وأنشد هارون بْن مُحَمَّد لسعيد بْن سليمان يقولها للعباس بْن مُحَمَّد بْن علي:
ألا قل لعباس على نأي داره ... عليك السلام من أخ لك حامد
أتاني إِذَا لم ينس ما كان بيننا ... على النّأي في صرف الهوى المتباعد
هنيئاً مريئاً أن قدحك فائز ... إِذَا حرّكت يوماً قداح المشاهد
رأيتك تجزي بالمودة أهلها ... وتمنح صفحاً مستقيل الأباعد
قطعت من الباغين سعيك أن دعا ... إِذَا اجتهدوا يوماً مناط القلائد
وإني لم أعلم من الناس واحداً ... على غائب منهم حلفت وشاهد
أقل بفضل العز منك تطوّلاً ... وأرغب في مستودعات المحامد
وأوزع للنفس اللّجوج عَن الهوى ... إِذَا وردت يوماً حرون الموارد
وقَالَ: سعيد بْن سليمان في العباس بْن مُحَمَّد حين غضب عليه:
أبلغ أبا الفضل يوماً إن عرضت له ... من دائم العهد لم يخش الذي صنعا
ما بال ذي حرمة صافي الإخاء لكم ... أمسى بحسرته من ودّكم فجعا
من غير ماترة إِلَّا الوفاء لكم ... ما مثل حبلك من ذي حرمة قطعا
ماتم ما كنت أرجو من مودتكم ... حتى تباين شعب الود فانصدعا
أما ورب مني والعائذات له ... الدافعين بجمع يوضعون معا
لو كان غيرك يطوي حبل خلته ... دوني ويلبس ثوب الهجر ما اتّبعا
فارع الذّمام ولا تقطع وسائله ... وارجع فإن أخا الإحسان من رجعا
أشبه أخاك وأخلاقاً نسبن بها ... في المجتدين له لم يجده الطّبعا
حفظ الذمام وإتيان الصديق إِذَا ... ضاع الإخاء وتفريق الذي جمعا
أَخْبَرَنِي هارون بْن مُحَمَّد، عَن زبير، عَنْ عَبْدِ الجبار بْن سعيد بْن سليمان؛ حَدَّثَنَا أبي؛ قال: سمرنا ليلة عند جعفر بْن سليمان بالعرصة، أنا وعَبْد اللهِ بْن مصعب، وعَبْد الأعلى بْن عَبْد اللهِ بْن صفوان الجمحي، فأوقد لنا ناراً، فقلت في ذلك:
لم تر عيناي مثل ليلتنا ... والدهر فِيْهِ طرائف العجب
إذ أوقدت موهناً تشبّ لنا ... نارٌ فباتت تحس بالحطب
يحشها بالضّرام محترم ... مطاوع للرفيق ذو أدب
لفّعها بالضّرام فانتصبت ... ثم سمت للسّماء باللهب
حمراء زهراء لا نحاس لها ... كأن فيها صفائح الذهب
تزهر في مجلس لدى ملك ... قرم نجيب من سادة نجب
عذب السّجيّات لا يرى أبداً ... يفيض وجه الجليس من غضب
يمنعه البرّ والوفاء ونف ... س بدنيّ الأمور لم تشب
حنّت له هاشم فوسّطها ... حوب الرحا بالحديد للقطب
وأنشدني أَبُو يحيى الزهري لسعيد بْن سليمان في هارون بْن زكريا؛ كاتب العباس بْن مُحَمَّد:
أزورك رفها كلّ يوم وليلة ... ودرك مخزون عليّ قصير
لأي زمان أرتجيك وخلة ... إِذَا أنت لم تنفع وأنت وزير
فإن الفتى ذا اللب يطلب ماله ... وفي وجهه للطالبين بشير
وله في الربيع بْن عَبْد اللهِ المداني وكان ولي اليمن:
ألا من مبلغ عني خليلي ... أريد أخا بني عَبْد المدان
رأيتك إِذ حييت صددت عني ... كأنك حين تنظر لا تراني
فإن سلّمت أو أديت حقّاً ... رددت سلام منقبض الجنان
سأعدل عنك في سعةٍ ورحب ... فأبشر من صديقك بالأمان
ولبعض الشعراء فيه:
قل للإمام جزاك الله صالحة ... هَلْ أنت مبدلنا بالجاهل الجافي
قاض يكاد إِذَا لاذ الخصوم به ... يطير من حدّة فِيْهِ وإسفاف
لا والذي هو أهدى العدل منك لنا ... لا يطمع الخصم إن أدلى بإنصاف
كأنه حين يحزوزي لمجلسه ... بختية بعثت من بيت علاّف
أنشدنا عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: أنشدني عَبْد الجبار بْن سعيد المساحقي لأبيه:
وذي أحنة قد قلت أهلاً ومرحبا ... له حين يلقاني فحيّا ورحّبا
فأعطيته من ظاهري مسحة الرضا ... وأدنيته حتى دنا فتعرقبا
فصلت به مستمكن الكعب صولة ... شفيت بها أضغان من كان مغضبا
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحَسَن الزرقي؛ قال: حَدَّثَنِي موسى بْن عَبْد اللهِ بْن موسى ابن عَبْد اللهِ؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الجبار بْن سعيد؛ قال: حضر أبي سعيد بْن سليمان، وعَبْد اللهِ بْن مصعب، وابن دأب عند العباس بْن مُحَمَّد، ففخر ابن دأب على قريش ببني بكر، وذكر أيامها بذات نكيف ونكيف؛ قال:
فدخل جدك موسى بْن عَبْد اللهِ على العباس بْن مُحَمَّد، وأنشد ابن دأب شعراً لقريش فِيْهِ ألفاظ غليظة؛ فَقَالَ: ابن دأب: يا بْن عَبْد اللهِ بْن حسن أنا أعوذ بحقوي أبيك أن تقول فينا شيئاً لا أقدر على رده؛ قال: فقطع؛ فَقَالَ: أَبُو سعيد بْن سليمان في ذلك شعراً:
لا نعدمنك يا موسى إِذَا رميت ... فهر ولم يرم عَن أحسابها أحد
ونوه الجدّ يبغي من يصول به ... أم من يعين إِذَا ما كانت الرفد
بقذف أعدائها عنها ويمنعها ... كما ينازل عَن أشباله الأسد
ما إن يبالي لؤي حين ينصبه ... للجد ما برق الأعداء أو رعدوا
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن إسحاق التيمي؛ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن جعدية؛ قال: كان الذي بين سعيد بْن سليمان المساحقي، وعَمْرو بْن عَبْد الرحمن العامري أسوأ ما بين اثنين، وكانا يتناضلان، يقعقع كل واحد منهما بصاحبه، ويتوذف له بذنبه توذف الفحل العظيم؛ يتحاذفان بمثل ما يوافد الغيظ الذي لا يرفع، فلما أن ورد القضاء على عَمْرو ابن عَبْد الرحمن، قَالَ: لأمير المدينة، ولصاحب بريدها: أمهلاني قليلاً أستخر وأعد إليكما، وأخذ الكتاب في كمه ثم دق على سعيد بْن سليمان الباب؛ فَقَالَ: لجاريته: أعلمي أبا عَبْد الجبار أن عُمَراً بالباب، فدخلت فأعلمته؛ فقال: وما يريد ? ائذني له؛ فدخل عليه فجلس بين يديه؛ فقال: إنه قد حدث حادث؛ قال: وما ذاك ? قال: ورد على كتاب القضاء من أمير المؤمنين وكل مملوك له حر، وكل مال يملكه صدقة، لئن أمرتني برده لأردنه، ولا نالك مني مكروه أبداً، ولا ألم بناحيتك مني شعث، وإنما كنت أنا وأنت
نتناهض من كل بيننا بعز نفسه، فأصبحت الآن؛ إن ظهرت عليك فبيد السلطان، فمرني الآن بأمرك على شريطة؛ قال: وما هي ? قال: تكون لي عوناً ترقع ما وهنت، وتصلح ما أفسدت، وإلا فلا حاجة لي بهَذَا؛ قال: فإني لك على ذلك. فقضى عَمْرو بْن عَبْد الرحمن؛ فكتب إليه يشكو بعض من كانا يعلمان أنه كان يقدح بينهما، وكان إِلَى عَمْرو أميل فكتب إليه سعيد:
بلوت إخاء الناس يا عَمْرو كلهم ... وجربت حتى أحكمتني تجاربي
فهونك في حب وبغض فربما ... بدا جانب من صاحب بعد جانب
فخذ صفو ما أحببت لا تنزرنه ... فعند بلوغ الكد رنق المشارب
ثم عزل عَمْرو عَن القضاء، ووليه سعيد؛ فَقَالَ لَهُ سعيد: إنك كأنك لم تعزل، فكان القاضي عُمَراً، وكان سعيد كأنه تابع له.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن زهير، عَن زبير بْن أبي بكر؛ قال: حَدَّثَنِي موسى بْن طلحة، عَن عمه عُثْمَان بْن طلحة، عَن سعيد بْن سليمان؛ قال: قَالَ لي: يوماً الْحَسَن بْن زيد، وأنا معه على شرطه قولاً كان جوابه على خلاف ما اخترته: والله لهممت أن أفارقك فراقاً لا رجعة بعدها؛ فقلت: أيها الأمير إذاً أقول لك حينئذ:
وفارقت حتى ما أحن من الهوى ... وإن بان جيران عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على النّأي تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام
قال: فسكت عني فما رآني بدءاً حتى فارقني.
وقَالَ: زبير: حَدَّثَنِي عمي؛ قال: قَالَ: العباس بْن مُحَمَّد لسعيد بْن سليمان وكان ينقلب إِلَى الحجاز وإِلَى ماله بالجفر:
وليس إِلَى نجد وبرد مياهه ... إِلَى الحول إن حمّ الإياب سبيل
وبعث بهَذَا البيت إِلَى أبي؛ وقال: زد معه بيتاً آخر؛ فَقَالَ: أبي:
وإن مقام الحول في طلب الغنى ... بباب أمير المؤمنين قليل
وقَالَ: زبير: حَدَّثَنِي عَبْدُ الملك بْن الماجشون؛ قال: شهد سعيد بْن سليمان عند عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان، وهو على القضاء، فرد شهادته، فلما ولي سعيد بْن سليمان جاءه عَبْد اللهِ في شهادة فنظر فيها، وفكر طويلاً، ثم قَالَ: لكاتبه أجز شهادته يا بْن دينار؛ فإن أمير المؤمنين لا يشفي غيظه وعزل موسى بْن المهدي سعيد بْن سليمان المساحقي عَن القضاء، واستقضى مكانه عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ بْن عُمَر حفص الِعُمَرَي. وعَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ حدث وروى عنه، وفي حديثه لين.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عرفة؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد اللهِ الِعُمَرَي، عَن أبيه، عَن نافع، عَن ابن عُمَر؛ قال: قَالَ: رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أتيت في المقام بعس مملوء لبناً، فشربت منه حتى امتلأت، فرأيته يجري في عروقي، ففضلت فضلة؛ فأخذها عُمَر بْن الخطاب فشربها، أولوا؛ قالوا: هَذَا علم أتاكه الله تبارك وتعالى، حتى إِذَا إمتلأت منه، فضلت فضلة، فأخذها عُمَر بْن الخطاب؛ قال: أصبتم.
قال: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد اللهِ الِعُمَرَي، عَن سهيل بْن أبي صالح، عَن أبيه، عَن أبي هريرة، عَن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قال: كلم الله هَذَا البحر، وذكر حديثاً طويلاً.
وحدث عنه علي بْن مسلم الطوسي أيضاً بأحاديث مناكير وغيرهما حدث عنه.
ثم عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدبْن عِمْرَان ثانية، ثم هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة المخزومي، ثم عزل عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ واستقضى عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد
ابن عِمْرَان التيمي، ثم عزل واستقضى مكانه هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة ابن عَبْد الرحمن بْن الحارث بْن هشام المخزومي.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة، وجعفر بْن مكرم وغيرهما؛ قالوا: حَدَّثَنَا مصعب بْن عَبْد اللهِ؛ قال: حَدَّثَنِي هشام بْن عَبْد اللهِ بْن عكرمة المخزومي، عَن هشام بْن عروة، عَن أبيه، عَن عَائِشَة؛ قالت: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن مُحَمَّد بْن يحيى؛ قال: كان ابن أبي نمير مولى آل عُمَر ينزل حضير، وكان عُمَر بْن القاسم بْن عَبْد اللهِ بْن عبيد الله بْن عاصم بْن عُمَر بْن الخطاب ينزل النقيع، فحصد ابن أبي نمير شعيراً له، فأرسل إليه عُمَر بْن القاسم: أن أرسل إلي بشعير وتبن للدابة، ففعل؛ ثم أعاد عليه، فألح عليه فامتنع؛ وقال:
أجزية تأخذ من قوم عرب