده، وكان من أمر الحسين عليه السلام ما كان، بعث إبن زياد بعمر بن سعد- عليهم اللعنة- إلى الحسين عليه السلام، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب بن جمار صاحب رايته، فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل.
الإرشاد للمفيد: 173، نهج الحق: 243.
شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد: 287.
ومن ذلك:
قوله للبراء بن عازب: يُقتل إبني الحسين وأنت حيٌّ لا تنصُره فلما قُتل الحسين عليه السلام كان البراء يقول: حدّثني واللَّه علي بن أبي طالب عليه السلام بقتل الحسين عليه السلام ولم أنصُره، ثُم يظهر الحسرة والندم.
الإرشاد للمفيد: 174.
شرح نهج البلاغة إبن أبي الحديد: 10/ 15.
ومن ذلك:
ما رواه جويريّة بن مسهّر العبدي قال: لما توجهنا إلى صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام فبلغنا طفوف كربلاء، وقف عليه السلام ناحية من العسكر، ثم نظر يميناً وشمالًا وإستعبر، ثم قال: هذا واللَّه مناخ ركابهم وموضع منيّتهم.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الموضع؟
فقال: هذه كربلاء يُقتل فيه قومٌ يدخلون الجنة بغير حساب، ثم سار وكان الناس لا يعلمون تأويل ما قال: حتى كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان.
الإرشاد للمفيد: 175، عنه بحار الأنوار: 41/ 286.
ومن ذلك:
إخباره بعمارة بغداد، وملك بني العباس وذكر أحوالهم، وأخذ المغول الملك منهم.
قال العلامة الحلي: رواه والدي رحمه الله. وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلة والكوفة والمشهدين الشريفين من القتل، لأنّه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد وقبل أن يفتحها، هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلّا القليل فكان من جملة القليل والدي رحمه الله والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه إبن أبي العزّ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان، بأنهم مطيعون داخلون الأيلية، وأنفذوا به شخصاً أعجميّاً.
فأنفذ السلطان إليهم فرماناً مع شخصين: أحدهما يُقال له: تكلم والآخر يقال له علاء الدين. وقال لهما: إن كانت قلوبهم كما وردت في كتبهم فيحضرون إلينا.
فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه.
فقال والدي رحمه الله: إن جئتُ وحدي كفى؟
فقالا: نعم- فأصعد معهما، فلما حضر بين يديه، وكان ذلك قبل فتح بغداد وقتل الخليفة.
قال له: كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم، وكيف تأمنون أن صالحني ورحلت عنه؟
فقال له والدي: إنما أقدمنا على ذلك، لأنا روينا عن إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال في بعض خطبه:
«الزوراء وما أدراك ما الزوراء، أرضٌ ذات أثل، يشتدُّ فيها البنيان، ويكثر فيها السكان، ويكون فيها قهارم وخزّان، يتخذها وُلد العباس موطناً ولزخرفهم مسكناً، تكون لهم دار لهو ولعب، ويكون بها الجور الجائر والخوف المخيف والأئمة الفجرة والقراء الفسقة والوزراء الخونة، يخدمهم أبناء فارس والروم، لا يأتمرون بمعروفٍ إذا عرفوه، ولا يتناهون عن مُنكرٍ إذا أنكروه، يكتفي الرجال منهم بالرجال، والنساء بالنساء». فعند ذلك الغمّ الغميم والبكاء الطويل
والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك.
وما هم الترك؟
قومٌ صغار الحدق، وجوههم كالمجانّ المطرقة، لباسهم الحديد، جُردٌ مُردٌ يقدمهم ملك يأتي من حيث بدأ مُلكهم، جهوريّ الصوت، قويُّ الصوت، عالي الهمة، لا يمرّ بمدينةٍ إلّا فتحها، ولا ترفع له راية إلّا نكسها، الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر، فلما وصف لنا ذلك، وَجَدنا الصفات فيكم جئناك فقصدناك.
فطيّب قلوبهم، وكتب لهم فرماناً بإسم والدي رحمه الله يطيّب فيه قلوب أهل الحلّة وأعمالها، والأخبار الواردة في ذلك كثيرة.
قال إبن شهرآشوب بعد ذكره جملة من أخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالمغيّبات:
«وهذه كلّها إخبارٌ بالغيب، أفضى إليه النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالسرِّ مما أطلعه اللَّه عزّ وعلا عليه، كما قال اللَّه تعالى:«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً* لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً».
ولم يشحّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم على وصيِّه بذلك، كما قال اللَّه تعالى:«وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ»ولا ضَنّ عليٌّ عليه السلام على الأئمة من ولده عليهم السلام.
مناقب آل أبي طالب: 2/ 279.