بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 100

إياهم وإشباعه عليهم حتى يجبر الله منهم العظم الكسير ويسد به حاجتهم وخلتهم وقد يحمد الله رأوا من ذلك تباشيره ما قرت به العيون، وثلجت به الصدور، ورجوا به تمام ذلك وتمام نعمه عليهم، ولِعُمَرَي يا أمير المؤمنين فالأمر في هؤلاء الناس لمن وليهم، العائد عليهم لنفعه، السعيد هديه الذي لا مصرف له عنه إِلَى ما هو خير له منه في دينه ودنياه، بل الذي لم يول أمورهم إِلَّا بالعدل فيهم وإقامة الحق بينهم عليهم ولهم، وما منزلته التي استخلفه الله لها فيهم إِلَّا كمنزلة الوالد الرءوف الرحيم لولده، والحريص على رشدهم وريبهم، العزيز عليه عيبهم، وفسادهم، العفو عَن سببهم، الساتر لعرورتهم، الآخذ بما لا يجمل تركه، وما منزلته فيهم التي يقوى بها على أمورهم، إن شاء الله، إِلَّا منزلة من لا يقر به إليه ولا غنى به عنه، وقد آتى الله أمير المؤمنين من سلطان النعمة لدينه، والمعونة له والحجة عليه خصالاً عظمت بها المنة عليه، وعلى رعيته فيه، من السمع والطاعة والسكون، والاستقامة وصلاح ذات البين، وما يوسع الله به على يديه إن شاء الله على الجماعات والبيضة مع موضعه الذي وضعه الله من رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والخلفاء وأن ليس بالذي قصر به تقارب سر، فلم يبق إِلَّا الشكر، وأن يأمر فيطاع، وقد علم أمير المؤمنين أنه قد كان يقال: ليوم من إمام عدل خير من عبادة ستين سنة، ففي مثل ذلك يا أمير المؤمنين فليتنافس المتنافسون من الولاة، وقد علم أمير المؤمنين أن حمل عليه في هذه الرعية خصال أربع: الثغور، والأحكام، والفىء، والصدقة، وأن مما تصح بهذه الخصال الأربع بإذن الله خصلتان: فأما الثغور فقد علم أمير المؤمنين أن قوامها بإذن الله أهل النجدة والشجاعة، من أهل الحنكة والتجربة، وأن مما يصلح أولئك ما استعين بهم أن يسبغ عليهم وعلى جندهم من العطاء والأرزاق، وأن لا يوكلوا إِلَى ما يصيبون من غنائمهم، بل يجلب لهم ولجندهم عندما يحدث الله لهم وعلى أيديهم من ذلك العطاء، والألطاف، ويخص بجمال ذلك أهل النجدة والبأس


صفحه 101

والنكاية في العدو منهم، ويسمو بهم إِلَى أفضل غايتهم ويعرف ذلك لهم، ويذكرون به، ويحفظ لهم، ويحفظون به في أعقابهم من بعدهم بواجب حقهم، وليتنافس في ذلك من سواهم وليستنصروا به ثم لا يحجب لهم بقبولها ولو طرق طروقاً، فقد بلغني أن بعض الفقهاء التابعين رفع الحديث؛ قال: لا يزال لهذه الأمة طعمة ما بيتت ثغورها، فإذا بيتت من قبل ثغورها بينت طعمها أو انقطعت مدتها، وهنالك يطعن الرجال فيهم، فالثغور الثغور يا أمير المؤمنين، ثم الثغور الثغور يا أمير المؤمنين، فإن الثغور حصون بإذن الله للعباد، وسكن للبلاد، وقرار لهذه الأمة ليبلغوا منافعهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم، ولتتم لهم مدة بقاء معالم دينهم آمنين مطمئنين وفي ذلك يا أمير المؤمنين بلاء من الله في نعمه عليهم وإحسانه إليهم عظيم، والأجر في ذلك لمن ولاه إقامتهم، والورد فِيْهِ على حسب ذلك، فعصم الله أمير المؤمنين من سيء ذلك، ووفقه لأحسنه.
وهذه الأحكام والحكام ولا يمنعني ما أنا بسبيله، فلما أن أنهى إِلَى أمير المؤمنين، بمبلغ علمي، النصيحة له في ذلك، فإني أعلم أن بقائي فيما أنا فِيْهِ قليل إما بفراق في الحياة،، وإما بموت، فإن أكبر ما أحض عليه من ذلك يكون لسواي، فأما الأحكام فإن الحكم بما في كتاب الله ثم بما في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن لم يوجد ذلك في كتاب الله، ثم ما أجمع عليه الأئمة الفقهاء إن لم يوجد ذلك في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم اجتهاد الحاكم، فإنه لا يألو إِذَا ولاه الامام ذلك، مع مشاورة أهل العلم.
فأما الحكام، فقد علم أمير المؤمنين، إن شاء الله، أدنى مأموله أن يكون في الحاكم الورع والعقل، فإن أحدهما إن أخطأه لم يقمه أهل العلم، واختيار خيار ما يشار به عليه في ذلك فإن كان له مع ذلك، فهم وعلم من الكتاب والسنة، كان بالغاً فإن كان مع ذلك ذا حكم، وصرامة وفطنة بمذاهب الناس، وغوامض أمورهم التي عليها يتظالمون فيما بينهم وبها يقارعونه عَن دينه ودنياه، كان ذلك هو الكامل


صفحه 102

التام، فإذا وجد أحد أولئك استعين به ثم ثبتت لعله وأعلى كعبه، وشد ظهره وأزره، وأنفذ حكمه، وأسبغ عليه، وعلى أعوانه وكتابه من الأرزاق، فإن الحكم مهيمن على سائر الأعمال مقدم بين يديها إمام لها، وحكم عليها، وقوام لها.
ومن ذلك هَذَا الفيىء، وأخذه من مواضعه بسنته، وعدله على قدر ما يطلق أهله من التخفيف عنهم، وحتى يترك لهم ما يصلحهم وأرضهم، ومن تحت أيديهم من أعوانهم وعيالاتهم، وحتى ينفق على فقيرهم، وكذلك بلغني من السيرة فيهم، كان يفعل ويذكر ذلك فيهم، في عامهم لقابلهم؛ فإن ذلك أعُمَر للبلاد، وأدر للحلب وأكثر للخراج، وأعدل في الرعية فإن قليل ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم، وأنصبتهم أكبر أضعافاً كبير ما يوجد منهم في التخفيف عليهم مع عمارة بلادهم، وأنصبتهم أكبر أضعافاً كبير ما يوجد منهم في إهلال أنفسهم، وإخراب بلادهم وأن يوفى لموادعهم بشروطهم، فإني أرى فيما قبلي ههنا عجبي من أمرين في شيء واحد، أما أحدهما فإني آتي في بعض ما قبلنا الأرض التي هي منها وإِلَى جنبها وأربية من أرابيها، يوفى لأهلها بالشروط وفي المزارعة ويقارب لهم الوفاء، فيخرج من الخراج أكبر مما تخرج تلك الكور كلها.
وفي الأمر الآخر الذي كتب فِيْهِ أمير المؤمنين أَبُو جعفر إِلَى سوار بْن عَبْد اللهِ، وهو يومئذ على قضاء البصرة، إني قد أمرت بالوفاء للمزارعين المتقبلين بشروطهم فاعلم ذلك وأعمله الناس قبلك، ثم أرى الرجل من أولئك المزارعين يشكو أنه يؤخذ منه أضعاف ما قوطع عليه، يا أمير المؤمنين أبي جعفر ثم يوضع هَذَا الفىء، بعد استخراجه، على سننه وعدله مواضعه، فإن أمير المؤمنين قد علم


صفحه 103

إن شاء الله أن أهله ومواضعه أهل الآيات الأربع التي في سورة الحشر، وآية الخمس التي في سورة الأنفال، وهي الآيات الأربع التي أولاهن: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7} وقد عرف أمير المؤمنين إن شاء الله، أن أهل هذه الآية ومواضعها، ثم قال: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: 8}
ليس فيهم الأنصار ثم قال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9} لآية.
وقد عرف، إن شاء الله، أن أهل هذه الآية هم الأنصار، ليس فيها من المهاجرين أحد، قال: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10} وعرف، إن شاء الله، أن أهل هذه الجماعة من بقى من الاسلام، ومن هو داخل فِيْهِ حتى تنقضي الدنيا.
وبلغني أن عُمَر بْن الخطاب فسر هؤلاء الآيات الثلاث موضعاً لهَذَا الفىء، وكذلك بلغني عَن عُمَر بْن عَبْد العزيز، ولا أظن بلغني ذلك إِلَّا عَن عُمَر بْن الخطاب، فتبعه فهَذَا الفىء كذلك بينهم وفيهم على ما يرى إمام العامة في قسمته بينهم من تفضيل بعضهم على بعض على مناقبهم، وسابقتهم، وولاية من ولى الله فتح أول ذلك على يديه منهم، وحفظ أعقابهم من بعدهم، وكذلك بلغني أنه كان يفعل.
والتسوية بين من استوت منازلهم ممن سواهم من الناس من ذلك، وقد بلغني، ولا أخال أمير المؤمنين، أمتع الله به، إِلَّا قد علم ذلك وبلغه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ من ذروة سنامى بعير بين أصبعه شعرات ثم قال: مالأمير


صفحه 104

ولا مأمور مما أفاء الله عليهم مثل هَذَا إِلَّا الخمس والخمس مردود عليكم، وقال: ولو كان ما أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعماً ما وجدتموني فِيْهِ بخيلاً ولا أداباً وهذه الصدقات أخذها من واضعها لا يجاوز بشر فريضة إِلَى ما فوقها، ولا يقتصر بها إِلَى ما دونها، ولا يغلى عليها قيمتها، ولا إخال أمير أمير المؤمنين إِلَّا قد بلغه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: المعتدى بالصدقة كما نعها، وأن يوجد من الحروب والثمار وسائر الأموال التي جرت فيها الصدقات على سننها التي قد علمها المسلمون، وعملوا بها؛ وأن يؤخذ من تجار أهل الذمة ضعف ما يؤخذ من تجار المسلمين.
فكذلك بلغني أن عُمَر بْن الخطاب أمر به في أموال تجار أهل الذمة وأنه أمر أن يؤخذ من تجار الحرب إِذَا قدموا على المسلمين، كنحو ما يأخذ أهل الحرب من تجار المسلمين إِذَا قدموا عليهم، ووضع هذه الصدقات في مواضعها من أهل الصدقة الذين أمر الله بهم في كتابه، لا يجاوز بها إِلَى غيرهم، ولا يقصر بها دونهم يوم تدلك الآية التي في براءة، وهي "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60] تقسم بين هذه الآية على ما يرى الإمام من قسمتها بينهم على قدر قلة كل صنف منها وكثرته، ولا يعدل صدقة عَن أهل بلدها إِلَّا أن يستغنوا عنها، أو يستغنوا بما يقسم فيها منها في عامهم ذلك إِلَى حين يقسم الصدقة فيهم من قابلهم، فإذا كان كذلك عدلت عنهم عامهم ذلك إِلَى أدنى من يليهم من الفقراء على نحو من ذلك القسم


صفحه 105

فهذه الخصال الأربع التي يعلم أمير المؤمنين أنها هي جمل الأعمال في رعيته، ويعلم أن ليس لأحد في كتاب الله ولا في شيء من سنة من رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمر رأى ألا الانقياد له، والمجاهدة عليه، وما سوى ذلك من الأمور التي تبتلى بها الأئمة مما يؤتى فِيْهِ الناس مما لم يحكم القرآن ولا سنة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن ولي أمر المسلمين، وإمام جماعتهم لا يقدم فيها بين يديه، ولا يقضى فِيْهِ دونه، بل على من دونه رفع ذلك إليه، والتسليم لما قضى.
وأما الخصلتان اللتان تصلحان بهم بإذن الله إن شاء الله؛ فالمسألة لأهل الذكر، والأمانة عَن قاضي عمال أمير المؤمنين، ودانيهم، ثم اللحاق بكل ما هو أهله من جزاء المحسن بإحسانه وتأديب المسىء منهم بإساءته، أو عزله والاستبدال به على قدر ما يستحقون من التأديب والعزل.
ومما يصلح ذلك، أصلح الله أمير المؤمنين، ويقود به الوالي على أمره ألا يستكثر من الْحَسَن شيئاً عمل وإن كثر، فإنه ليس شيء من حسن عمل به أمرؤ، وإلا ونعمة الله عليه في ذلك خاصة أكثر، وحق الله عليه فيه، وفيما سواه أعظم وأوجب، وليس العباد، وإن حزموا وجدوا، ما نعى كنه حق الله عليه، إِلَّا ما أعان الله ورحم، وألا يستقل من الْحَسَن شيئاً فيدعه، فإن المحسن مسرور بما هو مفروض عليه من حسن عمله، قليله وكثيره، وإن الْحَسَنة إِلَى الْحَسَنة حسنات، و: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114}
ولا يحقر مع ذلك من مسيء شيئاً وإن ت قَالَ: في عينه، فإنه ليس شيء من السيء بقليل، وليس شيء منه إِلَّا وهو مخوف سر عاقبته إِلَّا ما أعان الله وتجاوز، ثم لا يؤخر عمل اليوم لغد فإنه إِذَا كان ذلك تدراكت الأعمال وشغل بعضها عَن بعض، ثم المبادرة بالعمل في العامة وفي خاصة النفس الخصال الست، التي لا إخال أمير المؤمنين إِلَّا وقد


صفحه 106

علمهن، وبلغه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بمبادرتهن بالعمل، طلوع الشمس من مغربها، والدجل، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامة فإنه لا يؤمن أحدها أن تصبح وتمسي، وذلك ما لا أخاله، ألا وقد بلغ أمير المؤمنين من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بعثت والساعة كهاتين؛ وجمع بين أصبعيه الوسطى، والتي تليها، وقوله: إن ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كعابر يومكم هَذَا فيما مضى فيه، والشمس حينئذ على رؤوس الجبال، ومن آخر يومه ذلك، وقوله: وكيف أنعم، وصاحب القرن قد التقمه، وقد حبا جبينه وأصغى بسمعه، وقدم قدماً، وأخر قدماً، وينتظر متى يؤمر أن ينفخ فينفخ، وقوله: إنما مثلي ومثل الساعة كقوم بعثوا ربيئة لهم يربأ العدو، فأبصروا العدو فخاف أن يسبقوه إِلَى أصحابه، والذي ينوبه ونادى يا صباحاه فكيف، وقد أتى دون


صفحه 107

هَذَا القول ما أتى من القرون والسنين، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكون بحضرته قوم منتخبون من أهل الأمصار، أهل صدق وعلم بالسنة، أولو حنكة وعقول وورع لما يرد عليه من أمور الناس، وأحكامهم، وما يرفع إليه من مظالمهم فليفعل فإن أمير المؤمنين؛ وإن كان الله قد أنعم عليه وأفضل بما أفاد من العلم بكتابه وسنته، رد عليه أمور هذه الأمة أهل شرقها وغربها، ودانيها وقاصيها، فيشغله بعضها عَن بعض، ففي ذلك عون صدق على ما هو فِيْهِ إن شاء الله، وقد قَالَ: الله عز وجل لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والوحي ينزل عليه، وهو خير وأبقى وأبر وأعلم ممن سواه من الناس: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عِمْرَان: 159]
وقَالَ: للقوم وهو يصف حسن أعمالهم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى: 38} وذلك إِلَى ما قد سر الناس مما بلغهم من بروز أمير المؤمنين لهم وبحاجاتهم، ورجوا أن يتم الله ذلك لأمير المؤمنين، بمباشرته أمورهم، وصبره نفسه على ذلك لهم، وأن يزيده الله قوة ورغبة فِيْهِ ومواظبة عليه، فإن ذلك من أعلام العدل، وآياته ومما يقوم به الولي على أمر الرعية، ويخلص به إِلَى التي يريد المبالغة فيها، والمباشرة لها، فتمم الله ذلك لأمير المؤمنين، ويسره له وأرجو أن يكون طائره إِلَى ذلك علمه بعدله، ودينه وقوته ونظره، لنفسه واختياره لها خيار الأمور وأحسنها. وأنى قد عرف ما قيل في إغلاق الباب دون ذوي الحاجة، والخلة والمسكنة.
أسأل الله لأمير المؤمنين رحمته وسعة فضله وأن يجعل ولايته ولاية معدلة، ويرزقه معافاة، وأن يلهمه العطف على الرعية، والرأفة بهم، والرحمة لهم وأن يرزقه منهم السمع والطاعة، وأن يجمع كلمتهم، ويلم شعثهم.
وكتب الحكم في صفر سنة تسع وخمسين ومائة.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الحكم عَن النميري، عَن خلاد بْن يزيد، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ، وحماد الثقفي، أن المنصور أبا جعفر، لما توفى، خرج عبيد الله بن