فاستقضى مُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي، وهو آخر قضاة بني أمية، وكان ابن عِمْرَان من رفعاء الناس وذوي أقدارهم، وله فقه، وعلم، وأدب، وروى عنه شيء من الحديث
وهو صاحب الحديث الذي حَدَّثَنَا به الأحوص القاضي وغيره؛ قالوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن عبيد الله بْن إسحاق بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان؛ قال: حَدَّثَنِي أبي، عَن أبيه، عَن مُحَمَّدبْن عِمْرَان، عَن القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر، عَن عَائِشَة؛ قالت: لما اجتمع أصحاب رسول الله، وكانوا ثمانيةً وثلاثين رجلاً، ألح أَبُو بكر على رسول الله في الظهور؛ فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أَبُو بكر يلح عليه، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أَبُو بكر خطيباً في الناس، ورَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس، وكان أول خطيب دعا إِلَى الله ورسوله؛ في حديث طويل.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: حَدَّثَنَا مصعب؛ قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللهِ بْن مصعب؛ قال: ذكر المهدي مُحَمَّدبْن عِمْرَان، فبجله، وقال: بلغني أنه يعد الخبز على امرأته؛ فَقَالَ لَهُ: أنى! والله يا أمير المؤمنين لو رأيته لقلت هَذَا جبل نفخ فِيْهِ الروح.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أبي علي العبسي؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن صبح العذري؛ قال: حَدَّثَنِي أبي، عَن الرجال بْن موسى، عَن أبيه؛ قال: قَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: ما شيء أشد من حمل المروءة؛ قيل له: أي شيء المروءة ? قال: لا أعمل شيئاً في السر أستحي منه في العلانية.
وأَخْبَرَنَا حماد بْن إسحاق بْن إبراهيم الموصلي، عَن أبيه؛ قال: دخل مُحَمَّدبْن عِمْرَان على أبي جعفر، فلما كلمه أعجبه، فقال: إن أهل بلدك ليثنون عليك ثناءً جميلاً؛ على أنهم يزعمون أن فيك إمساكاً وبخلاً؛ قال: يا أمير المؤمنين: إني وإياك لا نحب أن نضيع.
قَالَ: إسحاق: ووقف مُحَمَّدبْن عِمْرَان على باب أبي جعفر، وقد أذن له إذناً عاماً، فَقَالَ لَهُ الحاجب: ما إسمك ? قال: ما مثلي يحتاج أن يخبر عَن نفسه؛ سل تخبر، ودفع في صدر الحاجب ودخل.
قال: ولما دخل أَبُو جعفر المدينة يريد الحج لقيه الناس يتظلمون من مُحَمَّدبْن عِمْرَان، وهو يسايره؛ فقال: ما هَذَا ? قال: يا أمير المؤمنين ما لم تر أكثر؛ نصف أهل المدينة ممن قضيت عليهم غضبان، ولا والله ما يجوز للقاضي أن يترك الحق لغضب الناس.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة، وعَبْد اللهِ بْن جعفر بْن مصعب؛ قالا: أَخْبَرَنَا مصعب؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان بْن إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة بْن عبيد الله قاضياً لزِيَاد بْن عبيد الله الحارثي على المدينة أيام المنصور، وكانت الأمراء هم الذين يولون القضاة، وكان مُحَمَّدبْن عِمْرَان من أمل المروءة والصلابة في القضاء، لا يطمع فيه، فقدم أَبُو أيوب المورياني المدينة حاجاً، فاستعدى عليه أقرباؤه مُحَمَّدبْن عِمْرَان، فأرسل إليه فلم يحضر، فلقيه عند زياد؛ فقال: أرسلت إليك فلم توكل ولم تحضر، فرد عليه أَبُو أيوب رداً عنيفاً، فمد مُحَمَّد إليه يده ليبطش به، وكان أيدا، فحال دونه الأمير والشرط، فقيل له: إن خرجت عرض لك موالي أبي أيوب؛ فتقلد السيف، وخرج حتى أتى المسجد، فهابوه فلم يقدموا عليه. وكان رجلاً مصلحاً لماله، فبسب إِلَى البخل، فبلغه ما يقول الناس فقال: إني والله ما أجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد الكراني؛ قال: حَدَّثَنَا سهل بْن مُحَمَّد؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: حَدَّثَنَا مولى لآل الخطاب؛ قال: قَالَ لي: ابن عِمْرَان
قاضي المدينة: أنشدني شعر أحيحة بْن الجلاح فأنشدته:
أطعت العرس في الشّهوات حتى ... أعادتني عسيفاً عَبْد عَبْد
إذا ما جئتها قد بعت عذقاً ... تعانق أو تقبل أو تفدّى
قال: إيه زدني؛ فأنشدته:
فمن وجد الغنى فليصطنعه ... صنيعته ويجهد كلّ جهد
فَقَالَ: إيه؛ وكأنه أعجبه.
حَدَّثَنَا حماد بْن إسحاق؛ قال: حَدَّثَنِي مصعب بْن عَبْد اللهِ؛ قال: أحضر مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي شهوداً يشهدون على عهد له؛ فأنشد بعضهم:
إذا ما جئتها قد بعت عذقاً ... تقبّل أو تعانق أو تفدّى
الأبيات، فلما فرع القوم من شهادتهم قَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: لكاتب: اكتب هذه الأبيات في أسفل الصك؛ قال: وما يدعوك إِلَى هَذَا ? قال: لعل متعظاً من بني يقرأها فيتعظ بها.
وأَخْبَرَنِي حماد؛ قال: حَدَّثَنِي مصعب، أو عَبْد اللهِ بْن إبراهيم الجمحي قال: أتى مُحَمَّدبْن عِمْرَان جماعة من أهل المدينة؛ فقالوا: رجل منا أفلس فأحببنا أن تجعل له رأس مال؛ فقال: إنا والله ما نتدفق في الباطل، ولا نجمد عند الحق، وما علينا كلما أفلس تاجر من تجار المدينة أن نجعل له رأس مال، ثم تمثل بقول كثير:
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه ... صنيعة تقوى أو صديق تخالقه
منعت وبعض المنع حزم وقوةٌ ... ولم يقتلتك المال إِلَّا حقائقه
انصرفوا راشدين.
حَدَّثَنِيه طلحة بْن عبيد الله الطلحي؛ قال: حَدَّثَنِي عافية بْن شبيب، عَن العتبي نحوه. أَخْبَرَنِي أَبُو حمزة أنس بْن خالد الأنصاري؛ قال: حَدَّثَنِي قبيصة بْن عُمَر المهلبي؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: كنت مع مُحَمَّدبْن عِمْرَان الطلحي قاعداً، وهو على قضاء المدينة؛ فلما خلا المجلس قال: يا أبا سعيد من يغني بهَذَا الصوت ?:
ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدوا بلبّك مطلع الشّرق
برزت على قرب يقاد بها ... بغل أمام برازق زرق
قلت: لا أدري قَالَ: معَبْد.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن أبي الدنيا؛ قال: حَدَّثَنِي يحيى بْن عَبْد اللهِ الخثعمي، عَن الأصمعي؛ قال: أنشدت مُحَمَّدبْن عِمْرَان قاضي المدينة، وكان من أعقل من رأيت من القرشيين:
يأيّها السّائل عَن منزلي ... نزلت في الخان على نفسي
يغدو عليّ الخبز من خابز ... لا يقبل الرّهن ولا ينسى
آكل من كيسي ومن كسوتي ... حتى لقد أوجعني ضرسي
فقال: اكتبها لي؛ فقلت: أصلحك الله إنما يروي هذه الأحداث؛ قال: ويحك! الأشراف همتهم الملاحة.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن علي بْن الْحَسَن الهاشمي؛ قال: حَدَّثَنَا نصر بْن علي؛ قال: حَدَّثَنَا الأصمعي؛ قال: حَدَّثَنَا ابن عِمْرَان الطلحي، عَن أبيه، قال:
شباب النِّسَاء ما بين خمس عشرة إِلَى الثلاثين.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يحيى ثعلب، عَن ابن الأعرابي؛ قال: لما قدم أَبُو مسلم المدينة دخل عليه الحكم بْن المطلب المخزومي، ومُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي، وأهل المدينة، فأحجم الناس ما يتكلم أحد هيبة لأبي مسلم؛ فَقَالَ: الحكم بْن المطلب ليبسط أبا مسلم: أيها الأمير أي البلدين أبرد أبلدنا أم أم بلدكم ? فَقَالَ: أَبُو مسلم: خذ بأرجلهما، فاسجنهما حتى نخرجهما، فأخذ الحاجب برجل الحكم بْن المطلب، ومُحَمَّدبْن عِمْرَان، فسجنهما، فلما صارا في بعض الأَبُواب اصطك رأساهما؛ فَقَالَ مُحَمَّدبْن عِمْرَان: للحكم: يا بْن أم ما عليك أي البلدين أبرد ?
أَخْبَرَنَا حماد بْن إسحاق الموصلي؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن إبراهيم الجمحي؛ قال: تقدم إِلَى مُحَمَّدبْن عِمْرَان المخنث مع خصم له؛ فَقَالَ: الخصم: لدنيه تكلمني بهَذَا الكلام مع ما بعينيك من الاسترخاء ? فَقَالَ: دنية: أصلح الله القاضي، قد عرض بي فأدبه أصلحك الله، فَقَالَ: ابن عِمْرَان للجلواز: اخفقه بالدرة فخفقه خفقة، أو خفقتين، ثم قال: حسبك، فَقَالَ: دنية: أصلحك الله! هَذَا فقط على التعريض، فقال: والله لقد ضربناه، وإن في عينيك لبعض ما قال.
وأَخْبَرَنَا حماد بْن إسحاق؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن إبراهيم بْن قدامة الجمحي؛ قال: كان مُحَمَّدبْن عِمْرَان من الطيبين، وكان بالمدينة مجنون
يكنى أبا حجر، فمر ابن عِمْرَان يوماً، وهو يشتم الناس؛ فقال: يا أبا حجر كف عَن شتم الناس؛ فقال: والله لأشتمنهم، ولأشتمنك معهم إن أتيت فضربه ابن عِمْرَان بسوطه، فلما وجد حر الضرب جعل يخبله ويقول: اشهد أنك قاض أحمق، أنا أقول له: لا أشتم الناس، وهو يقول لي: بلى والله لتشتمنهم.
قَالَ: عَبْد اللهِ بْن إبراهيم: وزعموا أنه أراد الخروج إِلَى ضيعة له، يغني ابن عِمْرَان، وأراد أن يخرج بعجوز لهم فأمر أن يستأجر لها دابة، فأَبُوا أن ينقصوا من ثمانية عشرة بها في مسيرة يوم وبعض آخر، فقال: أعلم أن في بغلي فضلاً، فجعل عليه محملاً وركب معادلاً لها، ومر على مجالس المدينة يسلم عليهم، ولم يغرم ثمانية عشرة درهماً.
أنشدني أَبُو بكر أَحْمَد بْن أبي خيثمة لأبي الشدائد الفزاري يهجو مُحَمَّدبْن عِمْرَان التيمي:
عند ابن عِمْرَان زهو غير ذي رطب ... وعنده رطب في النّخل ممنوع
وأنشدني أيضاً لأبي الشدائد:
إني لأستحي لتيم من الذي ... أطلق ابن عِمْرَان الطويل من البخل
يرى خدباً شحماً طويلاً وإنما ... عصا خروع بين العمامة والنعل